الأربعاء، يوليو 30، 2008

وصية شاهين.حب الوطن وعشق الانسان بقلم صلاح هاشم

شاهين في لقطة من الفيلم.وصية شاهين : حب الوطن، وعشق الانسان

الفنانة يسرا في لقطة من فيلم الاسكندرية كمان وكمان.سينما المكاشفة


في فيلم " الاسكندرية كمان وكمان "


وصية شاهين


حب الوطن ، وعشق الإنسان



بقلم صلاح هاشم




اعتبر ان يوسف شاهين، الذي توفي اليوم الاحد 27 يوليو 2008 عن 82 عاما هو مؤسس تيار " المكاشفة " وحساب الذات في السينما العربية الجديدة، اذ يجسد المخرج المصري يحيي الاسكندراني في فيلم " الاسكندرية كمان وكمان " من انتاج 1990 حالة خاصة، في اطار عملية الخلق الفني ، داخل بلد محدد هو مصر. وهذه الحالة الخاصة، في اطار الظروف الموضوعية العامة ، اجتماعية وفكرية وسياسية واقتصادية التي تعيشها ، هي موضوع فيلم شاهين، الذي يضع نفسه أمام المرآة،لكي يكتشف ملامح وقسمات تلك " الحالة " الخاصة جدا في شخصية يحيي الاسكندراني..

الاسكندرية كمان وكمان هو فيلم أقرب مايكون إلي افلام " السيرة الذاتية " التي تسلط الضوء علي وضع انساني محدد، خلال فترة بعينها، وهو من هذا المنطلق فيلم للتاريخ وعن التاريخ، ينضم الي فيلمين سابقين من افلام شاهين هما " الاسكندرية ليه ؟ " انتاج 1979 وفيلم " حدوتة مصرية " 83 ليشكل " ثلاثية " هي الأولي من نوعها في السينما العربية، فها هو شاهين، وبعد مرور اكثر من عشر سنوات علي انتهاء الجزء الاول في المرحلة الفرنسية الذي شهد فيلمي " الوداع بونابرت " 85 و " اليوم السادس " 86..

هاهو " جو " يعود في هذا الفيلم، الي وقائع شخصية وتاريخية محددة، ويطرح هذه الوقائع من خلال مرآة الشخصية، في علاقتها بالتاريخ، حين تكون " الأنا " هي المحور الأساسي في الفيلم، ولذلك يعد " الاسكندرية كمان وكمان احد اهم الأفلام العربية في تاريخها، اذ يؤسس لما نحب ان نطلق عليه " سينما المكاشفة " الذي يؤكد علي قيم " الفردية " من حيث هي " بلورة " لفكر فردي فريد ونبيل وأصيل ومتفرد، في مواجهة تلك الافكار والجماعات التي تحارب كل ما هو نبيل وانساني، وتريد ان تكتسح بتياراتها السلفية الظلامية المتعصبة الفكر الآخر، وتعمل علي اخراس الالسنة..

يركز فيلم " الاسكندرية كمان وكمان" علي هواجس وهموم يحيي الاسكندراني، الذي يعيش حالة " انفصام " عن النجم – أو الذات الاخري – الذي كان يقوم ببطولة أفلامه، وقد انشغل هذه المرة عن مخرجنا بمسلسلات وأفلام تليفزيونية مشبوهة بأموال مشبوهة..

ندلف الي الاسكندرية من أول لقطة ونلتقي بيحيي المخرج الاسكندراني ونسافر معه الي مهرجان برلين، حيث حصل فيلمه علي جائزة الدب الذهبي جائزة احسن فيلم ،ثم نتجه معه الي مهرجان " كان " الذي لم يحصد فيه الا مرارو الفشل، ونعيش معه قصة انفصال نجمه الذي يقوم ببطولة افلامه عنه، كما نعيش معه علاقته بفنه حيث يخرج فيلما بعنوان " هاملت الاسكندراني، ولا ينجح عمر " نجم افلامه " لا ينجح للأسف في تقمص شخصية هاملت كما يريدها المخرج ويطلبها..

يمنحنا الفيلم مخرجا شابا جديد هو يوسف شاهين، حيث يمثل ويرقص ويغني في الفيلم، ويطلب منا في اغنيته ان نري العالم بعيونه.. وان نتفحص جيدا في عينيه لنري شهادة الحب.حب الوطن مصر وعشق الانسان.

ويشارك يحيي المخرج الاسكندراني الذي يلعب دوره شاهين ذاته في اضراب الفنانين في مصر ضد سلطة النقابة، واذا به يلتقي بهذه الممثلة الشابة " نادية " وتقوم بدورها الفنانة يسرا ، فيقع في حبها، ولا يستطيع أن يصارحها بحبه، ومن خلال علاقته بها تتفتح ذاته علي أشياء ووقائع وأحداث، مشاعر وأحاسيس ورؤى لم يكن يفهمها، او يستشعرها من قبل – من خلال المشاهد التي تظهر فيها يسرا في دور الملكة " كليوباترا " ويوسف شاهين في دور أنطوني مرة ، ثم في دور الاسكندر الاكبر مرة اخري ، وهكذا يقدم لنا شاهين " رؤية " ذاتية تهكمية ساخرة في آن، لبعض الشخصيات التاريخية التي تركت بصماتها علي حياة وتاريخ المدينة..

كما ان " الاسكندرية كمان وكمان " في رأينا ، يطرح أيضا " رؤية " ذاتيه لهذه المدينة المتوسطية العريقة – كانت أول " عاصمة " لمصر – التي تشكل في جوهرها مساحة للتواصل والتسامح والتعارف والتفاهم وتبادل الثقافات بين جميع الأمم والأجناس، كما يتمثلها فنان كبير مثل يوسف شاهين..

نتابع في الفيلم أيضا مشاكل وهموم عملية الخلق الفني السينمائي، حيث يصنع يحيي مخرجنا الاسكندراني فيلما عن " هاملت " لشكسبير ويضع له عنوان " هاملت الاسكندراني "، وهي بالطبع تحية إلي مسرحية هاملت الشهيرة وتحية الي مؤلفها الكاتب المسرحي الانجليزي وليام شكسبير، فقد كان شاهين يحلم بتمثيل دور هاملت عندما كان يدرس في كلية فيكتوريا وقبل ان يشد الرحال للسفر والذهاب لدراسة السينما في أمريكا..

يكشف الفيلم الذي يجسد " فن المكاشفة " من ابتداع شاهين وعند شاهين عن جدارة، يكشف أيضا عن التناقض بين شخصية الممثل وشخصية المخرج في ذات المخرج شاهين.لكنه هاهو شاهين يحل لنفسه هذه المشكلة، فيقوم ببطولة الفيلم بعد أن قام محسن محيي لدين بدور شاهين في " الإسكندرية ليه ؟ " الذي حكي لنا فيه عن رحلته لدراسة السينما بأمريكا، وقام الممثل نور الشريف بدور شاهين في ذلك الجزء الثالث من " الثلاثية " ونعني به فيلم " حدوتة مصرية " ويحكي لنا فيه عن عملية تغيير شرايين القلب التي أجريت له..

فيلم " الإسكندرية كمان وكمان يضع رؤية الذات علي حقيقتها ، من خلال أزماتها وهمومها، مع رؤية الواقع علي حقيقته، من خلال الإضراب في النقابة، يضعهما مع حال السينما العربية في المهرجانات الدولية مثل فينيسيا وكان داخل بوتقة الفن الشاهيني، ليصنع لنا " تركيبة " مدهشة وساحرة من الأحاسيس والمشاعر والأفكار والأغاني والمواقف، تنفخ من جديد الروح في السينما العربية وتمسح عنها التراب. وفيلم " الإسكندرية كمان وكمان "، عندما يطلق للذات في السينما العربية حريتها،ويوفر لها إمكانيات القول والبوح- بلا كسوف او خجل ، يحرر السينما العربية من الاطر الكلاسيكية القديمة التي تحبس فيها نفسها، بموضوعاتها المكررة المعادة المملة الثرثارة ، ويفتح لها نافذة علي بحر الإسكندرية، لكي تسافر في أفق ثقافتنا العربية المعاصرة، وتبحر في سلام مع الذات، داخل بحر الناس الكبير، وتكتشف ولأول مرة ربما نفسها والعالم .

عن جريدة " ايلاف " لندن. بتاريخ 30 يوليو 2008

الاثنين، يوليو 28، 2008

فقدناه.كان الفن طريقه الي الخلاص. أمل الجمل


فقدناه. كان الفن طريقه الي الخلاص



كتبوا عن شاهين


فقدناه.كان الفن طريقه للخلاص
بقلم أمل الجمل





تنويعات على اللحن "الشاهيني"..

العزلة سجن طويل والفن طريق الخلاص


أمل الجمل




"أُخرجوا من رأسي جميعاً, سوف أُعبر عما أُريد بالطريقة التي أُريد." لم تكن هذه الكلمات سوى صرخة المخرج "يوسف شاهين" في مهرجان قرطاج الثالث أثناء مناقشة فيلم "الاختيار" 1970, كما سجلها الناقد السينمائي "سمير فريد". الجملة السابقة على قصرها يُمكن قراءتها على أكثر من مستوى. أعمقها هو البعد الإغترابي للمخرج, وثانيها أن "شاهين" في ذلك الوقت لم يكن ما يُؤرقه هو البحث عن ذاته, أو تحديد نفسه كفرد. لكن ربما كان شاغله إقامة علاقة مع المجتمع بشروطه هو, وليس بشروط هذا المجتمع. وهو ما تُفصح عنه بوضوح كلمات "جو", وما تُؤكده شخصيته وأعماله على مدار مشواره وتاريخه السينمائي.

في البعد الأول تبدو واضحة تلك العلاقة المربكة المتوترة بينه وبين النقاد في جميع أفلامه. النقاد الذين وصفوه بأنه مخرج لا يفهم شيئاً عندما عُرض "باب الحديد", وبعد ثمانية عشرة عاماً قالوا أنه فيلم "تحفة", وأحد العلامات في تاريخ السينما المصرية. النقاد الذين هاجموا بقسوة فيلمه البديع "اليوم السادس", ووصفوه بأنه هلوسة هستيرية لا مثيل لها. رغم أنه من أجمل وأهم أفلام الفانتازيا الواقعية, والاستعراضية التي قدمها "شاهين". كان الهجوم على الفيلم وبطلته "داليدا" مليئاً بالعنف, ربما بسبب التحيز لنجمات السينما المصرية, خصوصاً إذا كانت موهبتهن في ثقل موهبة "فاتن حمامة" و"سعاد حسني", و"نادية لطفي" اللائي رُشحن للدور ولم تحصلن عليه.

ظاهرياً لم يكن الإغتراب هو اللحن الأساسي في أعمال "شاهين" السينمائية. لكن الكلمات تُعلن بوضوح في بعدها الأهم عن رفض شبح الإغتراب عن الذات "الشاهينية". و"الإغتراب" كما عرفّه عالم النفس الألماني "إيريك فروم", 1900 ـ 1980, في كتابه "فن الحب" ـ ترجمة مجاهد عبد المنعم عن دار الكلمة ـ "عندما يعيش الإنسان في تجربة يجد نفسه قد أصبح شيئاً غريباً عن نفسه.. أصبح وحيداً منفصلاً.. فالانفصال يعني اليأس والعجز عن الاستحواذ على العالم بشكل فعال, أن العالم يستطيع أن يحاصره بدون قدرة من جانبه على رد الفعل إزائه. وذلك يجعل من وجوده المنفصل سجناً لا يُطاق. وقد يُصاب بالجنون إذا لم يُحرر نفسه من هذا السجن وينطلق."

الفن طريقه للخلاص

منذ طفولته حاول "شاهين" قهر انفصاليته وترك سجن عزلته الذي تمثل في الفقر, وفي شكله غير الوسيم ـ بمقاييس الأربعينيات ـ وفي تلبية رغبات العائلة وأحلامها في الصعود الطبقي, في أن يُصبح ابنها مهندساً. ظل "يوسف" يُنقب عن وسيلة للإندماج في مجتمعه الأصغر والأكبر. أجاد الرقص ليجذب إنتباه زملائه, وسرعان ما أخذ يبحث عن وسائل آخرى ليُثبت لهم أنه متفوق. لجأ إلى أعمال "شكسبير" خصوصاً "هاملت". أخذ يُدرب نفسه على التمثيل. أتقنه ونال إعجاب زملائه فقضى مؤقتاً على الفارق المادي بينه وبينهم. أدرك "شاهين" أن الفن هو طريق إلى الخلاص, هو سبيله لتحطيم قضبان سجن عزلته. لكن ماذا يفعل مع أوهام عائلته هل يستسلم لها ؟! يقول "شاهين " ـ في حوار مع المخرجين "محمد ملص" و"عمر أميرالاي" ـ "أنه أصبح الشخص الذي يريده الآخرون أن يكون. لذلك وجد أنه غير راض عن نفسه لأنه تنازل.. ولأنه كبت الشخص الذي كان يريده حتى يظهر على الصورة التي ينتظرها الآخرون.. لكن هذه الشخصية لم تعد تُعجبه.. أراد أن يعيش شخصية "يوسف شاهين" الحقيقي." ربما لذلك قرر المراهق ذي الثمانية عشر عاماً التضحية بآمال الأسرة وتحطيمها على صخرة عناده, وسافر إلى أمريكا لدراسة فن التمثيل. لكنه هناك وجد سجن آخر يُعد له. عُزلة آخرى شُيدت جدرانها من ملامحه غير الجميلة, إذ لا يمتلك وسامة نجوم هوليوود, فقرر أن يتحول إلى الإخراج. لكن هل تقبل "يوسف" ذلك بسهولة ؟! أم شعر بالخوف من أن يكتسب ذاتاً جديدة زائفة ؟!. الإجابة عنده هو وحده. لكنه ربما حاول أن يُرضي نفسه بأن قرار الإخراج جاء بمحض إرادته وباختياره. أقنع نفسه أن المخرج أكثر أهمية من الممثل, أن اسمه سيتصدر "الأفيش", أن الفيلم سيُنسب إليه وليس للنجوم, فالممثل في نظره مجرد قطعة إكسسوار. ربما أيضاً لذلك كان "شاهين" يُنقب باستمرار عن وجوه جديدة يصنع منها نجوماً, ليُؤكد للجميع أن هو الذي صنع هؤلاء النجوم, خصوصاً أن كُثر منهم لم يسطع نجمهم بعيداً عنه.

من أجمل المشاهد في تاريخه السينمائي والتي تُؤكد رأيه السابق الدقائق العشر الأخيرة في فيلمه الخطير "العصفور" 1972. وترجع أهمية وخطورة هذا الفيلم إلى أنه لم يكتفي بالاعتراف بوجود هزيمة عسكرية, لكنه أزال النقاب عن هزيمة داخلية ـ إجتماعية ـ أعمق وأشد وطأة, وأنه فتح أحد ملفات الفساد المتعلقة بتجربة القطاع العام في مصر كاشفاً عن تورط كبار رجال الأعمال وعدد من رجال الأمن وبعض المسئولين في الحكم فيها, لم يكن الفيلم يناقش أسباب هزيمة 67 العسكرية بقدر ما يكشف عما يحدث في مصر الآن, فهو يناقش أسباب نكستها الحضارية في الألفية الثالثة, ويُقدم تفسيراً لتراجع دورها السياسي والثقافي الريادي في المنطقة العربية. الشريط السينمائي بقدر ما يحمل من إدانة واتهام بقدر ما يُحاول تنبيه الناس وإيقاظ وعيهم قائلاً: إبحثوا عن اللصوص الشرعيين.. إنهم سبب هزيمتنا, والحصن المنيع أمام تقدمنا.

إبداع المخرج والمونتاج

تبدأ الدقائق العشر الأخيرة من الفيلم بتقطيعات سريعة متتالية لاهثة مثل أفكار تُومض كالبرق في ذهن يضطرب بالخواطر. وبينما نسمع صوت المذياع وهو يُعلن قرار وقف إطلاق النار في ليلة العاشر من يونيو 67 نرى الشيخ "أحمد" يسير كالتائه بين الناس في الشارع ويقطع سيره لقطات مثل الفلاشات الخاطفة للشيوخ في المساجد وآخرون يخطبون على المنابر. ثم نرى "علي" الضابط من بين الأكواب والعربات وهو يسير في الشارع متشذي كالأشلاء, وينتقل المخرج بينه وبين لقطات خاطفة لجروح أخيه يُصاحبها صرخات أغنية تدوي بالآهات.

على مدار أحداث الفيلم كانت شوارع القاهرة مزدحمة بالناس. لكن في اللحظات التي سبقت خطاب التنحي وتمهيداً لإعلان الهزيمة جاءت الشوارع تنطق بالصمت الموحش, وتخلو من نبض الحياة كأنما حلق الموت فوق المدينة. ينتقل المخرج من مقهى خالي من الرواد, إلى الشوارع وهى خالية إلا من كفيف يصحبه طفل رث الثياب ـ وهى صور لا تخلو من رمزية موجعة ـ إلى صفحة مياه النيل الساكنة من أي حركة, إلى واجهات العمارات ـ في ثلاث لقطات طويلة عبر تصوير مُوحش مُقبض ـ بنوافذها المفتوحة وشرفاتها الخالية من السكان يكسوها رداء الموت, إلى "صالة" إجتماعات كبيرة تجمهر فيها الشباب ملتفين حول المذياع في صمت ينتظرون بدء الخطاب, إلى بيت "بهيّة" حيث يجلس الجميع أمام التليفزيون, فنُعيد قراءة كلمات الرئيس على الوجوه الواجمة, إلى لقطة مقربة جداً نرى فيها أصابع يد "جوني" وهى تدخل إلى الكادر الخالي وتحاول أن تتشبث بالحائط. استفاق "جوني" من سُكره على حديث "عبد الناصر" عن الأوقات الصعبة وتحمل المسئولية, وبكي الشيخ "أحمد" وتعالى نشيجه مُردداً: "يانهار أسود لازم انهزمنا وإحنا مش داريانين." وصرخت "بهية" "حنحارب" واندفعت إلى الشارع. كانت صرختها مثل البوابة التي فُتحت لينطلق عبرها فيضان من البشر كانوا مثل المياه المحبوسة احتجزوها خلف سد لسنين طويلة وفجأة أفرجوا عنها, فاندفعت مثل الشلال, ثم ذلك العصفور الذي أطلقوا سراحه فانطلق يُحلق عالياً بجناحيه فوق الجماهير.

التسامح الديني

حاول كثر تبرير فكرة التسامح سواء الديني أو الحضاري في عدد من أفلام "شاهين" فقالوا أن تكوينه تأثر الأسكندرية ـ مكان مولده في 25 يناير 1926ـ حيث تتمتع تلك المدينة بخصوصية حضارية, فهي مدينة ساحلية ومنفتحة على العالم تجاريا وثقافيا, كما أن عدد كبير من اليهود واليونانين, والإيطاليين أقاموا بها. وطبعاً الحقيقة التاريخية لا يُمكن إنكارها. لكن هذا التفسير يركن إلى منطق مغلوط, ويعمد إلى خلط الأوراق. لأن أول فيلم أخرجه "شاهين" كان "بابا أمين" عام 1950, وعلى مدار تسعة وعشرين عاماً لم يظهر هذا التسامح الديني أو الحضاري في أفلامه إلا بدءاً من فيلم "أسكندرية.. ليه؟" و"الوداع يابونابرت" وظل يصاحب أفلامه التالية وآخرها "أسكندرية نيويورك", إذ لانعرف هل فيلمه الجديد يتحدث عن التسامح أم لا.

جاء فيلم "اسكندرية ليه؟" عام 1979 متوازياً مع اتفاقية السلام ومعاهدة "كامب ديفيد" مع إسرائيل. وليس في ذلك إدانة لـ"شاهين", لقد عبر "يوسف" عن رأيه وهذا حقه, ومن حقنا أن نتفق أو نختلف معه. لكن المشكلة ليست في فكرة التسامح الديني, كما أنها لست في اسكندرية ليه؟ فصورة اليهودي التي قدمها تتسم بالموضوعية وتاريخ اليهود في الأسكندرية يُؤكد ذلك. لكن ما يثُير مشاعر الغضب هو فيلمه "الوداع يابونابرت" ـ أول تجاربه في الإنتاج المشترك مع فرنسا ـ الذي يدعو للتسامح وإقامة الحوار مع المحتل المغتصب طالما أنه جاء ليُقيم معنا علاقة شاملة, علاقة عطاء وأخذ. في ذلك الفيلم كان "شاهين" مثل "الإيديولوجيون الذين كانوا يسوغون الاحتلال باسم "الحضارة" ومنهم "بونابرت" الذي برر الحملة على مصر باسم "الحضارة" ـ كما ذكر "فيصل جلول" في كتاب: مصر بعيون الفرنسيين ـ للالتفاف على أنصار التنوير الفرنسيين الذين انتقدوا الكولونيالية ودافعوا عن حق الشعوب بتقرير مصيرها بنفسها."

كما أن مشهد المذبحة الشهيرة ـ في فيلم "عودة الابن الضال" 1976ـ بين أفراد عائلة "المدبولي", والذي لا ينجو منه إلا "إبراهيم" رمز المستقبل والجيل الجديد, ينسف ذلك المنطق المغلوط حول فكرة التسامح. فالمشهد الذي شارك المخرج في كتابته ـ والذي اعتبره كثر من أهم المشاهد في تاريخ السينما العربية ـ يقول بما لايدع مجالاً للشك أن استخدام العنف والدم هو السبيل الأوحد والأمثل للقضاء على فساد تلك العائلة "المتعفنة" كما وصفتها "فاطمة" المعادل الرمزي لمصر المغتصبة في الشريط السينمائي.

في أعماله تحرر المخرج القدير "يوسف شاهين" من السلطات التقليدية سواء كانت سياسية أو تجارية أو سلطة التقاليد أو العادات أو الأخلاق. لكن ظلت هناك سلطة آخرى كامنة في أعماقه جعلته في بعض الأحيان يغترب عن ذاته وعن فنه الحقيقي. هى سلطة ـ أو بالأحرى عقدة ـ الاشتراك في المهرجانات الدولية والحلم بالحصول على جوائزها. وهو أمر لا نلومه عليه, فلكل جواد كبوة. وقد أمتعنا بعدد من أهم الأفلام في تاريخ السينما المصرية والعربية.



الأحد، يوليو 27، 2008

شاهين في الاعلام الفرنسي المرئي . صلاح هاشم

يوسف شاهين " قناوي " في فيلم " باب الحديد " سيناريو عبد الحي اديب واخراج يوسف شاهين وبطولة هند رستم وفريد شوقي

صورة شاهين في الاعلام الفرنسي المرئي


شاهين. قلبي يخفق بشدة

وفراشة في معدتي ، علي وشك أن تطير


الاعلام الفرنسي المرئي يشيد بمخرج التسامح والالتزام
ضد الارهاب والسلطة القمعية وقهر البشر


باريس. صلاح هاشم


تري ما هي أبرز ملامح شخصية يوسف شاهين الحياتية والسينمائية ، كما عرضتها وسائل الاعلام المرئي الفرنسي ومحطات التلفزيون، وبثتها مباشرة بعد اعلان وفاته؟
تنشر هنا " سينما ايزيس " كمثال لقطتين من " تقرير مرئي ، بثته قناة " اي تيليه " الفرنسية الاخبارية ، احدي القنوات التلفزيونية الفرنسية المتخصصة ، وذلك بعد اعلان اليوم الاحد 27 يوليو 2008 ، خبر وفاة مخرجنا السينمائي العربي الكبير يوسف شاهين عن 82 سنة . ويحكي التقرير عن مسيرة شاهين الحياتية والسينمائية ، وكيف كانت افلامه، حربا علي التعصب والتقوقع علي الذات والارهاب ، ومع النضال والالتزام والمقاومة ، مقاومة كافة اشكال القهر. وكان شاهين اعتبر ان الرئيس مبارك المصري، هو عدو لدود ، ليس من جهة كونه انسانا مثل كل البشر ، بل من جهة كونه يمثل السلطة القمعية في مصر ، وانه يجب الوقوف ضد جبروته ، كممثل رسمي لها ، وفضح عجزها ، وكان شاهين كما يذكر التقرير يؤمن بان من واجبه كسينمائي حداثي وملتزم ، ان يعلن الحرب دوما عليها في أفلامه .في حين تحكي اللقطة الثانية - من ذات التقرير - عن حصول شاهين علي جائزة مهرجان " كان " الخمسيني لمجمل اعماله ، كأحد أهم وأعظم المخرجين العمالقة في القرن العشرين، ويقول شاهين في اللقطة، وهو يتسلم جائزته عام 1997 : " لقد انتظرت هذا التكريم ، لسبعة واربعين سنة خلت، واحس الآن بأن قلبي يخفق بشدة مثل طفل ، وان فراشة في معدتي ، علي وشك ان تطير من الفرح.
وداعا شاهين


وداعا شاهين. فن عدم الخضوع. بقلم صلاح هاشم

يوسف شاهين.فن السينما وفن عدم الخضوع


شاهين علي غلاف مجلة " كراسات السينما " - كاييه دو سينما - الفرنسية الشهيرة، واعرق المجلات السينمائية قاطبة في العالم



وداعا شاهين

الأب الروحي للسينما العربية الحديثة


شاهين : بحث " الهوية " و فن "عدم الخضوع "

بقلم صلاح هاشم

يوسف شاهين الذي توفي اليوم عن 82 عاما ، هو ببساطة، هرم ثقافي من اهرامات مصر الثقافية، انه اشهر واهم مخرج مصري عربي في العالم كله، وأفلام شاهين، هي كنز من كنوز وتراث مصر الثقافي السينمائي العريق. انه " بوابة " ثقافية عملاقة، الي تاريخ هذا البلد مصر الذي انجبنا وحضارته
وأفلامه في مجملها، التي تنضح عذوبة وحلاوة بحب هذا الوطن، الذي ينتمي اليه بافتخار، وعشق أهله في بر مصر العامرة بالخلق، تقدم أعظم " بانوراما " اي مسح دقيق شامل ، لتاريخ مصر الثقافي والاجتماعي والسياسي ، والتطورات والتغيرات التي طرأت عليه، بل لقد دخلت مجموعة من افلام شاهين العملاقة، مثل " الارض " و " حدوتة مصرية " و " العصفور " و " باب الحديد " و " الاسكندرية ليه " و " الناصر صلاح الدين " وغيرها، دخلت تاريخ السينما باقتدار من اوسع باب، وتعد الآن من " كلاسيكيات " السينما العظيمة
ان جو - لقب يوسف شاهين - هو الأب الروحي للسينما العربية الحديثة، بأسلوبه السينمائي الذي استحدثه، فهو المؤسس لهذه " السينما الحديثة " منذ بداية الستينيات في أفلام مثل " الاختيار " و" عودة الابن الضال "ن التي تتجاوز حدود الوطن, وتستشرف - بعد هضم وتمثل - انجازات السينما الحديثة - علي مستوي المضمون والشكل ، في أعمال فيلليني وانطونيوني من ايطاليا، وجان لوك جودار، ورواد " الموجة الجديدة الفرنسية " في أواخر الخمسينيات، آفاق المستقبل، سينما تتجاوز الحكاية التقليدية المكررة المعادة، لكي تبحر في بحر سينما الحداثة ، وتدلف الي داخل المياه من دون خوف او وجل
شاهين المتمرد ضد كافة أشكال القهر ، وظلم السلطة ، هذه السلطة التي لم تنجح ابدا في تدجينه وترويضه ، لكي يشتغل لحسابها، هو أيضا المؤسس لهذا التيار في السينما المصرية، تيار " المكاشفة وسؤال الذات " ، سينما الأنا في " الاسكندرية ليه " و " الاسكندرية كمان وكمان " ثم " الاسكندرية - نيو يورك " وغيرها ، التي تطرح مشاكلها الذاتية الفردية ، وتتواصل من خلال هذه المكاشفة ، تتواصل بجرأة مع الآخر، وتعانق - حين تنطلق من اسرها - تعانق الوجود كله
سينما المتناقضات هذه، التي يمثلها شاهين، هي سينما سياسية بالدرجة الاولي، لأنها تكشف من خلال أزمة الذات ، أزمة وطن، وبحث متواصل عن " هوية " وهي تستكشف تناقضات المجتمع المصري في مناخات القمع السياسي والفكري، والديمقراطية المجهضة ، وغياب المشروع القومي
شاهين هو " رفاعة الطهطاوي " السينما في مصر، ففي حين يعتبر رفاعة ( 1801-1873) رائد نهضة مصر الحديثة ، يجيي حفيده شاهين من بعده ، ليؤسس لرفاعة مصري سينمائي جديد - بعد ان سافر الي امريكا وعاد وهو يحمل حلم التغيير والنهضة مثل جده - ويفرش بساط السينما الحديثة في مصر، ويحقق بافلامه، كما حقق رفاعة بنضاله وكتبه وافكاره ومدرسة الالسن- يحقق دخول السينما المصرية الي عالم جديد وعصر جديد،وتواصلها مع العالم. جرب شاهين كل الانواع السينمائية ، وحقق افلاما ممتازة في كل نوع، كما في فيلمه " بياع الخواتم " بطولة فيروز الكوميدي الموسيقي، وتبعه بعد سنوات بفيلم من نفس النوع ، فيلم " سكوت حنصور " ، وفي " نوع" الفيلم التاريخي ايضا ، حقق شاهين فيلم " صلاح الدين " و" وداعا بونابرت " و " المهاجر " ، وهي افلام شلمخة علي مستوي النوع، وتحسب لشاهين، و ذلك قبل ان تصبح افلامه في ما بعد، افلاما هاربة من حدود النوع ، و منفتحة اكثر علي كل التصورات والاحتمالات والرؤي، ومثيرة بالتالي اكثر للنقاش والجدل، ولم يهدأ شاهين ابدا ، وكان ينفخ من روحه في نفس تلك الاجيال التي وعت درسه الحداثي ، وتعلمت منه ، وحتي من دون ان تلتقي به ، فقد كانت افلام شاهين ذاتها " كائنات حية " او كيانات حية ، مشحونة بالتأمل والفكر، ومعجونة او بالاحري مخبوزة في فرن شاهين المصري البلدي الاسكندراني بالاسي والهم والفن والضجر والتهكم والتمرد، وهي تحمل هوية مصر الجديدة، أساها وهمها وضياعها وحزنها وتمردها علي اليأس والظلم والقهر، ولا " هي فوضي " وتصرخ كفاية كفاية
ثم تروح تطوف العالم، فتصبح سفيرة لنا في انحاء الدنيا ، وتمنح دور الريادة في الفن السينمائي لمصر من دون جدال وهي تشمخ ب" الفن " الشاهيني ، ومن دون ان يستطيع احد ان ينتزع من مصر هذا الشرف ، لانه مصير مصر وقدرها
قدرها في ان تكون من خلال فنانيها السينمائيين والكتاب والمبدعين دوما في مقدمة المسيرة، و في طليعة الثورة علي الظلم ، وطليعة النهضة ، والكرم المصري الاصيل ، وقد كانت مصر منذ اقدم العصور أول من يفتح للمشردين في العالم حضنها ،اول من يفتح الابواب لاستفبال المنفيين المعذبين والغرباء في اوطانهم وحتي داخل جلودهم، وهي تقول لهم اهلا ومرحبا ، وكان هذا وما يزل دورها أم الدنيا
وأفلام شاهين بالذات ، تحتاج الي أكثر من مشاهدة ، لأنها أفلام تحرض - بعد استمتاعنا بقيمتها الفنية وجمالياتها الخاصة ( انظر مثلا الي تكوين الكادر في افلام شاهين، الذي يحتاج وحده الي رؤية متعمقة وتحليل ودراسة مستقلة لا يتسع المجال لها هنا ) تحرض علي التفكير، وتحثنا علي التعبير ، بجرأة مذهلة، بل ولا تستكنف الوقاحة في بعض الاحيان والعنف - أليس العنف الواقع علينا، من طرف السلطات والحكومات اكثر قسوة وعنفا وتوحشا ودموية من عنف السينما ووقاحتها ؟ - وتعلمنا منظومة من القيم ، لعل أهمها قيمة التسامح. أو ليست السينما كما نري حضارة " السلوك " الكبري أولا
افلام شاهين كانت وسوف تبقي" مدرسة " تفتح أبوابها لاجيال السينما العربية الجديدة ، لكي يتعلموا فيها ابجدية الفن السينمائي، ليس فن السينما فحسب ، بل " فن عدم الخضوع " أيضا
وداعا شاهين ، وداع لقطعة شامخة عملاقة، من هذه البلاد التي نعشق، ومؤسسة فنية سينمائية متوهجة و " منورة بأهلها " ، ومتجددة دوما بالعطاء والسخاء والمعارف الجديدة


صلاح هاشم


اعتمدت في كتابة هذا المقال ، علي مقال لي بعنوان " يوسف شاهين في السينماتيك الفرنسي " ، كنت كتبته بمناسبة تكريم لشاهين في دار الافلام الفرنسية الشهيرة عام 1996 وكان عمره 72 سنة آنذاك ،وعرض له 31 فيلم في تلك التظاهرة . وكان السينماتيك عرض بالمناسبة فيلم شاهين " الناس والنيل " ، الذي هرب نسخته الي فرنسا بعد ان منعت الرقابة عرض الفيلم في مصر
ونشر المقال في جريدة " الاهرام الدولي " بتاريخ 16 اكتوبر 1996 ، ثم اعيد نشره في كتابي " السينما العربية خارج الحدود " الصادر عن المركز القومي للسينما في مصر عام 1999

السبت، يوليو 26، 2008

البحث عن رفاعة لماذا ؟ حوار مع صلاح هاشم اجراه وصوره حكمت الحاج

فيديو سينما ايزيس

البحث عن رفاعة لماذا ؟

حوار مع المخرج صلاح هاشم
اجراه وصوره حكمت الحاج


المخرج السينمائي صلاح هاشم يتحدث عن فيلمه الجديد" البحث عن رفاعة " الذي عرض في جامعة لندن في 9 يونيو 2008

المكان : جامعة لندن. مدرسة الدراسات الافريقية والشرقية " .الوقت : بعد عرض فيلم " البحث عن رفاعة " ، والندوة التي اعقبت عرض الفيلم مساء يوم 9 يونيو 2008
اجري الحوار وصوره :
حكمت الحاج. لحساب جريدة " ايلاف " . لندن





كتابات عن الفيلم

عرض فيلم " البحث عن رفاعة " في لندن

إيلاف- خاص

عرض يوم الاثنين الفائت، التاسع من شهر يونيو، في مدرسة الدراسات الإفريقية والشرقية بجامعة لندن، فيلم الناقد والكاتب المصري صلاح هاشم " البحث عن رفاعة "، الفيلم الذي أنتجته " مجموعة نجاح كرم للخدمات الاعلامية " بالكويت، قام بتصويره ومونتاج سامي لمع. بعد عرض الفيلم ، فتح النقاش حول الفيلم بحضور المخرج والمصور والدكتور صبري حافظ أستاذ الأدب العربي الحديث بالجامعة، وأستاذ الأدب المقارن الدكتور أيمن الدسوقي

استقبل الفيلم بترحاب كبير، بسبب القضايا الفكرية والفلسفية التي يعرض لها، وتوهجه وشكله الفني أيضا حيث يقدم " رفاعة " بأسلوب موسيقي الجاز ، وينفتح علي المنظر الطبيعي و" الحاضر " الإنساني في مصر، ويدخل إلي الزحام من دون خوف ، في القاهرة وطهطا وأسيوط، ويمتزج أثناء بحثه عن رفاعة في ربوع مصر بالحشد الإنساني

وكان هناك إجماع من خلال مداخلات الحاضرين علي أن الفيلم قد حفزهم أيضا علي التفكير والتأمل في " حاضر " مجتمعاتنا العربية وتناقضاتها ، في بحثها عن " هوية " ومستقبل ومصير، وتواجه أشرس صعود للتيارات والجماعات الدينية السلفية الظلامية المتطرفة ، التي تريد العودة بنا إلي عصور التخلف والجاهلية ، وبخاصة بعد أحداث 11 سبتمبر، وما تبعها من غزو "بوش " للعراق، و في إطار المتغيرات الجديدة المتلاحقة التي نعيشها كل يوم في عصر العولمة

وكان صلاح هاشم مخرج الفيلم ، نوه في مداخلته بالمتاعب التي تجشمها في صنعه ، حيث صور أكثر من عشرين ساعة في القاهرة وطهطا وأسيوط، واستغرق العمل في مونتاج الفيلم أكثر من ستة شهور بين باريس وكوبنهاجن، وذكر أن الهدف من صنع الفيلم لم يكن نوعا من التكريس ل " عبادة البطل " او إقامة التماثيل لشخصية رفاعة المعلم والمفكر الإنسان ورائد نهضة مصر الحديثة ، بل التحفيز علي التفكير في " فكر " رفاعة ومعتقداته الأساسية، بخصوص مفاهيم ومعاني النهضة والتقدم وحرية المرأة ودور المثقف وحقوق الإنسان..

وذكر صلاح هاشم في مداخلته إن الفيلم ليس فيلما عن " الماضي " أو الحنين إلي الماضي، بل هو عن " حاضر " مصر وواقعها الآن، كما ذكر انه من بين كل الأفلام الروائية او التسجيلية التي سوف تصنع مستقبلا عن رفاعة الطهطاوي، سيكون فيلمه " البحث عن رفاعة " ، أكثرها قربا من الناس في بر مصر العامرة بالخلق ، حتي لتلمس فيه لفح أنفاسهم ، وحبهم وعشقهم للحياة ووطنهم مصر

وقد أراد من خلال الفيلم ان يجسد ذلك العشق، بل وأن يمسك بتوهج الحياة ذاتها في مصر، ضد الفناء والاندثار والعدم ومتاعب ومشاكل كل نهار

كما أراد كما نوه، أن تكون تجربة الفيلم في شموليته الفنية، وهنا تكمن أهميته، ليس في مناقشة الأفكار التي أتي بها رفاعة من رحلته إلي باريس عام 1826 ، بل في التركيز أساسا علي " مسلك " رفاعة الحضاري ذاته أثناء تلك الرحلة، وذلك من خلال الأسلوب الذي انتهجه رفاعة، في التعامل مع الحضارة الغربية والنظر فيها: أسلوب " الانفتاح " علي إضافاتها ومنجزاتها من دون شعور بالدونية أو الاستعلاء

وذكر أن رفاعة كان مسنودا في ذلك علي ثقافته الدينية الأزهرية ، وواعيا بموروثه الثقافي والحضاري، ولذا كان بالتالي محميا من " الانبهار " بتلك الحضارة، والارتماء في أحضانها

كما أشار المخرج إلي انه اعتبر وهو يشكل " بنية " الفيلم ،اعتبر انه يؤلف قطعة موسيقية بأسلوب موسيقي الجاز، ولذلك حرص علي أن يبرز في الفيلم عنصر " الارتجال " وعنصر " الحرية في العزف " التي يرتكز عليهما هذا النوع، وأراد أن يقدم " رؤية " لرفاعة بأسلوب الجاز، وظهر ذلك من خلال مونتاج الفيلم وإيقاعه، وحركة التنقل في المشاهد بين باريس والقاهرة وطهطا وأسيوط

وتلك التلقائية المقصودة المحببة التي تظهر بوضوح في الفيلم فتمنحه نفسا وروحا، وتجعله ينبض بالحياة

ونوه بأن الفيلم يطرح أيضا أثناء بحثه عن رفاعة سؤال السينما ، وكيف يمكن أن تكون أداة بالفعل ، لا للترفيه والتسلية فحسب ، بل للتفكير في واقع ومشاكل ومتناقضات مجتمعاتنا الإنسانية، ووسيلة للمحافظة علي ذاكرتنا: ذاكرة رفاعة ، وذاكرة الحاضر الآن في مصر، وعلي أمل أن يكون الفيلم كله عبارة عن معزوفة موسيقية جازية حديثة ، قصد بها أن تكون تحية حب وتقدير إلي المعلم الأكبر الطهطاوي، ومنهجه وفكره، وقصيدة أيضا في حب الناس، وبحيث تتحقق من خلالها أيضا متعة السينما كفن للمخاطبة والتواصل من خلال شريط الصورة عن جدارة

عن جريدة " إيلاف " الاليكترونية بتاريخ الخميس 12 يونيو 2008


أنغام الموسيقى تفجر قضية النهضة والحضارة

في فيلم صلاح هاشم عن < الطهطاوي >

يسري حسين

جريدة " آرام " لندن

نقل المخرج المصري صلاح هاشم جمهوره من نقاد وأكاديميين وباحثين ودارسين , إلى قاهرة المعز في زمنها المعاصر للبحث عن ما تبقى من تراث رجل , نقل العلم والحضارة والثقافة بجناحي العدل والحرية , إلى الشرق ليخرجه من ظلام التخلف . ألى نور ينبعث من الوعي والإرتباط بالأمل في بناء حياة أفضل وبلورتها لتحدي تيار التراجع كله .

وقد ذهب رفاعة رافع الطهطاوي إلى باريس , وعاد منها في عام 1826 بزخم معرفي وعلمي , هدفه نقل مصر والشرق إلى ضفة أخرى , تعرف عليها أثناء إقامته في عاصمة النور , إذ أدرك أن هذه الشعوب تقدمت بفتح أدمغتها أمام حقائق والوصول إليها من خلال بطاقة مرور ترفع راية الحرية مع العدل , إذ بدونهما لا يتحقق , لا تقدم ولا إبداع أو إزدهار .

كان < الطهطاوي > لديه الثقة بأن مجرد نقل الرسالة سيستجيب لها مواطنيه ويلتقطون شفرة حل الألغاز الحضارية , لكن على الرغم من مرور ما يقرب من مائتي عام , لا تزال المسيرة تتعثر , بل تراكمت على الأدمغة الأحجبة والشك في الثوابت , وإعتبار التقدم عاراً وتجديفاً , والعودة مرة أخرى للوقوف أمام سر الحضارة في حالة تلعثم وإندفاع إلى الوراء .

عرض < هاشم > في تتبع ينسج من معمار الموسيقى نهج أسئلة من خلال كلام الناس البسطاء وبعض رجال النخبة , الذين يبدون أكثر إرتباكاً , نتيجة عدم لمس توهج شعلة الطهطاوي , التي حملها في القرن الثامن عشر , ولم تصل إلى بعض العقول بعد .

كانت مصر وهي تبني دولتها في عهد محمد علي , أكثر إدراكاً لأسئلة التقدم وبناء الصناعة وفتح المدارس وترجمة الكتب . وحمل الشعلة رواد مثل طه حسين , غير أن التراجع العنيف حاصر شرارة النهضة , بحيث تعيد الأمة إفراز المواد المحبطة وتحشو العقول بالمعلومات الفاسدة حتى تصبح ضد نفسها .

تحدث رائد التنوير عن تعليم البنات وصقلهم بالمعرفة وتأهيلهم للمشاركة في البناء . وقد تراجعت هذه الدعوة إلى الوراء , وهناك من يُعبر في فيلم صلاح هاشم عن معارضته لهذه الفكرة , لأن كرامة المرأة في رأيه البقاء في المنزل وليس خارجه . لكنها إذا لم تتعلم وتتثقف فلا قيمة لها ولا مكانة على الإطلاق .

وتعلل البعض بأن أزمة البطالة تدفع لوضع النساء في منازلهن حتى يعمل الرجال . وكان < الطهطاوي > القادم من صعيد مصر الجواني , أكثر فهماً بتبشير أفكاره عن حق التعليم , الذي هو مثل الماء والهواء ضرورة لكل مواطن , كما قال طه حسين بعد ذلك .

يحمل المخرج صلاح هاشم فيلمه التسجيلي غير التقليدي المئات من الأسئلة , وهو قد حمل الكاميرا مع مصوره اللامع سامي لمعة , للكشف والتنقيب في أرض مصر لمعرفة ماذا حدث للرسول ؟ الذي ذهب إلى باريس وعاد محملاً بالأماني والعمل والأفكار , وشيد مدرسة الألسون لتعليم اللغات وترجمة الكتب ونشرها بالدعوة إلى العلم والعدل والحرية .

والمخرج مثل كل جيله يطرح أسئلة , لأن مشروع النهضة الذي بدأ مع زمن الطهطاوي , لا يزال يتعثر بل يواجه العقبات بعد أزمات ضارية , عسكرية وإجتماعية بدأت تشكك في التنوير الحضاري , وتتمسك بالتخلف تحت شعار الإلتفاف حول الجذور .

وكان المصريون والعرب في أحقاب مختلفة يقودون العالم إلى نور التنمية مع الحرية والعدل , لذلك ظهرت حضارات إنتعشت في ظل الرؤية الإسلامية الحضارية التي إحتضنت الآخر , وسمحت لفلاسفة مثل موسى بن ميمون وإبن سينا , وإبن رشد للنبوغ والجرأة الفكرية , بينما كان الغرب الأوروبي يخشى هذه الأفكار وتعتبرها الكنيسة تجديفاً ونويراً خطيراً يربك العقل الديني المتزمت .

وتقدمت أوروبا , لأنها أخذت بالمنهج الذي تركه العرب , مما سمح بتكالب التخلف والإستعمار عليه , ومع بداية القرن الماضي برقت شعلة الطهطاوي مرة أخرى , فبدأت حركة التصنيع وفتح استديوهات السينما وتألق الموسيقى والتمثيل وبناء الجامعات وتنشيط حركة الترجمة .

غير أن قبضة سوداء أطاحت بكل هذا , فعاد الحجاب يخفي نور العقل , وتسلل الغم والإحباط نتيجة بطالة وفساد وإستبداد , فتم خنق رحيق زهور نهضة طه حسين وطلعت حرب مع أنور وجدي ومحمد عبد الوهاب وصوت أم كلثوم .

عاد < هاشم > المقيم في باريس للبحث عن آثار هذا الجد اللامع < الطهطاوي > الذي يشبه ما تحدثت عنه الأساطير اليونانية بشأن سارق النار , الذي وضعها في قلب الإنسان , حتى يعرف ويتعلم ويفكر وينطلق وجوده كله .

المخرج المصري المشبع بالحرارة المعرفية وتراث مشروع النهضة , عاد إلى وطنه , وإلى حي السيدة زينب ليفتش عن < الطهطاوي > في عمق أجيال جديدة وداخل ساحة الحسين وعلى صفحة النيل . وقد تدفقت على مر أحداث صور الفيلم الموسيقى المعبرة عن وجدان الناس وأحلامهم وبحثهم عن شوق إلى نور يهزم الظلام .

وهذا إرث حامل الشعلة , التي لا تزال رسالتها قائمة وتنتظر من يحملها . ومظهر الواقع يسيطر عليه زحام وفوضى وعشوائيات وإيقاع يعود إلى الوراء , غير أن الموسيقى الجميلة تؤكد بأن هناك شعباً يعيش ويتطلع بجموح وأمل إلى معانقة رسالة < الطهطاوي > على الرغم من غيابها في طيات هذا الزحام المحبط والمظلم أيضاً .

قال المخرج كل هذا الكلام وطرح الأسئلة من خلال الصورة والجملة الموسيقية , حتى الفتاة الصغيرة التي ترقص وهي محجبة , ينبض جسدها بديمومة متألقة تعبر عن عناق مع الأمل , وتستجيب للموسيقى بدفقات شعورية هائلة , أسقطت ما تخفيه من ملامح , إذ الحركة عبرت عن حرية , والفتاة ملجمة بثياب ترفضها آلة الزمن التي تعيد إلى فلسفة القشور . ولا نتذكر تحية كاريوكا وسامية جمال , حيث كان إبداعهما تعبيراً كاشفاً عن ثقة وعمق يتحلق حول الفن وليس بشأن أسئلة ساذجة عن السفور والحجاب .

إن الأمم تستطيع أن تبدع إذا أدركت ذاتها . وكان < الطهطاوي > على بينة من مهمة غمرت عقله , إذ وجد < السر > في باريس وحمل طريقة التقدم وقدمها على صحن من العمل والجد وبناء مدرسة الألسن , والإنكباب على الترجمة لتقديم أمهات كتب الحرية وحقوق الإنسان , مع طريقة تجريد البشر من قيود التخلف بالعلم والمعرفة لصنع الحضارة .

وكلما إقتربت مصر من هذه المعادلة تقدمت , كما حدث في بداية القرن الماضي , وعندما تُعبر وتطرح أسئلة السذاجة , تتراكم عليها سحب وظلال , تقول بأن تعليم المرأة بدعة وخروجها إلى العمل ضلالة . كما أن الحرية لا تستقيم دون تحقيق العدل للقضاء على التراكم الطبقي الإستغلالي ومنح الفرص المتكافئة أمام الجميع حتى يساهم في صنع النهضة .

وقد عرض صلاح هاشم فيلمه الجميل في قاعة بكلية الدراسات الشرقية والإفريقية بجامعة لندن . وتحدث عن < الطهطاوي > برحلة الإكتشاف في هذا الجزء الذي ينطلق من الصعيد إلى القاهرة ويتوقف عند ما تبقى من تراث الرجل وصداه في طبقات الحياة العامة .

ولدى هاشم رحلة أخرى طموحة في تصوير المشهد الباريس ووجود الطهطاوي هناك , ثم الجزء الأخير في تتبع مشواره ورحلة العودة بعد أن اكتشف سر التمدن البشري .

إستخدم المخرج طريقة سردية بصرية , حيث تتدفق الصور كما هي دون تعليقات , مع حوار سلس وبسيط لناس في الأحياء الشعبية وأماكن التجمعات في منطقة < الحسين > المشبعة بالتراث , لإعطاء صورة عن كيان بشري , يملك زخم الحراك ولديه بجانب الطهطاوي , الذي رسم طريقة للخروج من المأزق والتحليق في سماء الإبداع الإنساني , والإصرار على صنع حضارة لا تُقلد وإنما تغوص في تراثها للمس الجوهر , الذي يقف مع التقدم وتعليم المرأة والتمسك بفعل الحرية .

وكانت تعليقات د . صبري حافظ أستاذ الأدب المعاصر بجامعة لندن , تدور بشأن العلاقة بين رسالة الطهطاوي والحاضر الراهن , وتعثر مسيرة المصريين في ترجمة ما قاله , قبل ما يقرب من مائتي عام .

وطرح د . أيمن الدسوقي أستاذ الأدب المقارن بالجامعة ذاتها , بعض الأطروحات النيرة عن مسيرة التعليم وفقرات مشروع النهضة الذي بشر به الطهطاوي . كما تحدث حاضرون من عرب وبريطانيين عن معنى الحضارة , وهل هي ترتبط بالنموذج الغربي ؟ أم يمكن الأخذ بالإسباب وصُنع النمط المحلي لخصوصية العقائد والقيم والتقاليد ؟ . وهذا ما كان يقصده < رفاعة > المجدد وليس المقلد على الإطلاق .

وتدفق صلاح هاشم بالحديث عن تجربة طويلة في عالم السينما . وقد إنتقل من المكتوب إلى المصوّر بطريقة في فهم لغة الصورة , وترك المناظر تكشف عن مكنونها الجمالي والإبداعي والفكري أيضاً .

وقد إستمتعت لهذا الفيلم , الذي من الصعب وصفه بالتسجيلي , لأن خلفه طاقة إبداعية تملك حس السرد الروائي من داخل منظومة الدراما السينمائية . إن هناك أشخاص يتحدثون ويعلقون , وصور من نمط حياة تم إلتقاطها كما هي , ووظفتها لغة التحرير السينمائي في بناء متكامل , يبدو من الوهلة الأولى بأنه عفوي ولا يخضع لفقرات سيناريو محدد , لكن عندما تغوص في الصور التي إلتقاطها تشعر بالحبكة السينمائية قائمة , لكنها متخفية وراء هذا النهر الغامر من لقطات وصور وناس يتحدثون بعفوية تلمس القلب .

أعطى المخرج صورة أخيرة إلى إيقاع الموسيقى , في لقطات الطفل الذي يحبو ويتطلع وينظر إلى المستقبل , كأنه يرى رسالة الطهطاوي ونبضها في دمه , وستكون أداته في عالمه المقبل لصنع حياة أكثر علماً وجمالاً وحرية وديمقراطية .

ومعنى الصورة , أن < الطهطاوي > يعيش ليس عبر تماثيل له في قلب مصر , وإنما داخل أفئدة الأجيال التي تعانق هذا الحلم ويتصل حسب قدرتها على تحقيقه .

ودائماً هناك من يتحدث بأن مصر في كل عصور الجدب والضباب , كان في قلبها نقطة ضوء صغيرة تتجمع في داخلها أحلامها في عدل وحرية ونماء وتعليم . وهذا الشعب المحاط بأسوار الإحباط , يملك قدرة القفز عليها كما فعل صلاح هاشم نفسه إبن حي < قلعة الكبش > بالسيدة زينب , الذي ذهب إلى باريس وفي قلبه الحلم بالسينما والتغيير والأمل , لذلك إختار عمنا < الطهطاوي > حتى يقول أن تكرار تجربته ممكن , وأن التحليق في أحلامه يستطيع إنقاذ الواقع من تعثره وقيوده الكثيرة وبعض المواد الفاسدة التي ذهبت واستقرت في عقول نخبة متعلمة , لكن عالمها أكثر بشاعة نتيجة الجهل , لأنه يحوط فكره بألفاظ تبدو قشرتها تستخدم ألفاظ العلم بينما الجوهر لا يخرج عن تخلف الظلام البشع .

هذا الفيلم الجميل صوره الفنان سامي لمع , الذي ترجم رحلة مع الكاتب والمخرج الفنان صلاح هاشم , تمتد إلى عشرين عاماً .

إن المبدع المصري مع آخر لبناني وبدعم من مثقفة كويتية هي نجاح كرم , عزفوا على أوتار الخلق الفني , فجاء هذا الشريط بتلك الصور الدالة عن معركة الحضارة , ولكن في صيغة تحاكي البناء الموسيقي، وتعزف بإقتدار على تنويعات لحنية يتدفق بين أصابعها هذا الشجن البديع، والرغبة للقفز خارج أسوار التعثر , للحاق بمسيرة العلم، وآخرين يبدعون في نطاق الحرية مع العدل العظيم .

عن جريدة " آرام " الاليكترونية. لندن بتاريخ 15 يونيو 2008

البحث عن رفاعة وتدشين سينما الارتجال..

بقلم : حكمت الحاج

جريدة " ايلاف " . لندن

شهد مدرج ومسرح قاعة الخليلي في كلية الدراسات الآفروآسيوية المعروفة باسم (ساوس) بجامعة لندن مساء يوم التاسع من حزيران يونيو 2008 العرض الاول للفيلم التسجيلي الطويل (63 دقيقة) بعنوان البحث عن رفاعة للمخرج المصري المقيم بباريس صلاح هاشم، وذلك قبل ان ينطلق الفيلم للعرض فيما بعد في بعض المهرجانات العربية والعالمية، مثل مهرجان مونيبلييه للسينما المتوسطية في فرنسا هذا العام. وعقب عرض الفيلم تم اللقاء مع المخرج صحبة المصور اللبناني المقيم بكوبنهاغن سامي لمع أداره الدكتور صبري حافظ استاذ الادب العربي بالجامعة ، وبمشاركة الباحث د. أيمن الدسوقي من الكلية نفسها.

عرض لنا الفيلم رحلة ما بين باريس والقاهرة وأسيوط وطهطا بحثا عن ذاكرة الشيخ رفاعة رافع الطهطاوي رائد نهضة مصر الحديثة ( من مواليد طهطا 1801-1873) والذي يلخص مشواره العلمي قصة مصر في القرنين الماضيين، حينما سافر مع أول بعثة تعليمية أرسلها محمد علي باشا إلى فرنسا‏‏ لدراسة العلوم الحديثة‏‏ فعاد منها لكي ينشر العلم والتعليم ويشارك في تأسيس الحداثة في مصر، وما تبقي من افكاره بخصوص العلم والتعليم، وحرية المرأة، والعلاقة بين الحاكم والمحكومين، والثقافة والعدل، وكل تلك الافكار التي جلبها معه من رحلته الي باريس عام 1826. كما تساءل الفيلم عن تلك الحدود التي استفادت منها مصر من تجربة الطهطاوي التي كانت بمثابة ثورة فكرية تنويرية اصيلة، لا في مصر فقط بل في جميع انحاء العالم العربي؟ كما بحث في المشاكل والمعوقات التي تحد في اطار الظروف الحالية التي تعيشها مجتمعاتنا العربية، من انطلاقتها من جديد، وبخاصة بعد حرب أمريكا بوش على العراق، وما نجم عن هذه الحرب من تأثيرات في مجتمعاتنا العربية في عصر العولمة.

ويعتبر الفيلم تتويجا لصداقة عمل وتعاون بين الكاتب والباحث والناقد السينمائي المصري صلاح هاشم مخرج الفيلم ، ومصور الفيلم الفنان اللبناني سامي لمع، ومنتجة الفيلم الاعلامية الكويتية نجاح كرم.

البحث عن رفاعة كان فيلما شجاعا وجريئا جدا. هو في ظاهره كما أشيع وسيشاع في الاعلام والاعلان عنه، فيلم عن رفاعة الطهطاوي وآثار فكره التنويري على مصر الحديثة في محيطها العربسلامي المتوسطي العالمثالي الافريقي الـ ...الخ، لكنني رأيت في الفيلم بحثا عن صلاح هاشم القاهري المصراوي الفنان والقصاص ابن قلعة الكبش ووريث جيل الستينات وثورة الطلاب في العالم، وأيضا، المغترب المهاجر دوما بلا قرار وصاحب (الحصان الأبيض).

الفيلم جرئ لأنه يرينا من خلال عين العدسة مآل مصر الطهطاوي بعد قرن ونيف على رحيل رائد نهضتها. والفيلم شجاع لأنه لم يتوان عن إضاءة المظلم وكشف المستور في حياتنا جميعا، ولأنه لم يعمد الى مستحضرات التجميل ونفاخات البوتوكس كي يخفي حقيقة الحياة في ظل (المحروسة).

لا أدري ان كان وقت سيأتي سيتم الضغط فيه على المخرج كي يحذف بعض المشاهد من تلك الثلاثة والستين دقيقة المرعبة في فيلمه البحث رفاعة. لكنني اتمنى أبدا أن لا يفعل، حتى ولو خسر العروض والدعوات من بعض المهرجانات العربية.

كان الفنان والمسرحي الكبير الراحل مصطفى الحلاج يقول عن أعماله عموماً انه يحكمها الارتجال والتداعي، والتداعي هو ميكانيزم واسع وهو احد جواهر الإنسان، التداعي اما ان يستحضر شيئاً بالتناقض، أو بالتوافق معه، او من خلال معاكسته، التداعي ميكانيزم نفسي من أغنى ميكانيزمات الابداع، وأنا في عملي، ودائما مع الحلاج، استخدم التداعي والارتجال.. التداعي حر، والارتجال لابد أن يشتمل الايقاع.

بهذه الكلمات العميقة استطيع أن أقدم لفيلم البحث عن رفاعة. هذا النوع من الأفلام قد يبدو لنا اليوم طارحا لسؤال حول معنى أن تكون السينما مستقلة، ودائما جديدة، وتقدمية، من كل النواحي، لا سيما من ناحية المضامين. أما من حيث الشكل، فحدث ولا حرج. الاقتراب اكثر من عالم الأدب، بما ان المخرج في الاصل واحد من ألمع كتاب القصة القصيرة المصرية والعربية.. النهل من المسرح والابتعاد عن المحسنات البديعية في التكنيك والتصوير والمونتاج، ومن ثم اعطاء المشاهد انطباعا بانه انما يشاهد أحد أفلام الهواة.

ولكن كيف تأتى للمخرج صلاح هاشم أن يحقق هذا المنظور؟ الجواب بسيط جدا، وربما وجدناه في دقائق الفيلم الأولى عندما يتحكم فينا كمشاهدين عنصران اساسيان سيوجهان حطاب الفيلم بأكمله ألا وهما سرعة تتابع اللقطات عبر كاميرا محمولة على سيارة مسرعة، وموسيقى جاز نيوأورليانز تنبعث من ساكسوفون جريح وحزين، لا يتنطع بثقافوية مزعومة ثقيلة الظل بقدر ما يذكرنا بأن موسيقى الجاز أصلها أفريقي، وما مصر في وجه من وجوهها إلا افريقية الانتماء والجذور.

اذن، الحركة والإرتجال هما العنصران المهيمنان على في فيلم البحث عن رفاعة. الحياة حركة في الزمان والمكان، وموسيقى الجاز قبض على لحظة من تلك الحركة من أجل إدامتها وتجميدها في اللحظة الراهنة عبر الارتجال والتمدد الزمني والإطالة المبالغ فيها. قطبان متناقضان للوهلة الاولى يصر صلاح هاشم على ربطنا بهما عبر عناصر فيلمه المختلفة، بالضبط كما وجدناه منذ البداية مصرا على أن تكون موضوعته شعبية مستقاة من تفاصيل اليومي. وعدا استجوابين في الفيلم لشخصيتين أكاديميتين بشأن تراث الطهطاوي، ندر أن تجد شخصيات لمثقفين أو لمعاناة وجودية أو لدرامات كبرى، أو حتى لما قد يشبه السيرة الذاتية. كل ما في الأمر ان صلاح هاشم اشتغل على فيلمه وكأنه يشتغل على نص قصصي يكتبه في مقهى قاهري، مع ارتجال واضح في كل شئ. ومن دون اهتمام كبير بالأبعاد التقنية. وكأننا هنا في ازاء عين توثيقية طلب منها أن تتابع الشخصيات في ما تقول وتفعل. وأحياناً بالمعنى الحرفي للكلمة. من هنا لم يكن غريباً أن يصور سامي لمع اكثر من 25 ساعة تصوير على كاميرا من نوع الفيديو الرقمي ليطلع في نهاية الأمر بفيلم من ساعة لا أكثر. هذا الارتجال الذي يبدو، أكثر ما يبدو، منتمياً الى تيار سينما الحقيقة هو الذي حدا بالمخرج أن يقول في اللقاء الذي اعقب عرض الفيلم هنا في لندن انه بدلاً من أن أحقق فيلماً عن الطهطاوي، أفضل أن أحقق فيلماً عن الناس في بلد الطهطاوي. اذ ان طريقة العزف في الموسيقى هي أهم عندي، والكلام لصلاح هاشم، من اللحن المميز لتلك الموسيقى. تقنياً يبدو الفارق هنا ضئيلاً، لكن الحقيقة هي أن فيلم البحث عن رفاعة قد اشتغل على هذا المنطق. والتعليق الأخير من عندنا.

كانت لغة الشخصيات هي الأقوى بين أدوات المخرج لم تكن بسيطة في محتواها مع أنها تعتبر لغة الشارع المصري. عند بدء التصوير لم يكن هناك خط درامي محدد لكل عنصر من عناصر الفيلم التسجيلي. فمن خلال أفعال ومشاعر الموقف يتولد رد الفعل الذي يبني عليه استمرار الأحداث . ومن خلال الاجابات الممكنة التي سيقدمها شخوص الفيلم الحقيقيين، تصاغ الأسئلة والاستجوابات، وليس العكس كما هو متعارف عليه. أماكن التصوير لا تحتاج الى مسح وتهيئة، بل هي رهينة الصدفة السانحة وموافقة الحاضرين وأصحاب المكان على تصويرهم. وبالفعل، وكما اعترف المخرج غب كلمته بعد انتهاء عرض فيلمه البخث عن رفاعة، فإنه لم يعمد الى استخراج أذونات بالتصوير في الاماكن العامة في مصر، والفيلم كله من حيث التصوير هو عبارة عن لحظات مسروقة بموافقة أصحابها ملئية بالكدر لكنها مغلفة بالمحبة والتسامح وخفة الظل. ورغم موضوع الفيلم لم يكن المخرج أسيرا لموضوع واحد محدد أو لفكرة معينة, وهو رفاعة الطهطاوي، وحسب بل إتسعت رؤياه لزوايا أكثر شمولية وفي النهاية شاهدنا عملاً سينمائيا فنياً غير مكتمل الأركان، وأشدد، غير مكتمل الأركان، يمكننا أن نطلق عليه اصطلاح (سينما الإرتجال). وبذلك ربما كان صلاح هاشم في فيلمه هذا (البحث عن رفاعة) يدشن لنا جميعا طريق السينما الجديدة الفقيرة القائمة على مبدأ الارتجال والتي من الممكن أن يصنعها نساء الأدب ورجاله كما هي ممكنة بكل تأكيد لهواة التصوير ومحبي الفنون الرقمية المعاصرة ضمن ثورة الفكر والتكنولوجيا الحديثة ولتسكت الى الأبد أصوات الكسالى العرب من المتمعشين من أموال الاحتراف.

لندن في 10 حزيران يونيو 2008

___________________________________

هامشان ضروريان/

1. رفاعة رافع الطهطاوي 1801 -1873) من قادة النهضة العلمية في مصر محمد علي. تولَّى التدريس في الأزهر ، وتوثقت صلته بشيخه، العلامة حسن العَطَّار. وظلَّ رفاعة يدرِّس بالأزهر لمدة عامين.والمنعطفُ الكبير في سيرة رفاعة الطهطاوى ، يبدأ مع سفره سنة 1826 م إلى فرنسا ضمن بعثة أرسلها محمد علىّ على متن السفينة الحربية الفرنسية "لاترويت " لدراسة العلوم الحديثة. وكان حسن العَطَّار وراء ترشيح رفاعة للسفر مع البعثة كإمامٍ لها وواعظٍ لطلابها، وذهب كإمام ولكنه (الى جانب كونه امام الجيش) اجتهد ودرس اللغة الفرنسية هناك وبدأ بممارسة علم الترجمة. وبعد سنوات خمسٍ حافلة ، أدى رفاعة امتحان الترجمة، وقدَّم مخطوطة كتابه الذى نال بعد ذلك شهرة واسعة تَخْلِيصُ الإِبْرِيزِ فىِ تَلْخِيصِ بَارِيز .وعاد رفاعة لمصر سنة 1247 هـ/1831 فاشتغل بالترجمة في مدرسة الطب ، ثُمَّ عمل على تطوير مناهج الدراسة في العلوم الطبيعية .. وافتتح سنة 1251ه/1835م مدرسة الترجمة، التى صارت فيما بعد مدرسة الألسن، وعُيـِّن مديراً لها، إلى جانب عمله مدرساً بها. وفى هذه الفترة تجلى المشروع الثقافى الكبير لرفاعة الطهطاوى؛ ووضع الأساس لحركة النضهة التى سميت الأصالة والمعاصرة. وظل جهد رفاعة يتنامى؛ ترجمةً، وتخطيطاً، وإشرافاً على التعليم والصحافة.. فأنشأ أقساماً متخصِّصة للترجمة الرياضيات - الطبيعيات - الإنسانيات وأنشأ مدرسة المحاسبة لدراسة الاقتصاد، ومدرسة الإدارة لدراسة العلوم السياسية. وكانت ضمن مفاخره استصدار قرار تدريس العلوم والمعارف باللغة العربية وهى العلوم والمعارف التى تدرَّس اليوم في بلادنا باللغات الأجنبية) وإصدار جريدة الوقائع المصرية بالعربية بدلاً من التركية؛ هذا إلى جانب عشرين كتاباً من ترجمته ، وعشرات غيرها أشرف على ترجمتها. عاد رفاعة بأنشط مما كان ، فأنشأ مكاتب محو الأمية لنشر العلم بين الناس، وعاود عمله في الترجمة (المعاصرة) ودفع مطبعة بولاق لنشر أمهات كتب التراث العربى (الأصالة) ورأس إدارة الترجمة، وأصدر أول مجلة ثقافية في تاريخ العرب وهي رَوْضَةُ المَدَارِسِ. وكتب في التاريخ: أَنْوارُ تَوْفِيقِ الجَلِيل فِى أَخْبَارِ مِصْرَ وتَوْثِيقِ بَنىِ إِسْمَاعِيل. وفى التربية والتعليم والتنشئة : مَبَاهِجُ الأَلْبَابِ المِصْرِيَّةِ فِى مَنَاهِج الآدَابِ العَصْرِيَّةِ.. المُرْشِدُ الأَمِينِ للبَنَاتِ والبنَينِ . وفى السيرة النبوية نِهَايَةُ الإِيجَازِ فِى تَارِيخِ سَاكِنِ الحِجَازِ .

2. أما المخرج صلاح هاشم فهو صحفي وناقد سينمائي مصري مقيم في باريس. صدرله (الحصان الابيض) مجموعة قصص قصيرة عن دار الثقافة الجديدة في مصر، و(كرسي العرش حكايات من قلعة الكبش) عن دار ميريت، و ( السينما العربية خارج الحدود) عن المركز القومي للسينما في مصر، و(السينما الفرنسية تخليص الابريز في سينما باريز) عن وزارة الثقافة مصر ، و " السينما العربية المستقلة. افلام عكس التيار" عن مهرجان الشاشة العربية في الدوحة ، و " الوطن الآخر سندباديات مع المهاجرين العرب في اوروبا وامريكا " الذي صدر في ثلاثة أجزاء عن دار الآفاق الجديدة في لبنان، ويصدر له قريبا عن " الدار" في مصر كتاب " السينما عند العرب. مثل قصيدة عن الأرض الخراب " يقدم فيه قراءة لبعض انتاجات السينما العربية في السنوات الخمس الاخيرة.

-

جريدة " ايلاف " لندن بتاريخ 10 يونيو 2008..



الجمعة، يوليو 25، 2008

فيلم " البحث عن رفاعة " لصلاح هاشم يعرض في باريس





فيلم " البحث عن رفاعة " لصلاح هاشم

يعرض بنجاح في باريس

باريس.سينما ايزيس


عرض فيلم " البحث عن رفاعة " لصلاح هاشم بنجاح في باريس يوم الاربعاء 23 يوليو 2008، وحضر الفيلم ( وهو من النوع الوثائقي 63 دقيقة تصوير ومونتاج اللبناني سامي لمع وانتاج الكويتية نجاح كرم ) عدد كبير من ابناء الجالية العربية في باريس ، من مصريين وسوريين ولبنانيين وعراقيين الخ ، كما حضرت السيدة د. ماجدة رفاعة حفيدة رائد نهضة مصر الحديثة رفاعة رافع الطهطاوي ( 1801-1873 ) الذي يحكي عنه الفيلم ويفتش عما تبقي من تعاليمه وافكاره وذاكرته ، من خلال رحلة بين باريس والقاهرة واسيوط وطهطا
وتلخص قصة هذا المفكر واول " عين " تري مظاهر التقدم والحضارة الغربية ، تلخص قصة مصر في قرنين، فقد سافر رفاعة رافع الطهطاوي لتلقي العلم في باريس عام 1826 ، مع اول بعثة يرسلها الي فرنسا محمد علي باشا حاكم مصر لدراسة العلوم الحديثة ، الا ان الطهطاوي الذي ارسل ليكون واعظا ومرشدا دينيا لافراد البعثة، سرعان ما انضم اليها كدارس ايضا من ضمن المبعوثين، وعاد بعد ان قضي خمس سنوات في باريس ،وقرأ لمونتسكيو وفولتير وجان جاك روسو من فلاسفة التنوير
عاد الي مصر، لكي ينشر العلم والتعليم ، ويؤسس لسكة النهضة ، وخروج وانعتاق مصر نهائيا من جهل وظلامية القرون الوسطي ، ويسأل الفيلم : تري هل استفادت مصر حقا من تجربة رفاعة ، في اطلاق صحوة فكرية تنويرية أصيلة، وان لم تكن رحلة الطهطاوي عام 1826 الي باريس، مازالت ابنة الحاضر في مصر، وواقعها الآن ، علي الرغم من مرور قرنين
والمعروف ان الفيلم افتتح في جامعة لندن بدعوة من مدرسة الدراسات الافريقية والشرقية يوم 9 يونيو 2009،



*


لقطة من فيلم " البحث عن رفاعة " لصلاح هاشم الذي عرض في باريس يوم الاربعاء 23 يوليو 2008
الحقوق محفوظة لمجموعة نجاح كرم الاعلامية.الكويت
Scene du film A LA RECHERCHE DE RIFAA de SALAH HASHEM
tous droits reserves
Najah Karam Media Group.Kuwait

الأربعاء، يوليو 23، 2008

البحث في مهرجان . بقلم صلاح هاشم

فيلم " عين شمس " اخراج ابراهيم البطوط



البحث في مهرجان عربي عن صورة تشبهنا
السينما المصرية تسافر الي روتردام

بقلم
صلاح هاشم

نشر المقال كاملا في جريدة القدس بتاريخ الاربعاء 22 يوليو 2008










البحث في مهرجان سينمائي عربي عن صورة تشبهنا: السينما المصرية تسافر إلي روتردام
صلاح هاشم
yesterday's story
السينما المصرية والعربية هل تتقدم أم تتأخر؟ والي أي حد استطاعت الافلام المصرية الجديدة التي عرضت في "مهرجان الفيلم العربي" في روتردام، هولندا حديثا، أن تمسك بتوهج الحياة في مصر، من خلال تسليطها الضوء علي المنعطفات والتغيرات الخطيرة التي يشهدها المجتمع المصري حاليا، وان تقدم من خلال أفلامها "صورة" تشبهنا؟ .. ثم ما هو الشيء الذي يجعلنا ننجذب إلي ذلك المهرجان المذكور، ويجعله متميزا عن بقية المهرجانات، أو بالاحري "الاحتفالات والموالد" السينمائية الرسمية العقيمة الكثيرة التي تعقد في بلادنا، ولا علاقة لها البتة بفن السينما، لا من قريب او بعيد؟ هذه تساؤلات طرحتها علي نفسي، وأنا أتابع أعمال وأفلام ووقائع الدورة الثامنة لمهرجان الفيلم العربي في روتردام التي عقدت في الفترة من 18 إلي 22 حزيران (يونيو) مؤخرا في هولندا، وهنا محاولة للاجابة علي تلك تساؤلات..

ہ ہ ہ

كان فيلم "عين شمس" للمصري ابراهيم البطوط هو أبرز فيلم في مسابقة المهرجان، وتميز عن بقية افلام المسابقة، بمشاركة افلام من سورية والمغرب والجزائر الخ، تميز عنها بموضوعه وأسلوبه الفني، واقترابه من روح الحداثة، والحساسية الجديدة في السينما، حيث لم تعد الافلام التي يصنعها شباب السينما الجديدة في العالم، في اطار المتغيرات الجديدة في زمن العولمة، تحكي قصة تقليدية بالمعني الارسطي أي لها بداية ووسط ونهاية كما في افلام السينما التجارية المصرية، التي ما زالت في وضع "محلك سر"، لانها تصرف اموالها علي "بضاعة" تجارية، لها مواصفات الفيلم التقليدي وتضع عينها في المحل الاول علي شباك التذاكر.. بل صارت "وسيلة تعبير" أساسا وأقرب إلي سينما المؤلف، فالمخرج هنا ابراهيم بطوط في فيلم "عين شمس" لا يحكي قصة، بالمعني المتعارف عليه، بل يعبر عن "رؤية" في العالم، وعن "رؤية" في فن السينما، اذ يستدرجنا في بداية الفيلم إلي داخل سيارة تاكسي، ونتعرف علي صاحبها ويقول الراوي ان سائق التاكسي لايعرف انه بعد 10 دقائق، سوف تنقلب حياته رأسا علي عقب، ثم يقدم لنا فتاة شابة لا تعرف هي الاخري إلي اين تذهب، فتطلب من السائق توصيلها إلي "وسط البلد" وهي لا تعرف مع السائق ان هناك "مظاهرات" شعبية تطالب بالتغيير ووضع نهاية للظلم علي الرصيف، ومواجهات بين قوات الشرطة وجماهير الناس، ومن خلال تقديم شخصيات الفيلم، يثير مخرج الفيلم فضولنا إلي معرفة ما سوف يقع لتلك الشخصيات، ويخلق عند المتفرج نوعا من القلق والتوتر "الايجابيين" ثم يعود بنا إلي الوراء ليحكي لنا عن تلك الشخصيات، وقبل ان تجتمع داخل التاكسي، فنتعرف علي سائق التاكسي الذي يعيش هو وزوجته في حي "عين شمس" الشعبي الذي تبدلت احواله كثيرا، فقد كانت "عين شمس" ذات يوم عاصمة لمصر في زمن الفراعنة وموقعا مقدسا زاره يسوع والعذراء مريم، ثم تغيرت أحواله وتدهورت بمرور الزمن، فصار أحد أفقر مناطق القاهرة وأكثرها اهمالا، ولم يعد حيا داخل مدينة، بل "مدينة" فقيرة عشوائية داخل العاصمة "الارستقراطية" باحيائها الغنية المرفهة..

أحياء مثل الكواكب السيارة

وبسبب اتساع الهوة بين الفقراء والاغنياء صارت تلك الاحياء الشعبية في مصر التي تحتضن الفقراء والهامشيين والبؤساء والعاطلين عن العمل والراغبين من الشباب بلا عمل في الهجرة إلي امريكا او دول الخليج او أي مكان، مثل "كواكب" مستقلة، لها تاريخها وذاكرتها واستقلاليتها عن العاصمة البعيدة جدا "القاهرة"، بل وصار الانتقال من تلك "الكواكب" الشعبية السيارة إلي القاهرة (وسط البلد)، اقرب ما يكون إلي "رحلة" في مراكب الشمس إلي "نعيم" الحياة الحقيقة، وسعادتها ورغدها وبهجتها، وكأن الحياة في تلك "الكواكب" هي قدر مؤلم وحزين للبؤساء وحدهم، بل ليست حياة بالمرة، بل هي "الجحيم" بعينه، بسبب كل تلك المشاكل الاقتصادية والاجتماعية والسكنية والتعليمية والبيئية التي تعيشها وقد تكومت وتركزت وتراكمت، وصارت بمضي الوقت عصية علي اية حلول، حتي صار الانتقال إلي "وسط البلد" مثل الذهاب إلي "روما" في ايطاليا، وليس الهبوط في ساحة أو ميدان التحرير. فيلم "عين شمس" يحكي عن "حال" مصر من خلال نموذجين وأسرتين وواقعين وتضامن الناس حين يكتشف ان الطفلة ابنة سائق التاكسي وتدعي "شمس" (11) سنة مريضة بسرطان في الدم، وهو يفتح شبك السينما من خلال فيلمه علي مأساة العراق، ويترك للراوي في الفيلم "صوت" الفيلم، الانتقال بنا بحرية، إلي اماكن اخري في العالم خارج حدود مصر ليقول لنا ان هناك ما هو اكثر قسوة من رغبة شمس في الذهاب لرؤية "وسط البلد" البعيد في فسحة او نزهة، وان الموضوع في الفيلم ليس مصر وحكاية الطفلة " عين شمس " المريضة، او الرجل الغني الذي يعيش في قصر، ويشتغل عنده سائق التاكسي مع مجموعة من الخدم وهو يواجه مشكلة ديونه المتراكمة بالملايين،، بل الموضوع هو "النظرة" أي الطريقة او الزاوية التي ينظر بها الراوي ويمثل طبعا مخرج الفيلم او جزءا منه - إلي الحياة بشكل عام وكيف يفهمها ويفلسفها، كما انسان يشاهد الاخبار في التلفزيون، وينقل بواسطة الريموت كونترول من مشهد إطعام الحمام في "غية حمام" في حي عين شمس الشعبي، إلي مشهد للام التي تحمل طفلتها المريضة بداء سرطان الدم في مستشفي عراقي، إلي مشهد المظاهرات التي اجتاحت وسط البلد في فترة ما، بعدما اصبح العالم بالفعل "قرية صغيرة" وصار ما يجري وما يحدث من كوارث طبيعية وغير طبيعية، ومحاكم ومظالم وقمع ومظاهرات يمسنا جميعا ويحركنا ويؤثر فينا جميعا، وتتحقق معه "أخوة الانسانية" بشكل كامل بل ويتحقق معه "شرط السينما" الاول..
شرطها ان تمسك بتوهج الحاضر في بر مصر العامرة بالخلق، وذلك الحزن والسحر اللذين يغلفانه في الآن اللحظة، وأن تدخل في نار الزحام، وتمتزج بالحشد الانساني، وتدلف إلي " بحر " الناس الكبير من دون خوف أو تردد أو وجل. شرطها ان تعبر عن تلك "الحساسية" الجديدة الملتهبة اللافحة، وان توظف السينما كأداة للتفكير والتأمل في تناقضات مجتمعاتنا الانسانية، وان تقف ضد الظلم، ومع "كرامة" الانسان ضد ميكنته وادلجته وتحويله إلي "سلعة" او مجرد "مستهلك" أناني وحشري وضيع وغبي. وظيفتها ان تسافر في العالم مع الناس، لتحكي عنهم الآن في اللحظة، وهي تضع علامة نور في نهاية النفق المظلم ..
ولا تهم هنا حبكة القصة او الرواية، بل صارت القصة والرواية هي الفيلم نفسه في "شموليته" الكاملة، في حساسيته الانسانية، واتساع افقه إلي ما وراء حدود السماء لمعانقة الطيور الراحلة، والسحب المحلقة والتواصل مع كل الكائنات والمخلوقات..
واعتبر ان فيلم "عين شمس" هو "جوهرة" سينمائية حقيقية، الا ان هذه الجوهرة للأسف بددها ابراهيم بطوط، او كسرها وجعلها هباء منثورا في فيلمه الانساني البسيط الجميل. بددها من خلال الإطالة والاستطراد بغباء والحشو التافه في العديد من المشاهد المملة، وكان يجب اختصارها، والاعتماد فقط علي سياسة " التلميح " او " اللطش " مثل عود الكبريت الذي يحرق الوجه بالتلويح به فقط، لأن داء السينما كما يقول المخرج الاسباني العظيم لوي بونويل هو في "التصريح" والثرثرات اللامجدية، ويمكن ان يغفر المرء للفيلم أي شيء، سوي ان يكون مملا..الا انك في فيلم "عين شمس" سوف تستشعر الممل بعد فترة، جعلنا نتذوق فيها بهجة السينما الحقيقية..

جوهرة حقيقية ولكن

ويظهر ذلك التطويل الممل الذي يقتل "روح" الفيلم "عين شمس" في العديد من المشاهد، مثل مشهد العرس او "الفرح" في حي عين شمس الشعبي، وتدخين الحشيش اثناء رقص الغازية، وكما في مشهد الحوار بين المدرسة وام شمس، وكله رغي وحكي علي الفاضي ووقوف "محلك سر" في المكان، مما يؤثر علي ايقاع الفيلم، الذي بدا لنا في مشاهده الاولي متوهجا مثل مشهد الفتاة التي تغني الموال العراقي الجميل العذب، ثم سرعان ما يأخذ في الاستطراد والترهل، حتي حدا بالبعض منا إلي مغادرة قاعة العرض قبل نهاية الفيلم بوقت طويل للأسف..
والواقع ان ابراهيم بطوط تعرض لاغراءات كثيرة او عرض هو بنفسه تلك الاغراءات، فقد كانت بعض المشاهد تكفي مثلا لعمل فيلم مستقل وخصوصا العلاقة الحميمة بين ساكن القصر وساكن الحي الشعبي، الا أنه انساق وراء تلك الاغراءات المشهدية، واستسلم لتلك المشاهد الثقيلة، بدلا من تقطيعها او منتجتها او حذفها، اوالاستفادة منها بالقليل الموحي الضروري، القليل المحسوب، الذي لا يجعلنا نمل او نصرخ. كفي اقطع هنا الآن، حول من التحويل او الانتقال إلي مشهد آخر ولا تترك الملل يتسلل إلي فيلمك. وقد رأيت اثناء نقاش مع البعض في المهرجان ان فيلم " عين شمس " يستحق ان يحصل في مسابقة المهرجان علي جائزة، ليس بسبب الفيلم الذي اعتبرته "جوهرة" بددها مخرجنا هدرا، بل بسب "التوجه" في الفيلم، وجرأة وشجاعة الاسلوب الجديد الذي انتهجه بطوط في فيلمه..
أسلوب ابتداع او خلق "النظرة" الشخصية السينمائية، حتي وان لم يأت الفيلم كاملا او مكتملا، عكس تيار السينما التقليدية التجارية التي عفي عليها الزمن، وصارت افلامها مسخا ومسخرة، ولا طائل من ورائها، وضحكا وتهجيسا علي الفاضي، ولم تعد تناسب ابدا عصرنا..
توقف قطار فيلم "عين شمس" في السكة للأسف، وبدا الفيلم احيانا باهتا جدا وتقليديا جدا مثل افلام التلفزيون الثرثارة، وتختفي منها السينما نهائيا، ووقعت جوهرة "عين شمس" من ابراهيم علي الطريق وتدحرجت لتطحنها شاحنات الهراء السينمائي المبتذل العام، في افلام التخلف المصرية الهابطة العقيمة، وقضت عليها نهائيا، في حين استمر ابراهيم يسيرفي سكته للأسف، ولم يحاول ان يعود للبحث عن جوهرته، وانتهي الفيلم يا خسارة بالاستغراق في التقليدي الحكائي العمومي، الذي لا يودي ولا يجيب ولا طائل من ورائه،..
غير ان "تجربة " الفيلم ذاتها، ومنحي ابراهيم البطوط السينمائي الشجاع الفريد، يستحق بلا جدال الاشادة والتقدير عن جدارة، ونأمل ان يعود لصقل تجاربه وموهبته، وخوض "مغامرة" صنع سينما جديدة متميزة ضد السائد والمعفن والتقليدي، ونبذ حلول الوسط واغراءات المراوحة بين ما يريد وما يريدون، واعني بهم اصحاب رؤوس الاموال من المنتجين، والمضي قدما لصنع افلام من التراب بميزانيات متواضعة في اليد، ومن دون انتظار وصول الميزانيات الكبيرة الضخمة التي تكفي لتشييد وبناء مصانع سردين، واعني كذلك بتراب مصر : كنوزها واسرارها وماضيها وحاضرها وتاريخها بحواريها وازقتها في الريف والمدينة، وحكايات اهلها الطيبين المسالمين المقهورين المتمردين الصامتين والمتكلمين في آن، وحين افكر في ذلك "المنحي" اتذكر دوما أن المخرج الهولندي الكبير جوريس ايفانز سألني مرة وانا اجري حوارا معه عن عدد السكان في مصر، فقلت له 60 مليون نسمة، وكان ذلك تعداد مصر آنذاك، فصمت قليلا ثم قال لي : "ان معني ذلك يا عزيزي ان هناك الآن 60 مليون فيلم مصري لم تصنع بعد، وبحاجة إلي من يصورها فورا ويخرجها للشاشة".. واضاف السينمائي الحكيم العجوز، انه ليس مهما ان يكون "النهر" عميقا او طويلا، لكن المهم ان نعرف ان كانت "الأسماك" في النهر سعيدة، فوعيت الدرس.
وعرض المهرجان الذي يبدو لنا في كل دورة ويحرص علي أن يكون بمثابة "تكريم" للسينما المصرية السينما الرائدة الأم العديد من الأفلام المصرية المتميزة، فقدم في حفل الافتتاح فيلم "هي فوضي" ليوسف شاهين الذي علي الرغم من جرأته وفضحه لانتهاكات الشرطة، لم يعجبنا، وبدا لنا مثل عدة " نمر" واسكتشات استعراضية تمثيلية مصورة، وطويلة ومملة، وتتحدث فيه الشخصيات من سيناريو تجاري اصيل مكتوب بحرفنة، ويصلح كمسلسل تلفزيوني فقط،اذ تغيب فيه السينما بالمرة، ويفتقد " السينما " التي تعودنا عليها من الأستاذ يوسف شاهين، الذي علي ما يبدو ترك الحبل علي غاربه لمساعده الاستاذ خالد، لكي يصنع بنفسه ذلك الفيلم، فيصبح مجموعة من هتافات وشعارات الاستنكار والتلصص الرخيصة ..ويكون بمثابة "امتحان" لجهاز الرقابة المصرية، لمعرفة هل يمكن ان تجيز عرضه في اطار الظروف الحالية التي تعيشها مصر، وقد نجحت الرقابة في الامتحان، لأن الفيلم ينتمي إلي نوع أفلام المغامرات المضحكة، ويحتشد بالشخصيات الكاريكاتورية "الجاهزة" مثل الملابس الجاهزة، من اول المدرسة التي تمنع المرشح الحكومي من وضع إعلاناته الانتخابية في المدرسة، وحتي رجل الشرطة الوحش المستبد، الذي يأكل بنهم وجشع حيواني، ويعيش علي استغلال الناس، ويخطف ابنة الجيران الجميلة الرقيقة، ويغتصبها في عشة في جزيرة علي النيل..
ولأن تلك الشخصيات تبدو لنا غير حقيقية بالمرة، وتتكلم من سيناريو مكتوب علي ورق، وتظهر دائما اما خيرة او شريرة / وتكون دوما "واضحة"، في تحركاتها وتصرفاتها وضوح الشمس في حين تهتم السينما الحقيقية بالابهام والغموض اللذين يتركان للمتفرج فرصة أو طاقة يعبر منها إلي قلب الفيلم وروحه، وتجعلنا بالتالي اذ تمنحنا فرصة - نتساءل، وتثير مخيلتنا، ونشارك هكذا في صنع الفيلم. ويبدو لنا أن ذلك "الوضوح" يقينا هو داء السينما المصرية، وهو رفيق المسلسلات المحشوة بالكلام والتفسيرات عن جدارة وقد شبعنا منه ونريد شيئا آخر..
ولذلك بدا لنا فيلم "هي فوضي" بسبب تلك الشخصيات و"الوضوح" الباهر المذهل في "الفيلم" ونعرفه جميعا بل وخبرناه، بدا لنا طويلا طويلا ومملا، وهو بشكله الحالي، اذا عصرته، فستهبط منه يقينا عدة افلام - 3 افلام علي أقل تقدير- "واضحة " ومرتبة وجاهزة فورا للعرض كما تعودنا في افلام "الهراء" السينمائي المصري، وانتاجاته الهابطة.. تلك الانتاجات السخية، وستجد في الفيلم عشرة افلام دفعة واحدة وكلها محكية بالرغي والحشو والكلام، التي لا تحترم "ذكاء" المتفرج ابدا، وترميه بالغباء والتواكلية والكسل، وتعتبر انه اكتع او غبي او تافه وسكران، وتكون واضحة وضوح الشمس، وجميعها او اغلبها كما نعرف، هي افلام للاستهلاك "المحلي الشعبي" مثل "أطباق الكشري" والرغي والثرثرة، ومجرد "مناظر" أي تصوير لكلام مكتوب علي ورق، واقرب إلي عروض المسرح الشعبي منها إلي فن السينما الذي يخاطب بالصورة، وينبذ التعليق المقحم الانشائي الذي يحدد لنا مسارنا خلال مشاهدة العمل، ولا يتركنا علي حريتنا، في حين ان أفلام الابهام او الغموض، كما يقول المخرج الياباني أو شيما هي التي تحفز مخيلتنا وتثيرها وتحركها كما في فيلم "رجل ميت" للامريكي جيم جامروش، وتكاد تكون اقرب إلي فن الشعر، الذي يعبر عن المشاعر والاحاسيس بالصورة، لكن يبدو ان المنتجين في مصر لم يتغيروا، في حين تغير الناس، وصاروا الآن بفضل الانفتاح التلفزيوني الهائل علي العالم اكثر علما ووعيا بانجازات الصورة الحديثة، ووجود افلام اخري مغايرة غير افلام السينما المصرية هذه، التي تنتج في بلادنا الآن، ولا علاقة لها بواقعنا او مشاكلنا، او بفن السينما لا من قريب ولا من بعيد، وقد نما وتطور "ذكاء" المتفرج المهروس في الزحام، ومشاكل وجحيم كل نهار، ولم يعد بحاجة إلي سينما الاستهلاك، وتطورت ذائقته، بحيث ان رهان السينما المصرية الآن هو الرهان علي "ذكاء" المتفرج المصري، ومخاطبته بصورة تتواءم وتتلاءم مع متغيرات العولمة، وواقعنا الملتهب الجديد، وحساسية عصرنا..

الجزيرة دور علي مقاس نجم

وعرض المهرجان ايضا فيلم "الجزيرة" لشريف عرفة الذي اعجبني كفيلم يحكي قصة حقيقية، ويروي حكاية صعود سطوة مجرم في الصعيد من خلال تواطئه مع رجالات الشرطة، وقد استمتعت بالفيلم علي الرغم من طوله، وهو يبدو في البداية منفتحا علي عدة احتمالات ومعالجات وخيوط درامية، مثل قصة الحب بين هند صبري واحمد السقا في الفيلم، وقصة الصراع بين احمد السقا بطل الفيلم وعمه، الصراع علي الزعامة والسلطة، غير ان سيناريو الفيلم للأسف لا يشتغل علي تلك الخيوط ويطورها ويغذيها، بل يطرحها ويعرض لها فقط، ويمر عليها مرور الكرام، في حين ان كل خيط درامي منها يصلح لعمل فيلم مستقل، ويتوقف الفيلم عند عرض تلك الخيوط فقط، ولا يشبكها في خط الفيلم او مساره العام، بل يعود إلي الخط العام ليحكي عن قصة صعود مجرم مثل "الخط" في الصعيد، وتحدي السلطة الذي ينتهي بانتصارها، وفرض سطوتها. هناك "مناظر" فقط في "الجزيرة" تستوقفك، وتمثيل جيد لأحمد السقا، وحضور جمالي باهت فقط لهند صبري، التي لم تعد في رأينا تمثل في أي فيلم، كما مثلت في دورها الجبار في فيلم " مخبر وحرامي " لداود عبد السيد الذي صنع نجوميتها وجعل مفروضة " شكلا " فقط في العديد من أفلام السينما المصرية التي تهتم بالشكل فقط ومن دون اعماق، صارت هند تظهر فقط وتكتفي بهذا ومن دون أي سينما او تمثيل بالمرة، وصارت معه هند صبري شكلا وموضوعا مستهلكا، ومجرد "ظهور" فقط في افلام السينما المصرية، اما عن التمثيل فلا شيء. خرابة. وصار الفيلم كله استعراضا لعضلات مخرجنا شريف عرفة، وحركاته وزوايا تصويره، أي " الجزيرة " كله علي بعضه "تصوير" جميل فقط، مع تحريك لمجموعات في الفيلم تمثل شعب الصعيد، وهو شعب علي الرغم من كثرته في الفيلم، لا يتعامل معه المخرج علي انه صاحب دماغ ويفكر، بل تعامل معه علي اساس انه مجرد "عرائس" من قطن وورق مقوي، وكائنات لا تعي ولا تفكر، وليس لها أي حضور او كيان انساني من أي نوع في " الجزيرة " بل كائنات مطيعة وتنفذ الاوامر فقط، ولذلك قد تعجب بالتشكيلات وحركتها الجماعية في الفيلم، علي السطح فقط، الا انك سوف تتساءل الا يوجد صعيدي واحد في تلك التجمعات يوحد ربنا ليحكي عن شيء او يفتح فمه؟ كان كل هؤلاء الصعايدة في الفيلم مجرد "كومبارس" فقط لخدمة بطل الفيلم "هرقل" الجبار وتلميع اداء احمد السقا..
فيلم "الجزيرة" يهتم بالشكل والجماليات، وهذا حسن جدا ومطلوب،وهو مخدوم انتاجيا ومصروف عليه، لكي يصبح في النهاية "بضاعة" تجارية تقليدية بمواصفات "النجم" احمد السقا، وتوظيف نجوميته تجاريا لتحقيق ارباح ومكاسب، ولا شيء غير هذا، كما لا يوجد في الفيلم أي "هم" انساني حقيقي او "هم" سينمائي حقيقي. توجد فقط حسابات مكسب وخسارة وشطارة سوق، عند مجموعة العدل منتجة الفيلم، و"هم" صنع فيلم جماهيري ناجح ونظيف، لكن خال من أي هموم او أي تفكير، لأن اليافطة المرفوعة حاليا علي " دكان السينما " في مصر الآن هي: "سينما بلا فكر ولا تفكير ودوشة ووجع رأس، والأجر علي الله" من نوع "افلام الأسرة" الملفوفة في ورق سوليفان، وهي مجرد مسلسلات تلفزيونية مكثفة او مركزة، مثل علبة صلصة الطماطم، التي تغني عن الطماطم الحقيقية، ولا تسرق في الميزان..
كما عرض المهرجان فيلما مصريا قصيرا جميلا "ساعة عصاري" وهو فيلم التخرج لشريف البنداري ومأخوذ عن قصة قصيرة للروائي ابراهيم اصلان، يكشف بالفعل عن مخرج ذكي واعد، صاحب فيلم "6 بنات" وفيلم "صباح الفل" ويمثل شريف من خلال السينما التي يصنع، مع هبة يسري ومجموعة من شباب السينما المصرية الجديدة، الأمل في سينما مصرية جديدة تتأمل في واقعها وتاريخها وتقاليدها، لكي تكون امتدادا للسينما المصرية العظيمة التي صنعتنا في افلام صلاح ابو سيف، وتوفيق صالح ويوسف شاهين وكمال الشيخ وعاطف الطيب ومحمد خان وخيري بشارة، وايقونتها المتوهجة شادي عبد السلام..
ويكفي ان تكون "حسنة" فيلم شريف البنداري الوحيدة، انه كشف في "ساعة عصاري" عن موهبة العديد من سينمائيين لا علاقة لهم بالتمثيل أصلا، كشف عن موهبتهم في التمثيل والاداء الهادئ المقنع الجيد، مثل الفنان ومهندس الديكور الكبير صلاح مرعي، "المومياء" لشادي عبد السلام و"الجوع" لعلي بدرخان، الذي تألق ومثل بحذق وذكاء ومهارة دور " الاب " في الفيلم، وعلاقته بابنه وزوجته، وحيرته امام طول قامة الابن، وقصر قامته ويبدو اننا عندما نشيخ، في اطار الظروف الجديدة التي تفرد لها قصة ابراهيم اصلان، نتضاءل جميعا بالفعل، وتقصر قامتنا، ونستشعر عجزنا وخيبتنا امام المتغيرات الجديدة، ونعيد النظر والتفكير في صورتنا المعكوسة في المرآة ونستسلم يقينا لوحدتنا وغربتنا، امام صراخ ذلك "الجديد" المتسارع المغيب المنقطع النظير..

السينما المصرية

ويحرص مهرجان الفيلم العربي في روتردام وفي كل دورة علي ان تكون " السينما المصرية الرائدة"والأم حاضرة وبكثافة في كل دورة، وقد عرض المهرجان ايضا فيلما تسجيليا "غيفارا عاش" اخراج مها شهبة، اقرب ما يكون إلي الريبورتاج التلفزيوني، كما عرض فيلم "جنينة الاسماك" ليسري نصر الله، وحرص ايضا إلي جانب عرض الافلام المصرية، علي حضور "الكيان "الانساني المصري الجميل، الذي يشكل ماضي وحاضر هذه السينما شكلا ومضمونا وروحا وفكرا ووجدانا، فدعا إلي الحضور نجوم الفن السينمائي المصري الممثل بشخصيات فنية عملاقة من امثال الفنانة سميحة أيوب، التي تمثل شموخ المسرحي المصري كله، مجسدا في كيان امرأة، والفنانة العملاقة الإنسانة المتواضعة سميرة عبد العزيز، والفنان كاتب السيناريو المصري الأصيل الرائع محفوظ عبد الرحمن، الذي لولا دعمه منذ البداية والتأسيس لمشروع المهرجان، ووقوفه إلي جانب المجموعة التي تنظمه وتديره، الرئيس الحالي التونسي د.خالد شوكات، والعراقي المدير الفني انتشال التميمي، واقتناعه وايمانه بفكرته واهدافه في التواصل مع الشعب الهولندي، من خلال فن السينما، ما كان لهذا المهرجان ان يحقق هذا الحضور الفني العربي الانساني الحضاري المشرف في روتردام، خلال دورته الثامنة هذه والدورات السابقة..
كما دعت ادارة المهرجان ايضا الفنان الممثل العملاق عزت العلايلي: "الارض" ليوسف شاهين و"السقا مات" لصلاح ابو سيف، ابن " بركة الفيل" من حي السيدة، وصاحب الادوار الشامخة في روائع سينما مصر، كما دعا الفنانين احمد السقا والممثلة رولا محمود "كليفتي" لمحمد خان، وشاركت في تقديم بعض الندوات والترجمة، والمنتجين سامي ومدحت العدل وكرس لهما ولمجموعة العدل كأسرة سينمائية ناشطة وفاعلة ومؤثرة علي خريطة السينما المصرية، كرس لهم ندوة كاملة، من ضمن ندواته الثلاثة التي ناقش فيها ايضا "جدار" العار الاسرائيلي في فلسطين وحضوره في السينما .

روتردام العربي حالة خاصة

كما ناقش المهرجان في ندوة متميزة ثالثة، موضوع المرأة في السينما العربية، وكانت تلك الندوة في رأينا احد اهم الندوات الجميلة المشوقة وأكثرها احترافا ودسما التي عقدت في المهرجان خلال السنوات الثلاثة الماضية التي حضرناها، وشاركت في الندوة المخرجة المصرية المتألقة بفنها السينمائي الانساني الجميل هالة خليل "أحلي الاوقات"، والمخرجة التونسية الكبيرة سنا ومقاما ومركزا سلمي بكار، والمخرجة الفلسطينية والكاتبة والمنتجة ليالي بدر، وحكت كل مخرجة علي حدة تجربتها وتاريخها وعن انجازاتها في السينما، ما حققت وما تتمني تحقيقه، وكانت ندوة انسانية ومشوقة عكست آمال وطموحات وتوجهات المرأة المخرجة في السينما العربية، كما عكست ايضا " الحالة الخاصة " الانسانية المتميزة والمتفجرة دوما في مهرجان الفيلم العربي في روتردام وجعلته مختلفا ببساطته وانسانيته وحسن الاستقبال عن بقية المهرجانات الاستعراضية الاحتفالية السينمائية الكثيرة في المنطقة العربية ومنطقة الخليج بالذات، التي تهتم فقط بالكم أي عدد الافلام والتكريمات التي لا حصر لها والفشخرة والمنظرة والاستعراض والتي تصرف علي الضيوف الاجانب الخواجات بلا حساب، وذلك علي حساب السينما، أي حضارة السلوك الكبري كما نفهمها، التي تقربنا أكثر من إنسانيتنا، وتبحث وتفتش لتعرف ان كانت "الأسماك" في النهر سعيدة قبل أي شيء آخر. ولذلك لم يكن غريبا ان ينال المهرجان في حفل الافتتاح تكريم وتقدير العديد من المؤسسات الثقافية المهمة في روتردام وهولندا، بعدما اصبح " طاقة " فنية عربية أصيلة، تتفجر بالأمل والنور بفضل تلك الإدارة الجديدة للمهرجان التي تؤسس تحت ادارة شوكات والتميمي بفضل نزهة ومحمد وعادل، وماهر وزينب وساريتا، وحميد وروش وبول وثريا وغيرهم ومستفيدة من كل تلك الكفاءات والخبرات العربية والأجنبية علي مستوي العرض والتنظيم، تؤسس لمهرجان عربي سينمائي فني أصيل حقا، يستحق ان نفتخر ونشيد به جميعا في أوروبا، لخلق اجواء صداقة صحية للتعارف والتفاهم والتواصل والحوار مع أنفسنا والآخر والغرب، من خلال السينما..

جوائز مهرجان الفيلم العربي الدورة 8 في روتردام

شهدت قاعة سينراما بروترادم حفل اعلان جوائز الدورة الثامنة لمهرجان الفيلم العربي. في مسابقة الفيلم التسجيلي القصير تنويه خاص بفيلم "انا فلسطيني" لأسامة قشو، وذهبت جائزة الصقر الفضي إلي فيلم "ذاكرة امرأة" للتونسي لسعد الوسلاتي، وحصل علي الصقر الذهبي الفيلم الفلسطيني "مغارة ماريا" لبثينة خوري. وفي مسابقة الافلام التسجيلية الطويلة نوهت لجنة التحكيم بالفيلم الاردني "اعادة خلق" لمحمود مساد، وذهب الصقر الفضي إلي "جيفارا عاش" للمصرية مها شهبة، اما الصقر الذهبي فكان من نصيب الفيلم العراقي "حياة ما بعد السقوط" لقاسم عبد.
وفي مسابقة الافلام الروائية القصيرة فاز الفيلم البحريني "غياب" لمحمد رشيد بجائزة لجنة التحكيم الخاصة، وذهب الصقر الفضي إلي الفيلم الاماراتي "بنت مريم" اخراج سعيد سالمين، اما الصقر الذهبي فكان من نصيب فيلم "ايدي وسخة صابون نظيف" للمصري كريم فانوس
وفي مسابقة الافلام الروائية الطويلة فاز فيلم "عين شمس" للمصري ابراهيم البطوط بجائزة شبكة راديو وتلفزيون العرب ايه ار تي المخصص للعمل الاول او الثاني، بينما فازت هند صبري بجائزة احسن ممثلة عن دورها في "جنينة الاسماك"، واللبناني جورج خباز بلقب احسن ممثل عن فيلم "تحت القصف" اللبناني، الذي فاز ايضا بجائزة الصقر الفضي، بينما فازالفيلم الجزائري "البيت الاصفر" بجائزة الصقر الذهبي.


ہ كاتب وناقد سينمائي مصري مقيم في فرنسا

qpt3


حنا ورد - مقال كالذهب العتيق
صباح الخير أستاذ صلاح منذ زمن ونحن نقرا المقالات الصحفية اليومية وتدعي انها مقالات نقدية سينمائية بينما هي ليست أكثر من مقالات صحفيية اخبارية. هذه مقالة نموذجية للنقد السينمائي الجاد. شكرا لك حنا ورد مدير تصوير