الثلاثاء، مارس 03، 2015

ياقلبي آه أو كيف جعلتني أمي النوبية الحاجة سيدة أحب أم كلثوم بقلم صلاح هاشم . فقرة من كتاب " الحصان الشارد "



فقرة من كتاب " الحصان الشارد " بعنوان

يا قلبي آه . أو كيف جعلتني الحاجة سيدة امي النوبية أحب أم كلثوم ؟

 
ورثت عن أمي النوبية الحاجة سيدة سيد محمد مرزبان حب الغناء، فقد كانت تفتح بعد أن تفرغ من صلاتها الراديو، وتجعل كل أغنيات أم كلثوم ،تطغي على كل الأصوات، و تشمخ بشدوها إن ياقلبي آه .. الحب وراه .
ياقلبي آه كما اكتشفت في مابعد، كانت هى " الوصلة " التي جعلتها ، وبفضل عشق أمي للغناء، تقربني من كل حبيب .

صلاح هاشم

  الصورة المرفقة لقطة من فيلم " رجل وإمرأة " للمخرج الفرنسي كلود ليلوش وصورة من مقال في مجلة صباح الخير عن أمي النوبية الحاجة سيدة

الاثنين، مارس 02، 2015

حوار مع المخرج السوري الكبير اسامة محمد : منابع ماء الفضة بقلم صلاح هاشم



قبل أن نقرأ الحوار مع أسامة محمد ، كتب صلاح هاشم مباشرة بعد أن شاهد فيلم " ماء الفضة " في مهرجان كان 67 المقال التالي

فيلم " ماء الفضة " لأسامة محمد  : سمك يتظاهر
 تحت الماء، ويطالب بإسقاط نظام الأسد في سوريا
المخرج السوري الكبير أسامة محمد
بقلم
صلاح هاشم


     
 الف صورة وصورة لسوريا  في ما هو  أكثر من فيلم . في "صرخة".. و" نداء " الى ضمير العالم الحر، إن تحرك. من سينما القاتل وسينما القتيل،يجدل المخرج السوري الكبيرأسامة محمد شريطا مرعبا لـ " سينما الحقيقة " يقترب به من روح الشعر و القصائد الروحانية الكبرى. حتى السمك في فيلم " ماء الفضة " ، يتظاهر تحت الماء ضد نظام بشارالأسد ، ويطالب بإسقاطه !

--
 
من أقوي الأفلام "السياسية" المباشرة التي عرضها مهرجان " كان " السينمائي 67 ضمن قائمة الاختيار الرسمي وخارج المسابقة الرسمية ، فيلم " ماء الفضة"SILVERED WATER  ،أو صورة ذاتية لسوريا " من اخراج السوري أسامة محمد والسورية الكردية وئام سيماف بدرخان ، الذي عرض في " عرض خاص "  في المهرجان ، وأعتبره " تحفة " سينمائية بكل المقاييس وأكثر من فيلم ..

حيث يروح أسامة محمد ينسج من فيلمه، الذي ينتمي الى نوع سينما الحقيقة CINEMA VERITE في الفيلم التسجيلي كما في افلام الهولندي جوريس ايفانز والفرنسي جان روش والروسي ديجا فيرتوف ،ولايهم هنا ان كان ينتمي أو لاينتمي، فليست هذه القضية، المهم انه قد تحقق.. ليكون بمثابة  " صرخة" مروعة .. تخاطب ضمير العالم المعطوب.. وتدين لامبالاته ..

 فيلم حققه أسامة وصاحبته السورية الكردية "سيماف"- SIMAV   تعني الكلمة بالكردية "ماء الفضة "-  ومن هنا عنوان الفيلم الذي يحكي عن صداقة، نشأت علي شبكة الانترنت - بين مخرجنا السوري الهارب من جحيم الحرب ، ويقيم حاليا في باريس –  بعد أن فرضت عليه اقامة جبرية حين عرف انه هالك لامحالة لو عاد الى بلده..
 حققه مع صديقته إذن، ونجحا يقينا في ان يجعلا من فيلمهما "صورة" لما يحدث الآن في أنحاء البلاد، وصورة - من صنع سيماف المخرجة السورية الكردية – لذلك الحصار المرعب في مدينة حمص حيث تروح الكلاب، تنهش الجثث الملقاة داخل الأحياء المهدمة بأكملها ، وعلي رصيف الشوارع المهجورة التي تعبرها الريح..
ومن مخزون الصور التي التقطت للحرب أو الحروب المشتعلة في سوريا، والثورة على نظام بشار الأسد والمطالبة بإسقاطه– ومن أبرز مشاهد الفيلم  مشاهد تعذيب التلميذ السوري الذي يقوم جلادو النظام بتعذيبه بعد ان كتب في كراسته الشعب يريد اسقاط النظام ،  "أجمل " مشاهد الفيلم الذي لانعرف معه، إن كان من المناسب هنا استخدام لفظ "اجمل" أو" أبشع" ، حين تكون المشاهد الأبشع وليس الأجمل هي المشاهد الغالبة فيه، فلنقل أنه من "أطرف " مشاهد الفيلم التي تحضر ، وتبرز فجأة من بين مشاعد السحل والقتل والحبس والتشريد والتعذيب، وكل صور القتل من اختراع زبانية العصور الوسطي، تبرز لقطة لبعض السوريين الذين يتظاهرون تحت الماء ،وهم يرتدون ملابس وعوينات الغطس ، ويحملون لافتة مكتوب عليها " السمك يريد إسقاط النظام ..
وهي يقينا لقطة طريفة ترويحية، تجعلنا نبتسم، بعد أن يكون اسامة وصاحبته قد القوا بنا في جحيم الشارع السوري، ومدنه وأحيائه ، وقراه، لنرى صور القتل والدمار والتعذيب والرعب، وانتهوا من صنع فيلمهم، من الف صورة وصورةمن ضمن تلك الصور التي شاهدناها في الريبورتاجات التلفزيونية ، ومن الصور الملتقطة لضحايا الحرب من الاطفال والرجال والشيوخ والنساء والاطفال العزل ( صور القتيل.الضحية )ومن الصورالتي التقطها جنود النظام ( صور القاتل. )وهم يؤدون واجب القتل والتشريد والهدم والتعذيب ، وترويع شعب بأكمله..
شعب يأبى أن يترك او يغادر ويتشبث بوطنه، ويرفض التشريد، مثل السورية الكردية وئام سيماف بدرخان من حمص التي تتعرف على اسامة محمد بواسطة الانترنت،  وتكتب له عن رغبتها في صنع فيلم معه عن الحرب ويكون أول أفلامها ، وتطلب منه ماذا يريد أن تصور له بالضبط ، فيطلب منها ان تصور له كل شييء في حمص تحت الحصار والدمار
سطوة الحرف
ومن خلال الف صورة وصورة - ونحن نسمع صوت أسامة محمد يحكي ويعلق ، يكتب ويشطب ويمسح على " سبورة " الشاشة ، كما فعل جودار في بعض أفلامه كما في فيلم " الصينية " أو " ثلاثة أشياء أعرفها عنها " يكتب ويطلب أسامة من سيماف ان تكتب أيضا ، فالكتابة مثلها مثل الصورة هي " شهادة " ضرورية، بكل امتداداتها ودلالاتها الروحانية ، بل ويطلب أن لا تهجر سيماف الكتابة ويجادلنا ويتهم ذاته بأنه قد خان ،وتتتابع وتتراكم مشاهد الفيلم ، بالاضافة الى اللقطات التي صورها أسامة واللقطات التي صورتها سيماف لحصارحمص الدموي المدمر، بل لقد صورت سيماف نفسها أثناء اجراء عملية جراحية لها حيث نراها وطبيب يقوم بتخييط جرحها من دون بنج أو مخدر ن صورت كل شييء كما طلب أسامة لتجعل الكاميرا امتدادا للحواس ، وتلك العين التي تري المدينة وتتجول مع اطفالها ،وتضع الزهور على شواهد قبورالآباء والامهات الذين كانوا، وتتجول مع طفل وهو يحاول الهروب من بندقية قنّاص ، وتجعلنا نتعرف على اطفال حمص التي جمعتهم سيماف وانشات لهم مدرسة ، وتتراكم طبقات الصور مثل رف ، طبقة فوق طبقة، وتصبح هرما من طبقات من الصور المرعبة المخيفة التي تسكن ذاكرتك، مثل الكوابيس المرعبة المخيفة التي تجعلنا ومعها ، إما أن نغادر الصالة ، وقد فعلها البعض،  وخرجوا بالفعل – أعني بعض المشاهدين - في التو ،ولم يقدروا على تحملها بعد أن وضعنا أسامة بفيلمه في قلب الدمار والرعب، وإما أن نتجمد ولانستطيع أن نغادر ونشارك أسامة محمد صرخته وندائه

يقول المخرج السوري الكبير أسامة محمد عن فيلمه : في سوريا هناك اناس يصورون ويموتون كل يوم ، وهناك أيضا أناس يقتلون، ثم يصورون ضحاياهم وقتلاهم كل يوم أيضا ، وقد صنعت فيلمي من " سينما القتيل " و من "سينما القاتل " وحيث اني لم اكن قادرا في باريس على عمل اي شييء سوى تصوير السماء ، فاني اهتديت بحبي لبلدي سوريا في عمل مونتاج لكل الصور التي وصلتني وصنع " بورتريه " لسوريا الآن، ولذلك فالفيلم يحكي من خلال علاقة الصداقة التي نشأت وتطورت وتوطدت مع ويام سيماف قصة الدمار المرعب الذي لحق بهذا البلد، وقصة صنع هذا الفيلم الرائع المبهر الذي يمكن اعتباره وثيقة على هلاك شعب وأمة على يد الرئيس بشار الأسد.. ونظامه..
فيلم " ماء فضة " هو درس في السينما العظيمة بلغة الصورة ومن دون ان ننسى الموسيقى أو شريط الصوت الفاعل المؤثر الذي وجدناه أشبه مايكون بالمبرد الذي يقوم بسن سكاكين الصور في الفيلم فيعمق من أثرها ويزيد من تأثيراتها وحدتها. .
فيلم " ماء فضة " هو علامة من علامات السينما الوثائقية العربية الجديدة، وعلامة أيضا على دخولها عصر جديد ، عصر تقترب فيه  هذه السينما أكثر من الشعر، .. وروح القصائد الروحانية الكبري ..

عن جريدة " الوطن " المصرية

***
وهنا الحوار الذي أجراه صلاح هاشم مع أسامة محمد ونشرته مجلة " الدوحة العدد89 عدد شهر مارس 2015 


أسامة محمد .. منابع «ماء الفضة»

حوار: صلاح هاشم مصطفى

فيلم «ماء الفضة» للمخرج السوري، المنفي بباريس، أسامة محمد، تحفة سينمائية بامتياز، ولأنه كذلك فقد حجز مكانه السنة الفارطة ضمن فئة العروض الخاصة الرسمية في مهرجان «كان» السينمائي في دورته 67. مخرج الفيلم صاحب بصمة مُتميزة في السينما العربية، هو من مواليد اللاذقية عام 1954، درس الإخراج في جامعة موسكو، وتخرَّج فيها عام 1979. أخرج عدداً من الأفلام القصيرة :كـ«اليوم وكل يوم» و«خطوة خطوة». لمع اسمه في السينما السورية حين حَقّقَ لها أحد أفضل أفلامها الروائية الطويلة كتابةً وإخراجاً «نجوم النهار» الذي عُرِضَ على هامش مهرجان «كان» في تظاهرة «نصف شهر المخرجين» عام 1988، فضلاً عن نيله السعفة الذهبية في مهرجان بلنسية الإسباني في نفس السنة. ويُعدّ فيلمه «صندوق الدنيا» (2002) أول فيلم سوري يشارك في المسابقة الرسمية لمهرجان «كان»...
في هذا الحوار يحكي أسامة محمد لـ«الدوحة» عن فيلمه التسجيلي الجديد «ماء الفضة»، الذي أخرجه بالتعاون مع المخرجة الكردية وئام بدرخان.



فيلم «ماء الفضة» للمخرج السوري، المنفي بباريس، أسامة محمد، تحفة سينمائية بامتياز، ولأنه كذلك فقد حجز مكانه السنة الفارطة ضمن فئة العروض الخاصة الرسمية في مهرجان «كان» السينمائي في دورته 67. مخرج الفيلم صاحب بصمة مُتميزة في السينما العربية، هو من مواليد اللاذقية عام 1954، درس الإخراج في جامعة موسكو، وتخرَّج فيها عام 1979. أخرج عدداً من الأفلام القصيرة :كـ«اليوم وكل يوم» و«خطوة خطوة». لمع اسمه في السينما السورية حين حَقّقَ لها أحد أفضل أفلامها الروائية الطويلة كتابةً وإخراجاً «نجوم النهار» الذي عُرِضَ على هامش مهرجان «كان» في تظاهرة «نصف شهر المخرجين» عام 1988، فضلاً عن نيله السعفة الذهبية في مهرجان بلنسية الإسباني في نفس السنة. ويُعدّ فيلمه «صندوق الدنيا» (2002) أول فيلم سوري يشارك في المسابقة الرسمية لمهرجان «كان»...
في هذا الحوار يحكي أسامة محمد لـ«الدوحة» عن فيلمه التسجيلي الجديد «ماء الفضة»، الذي أخرجه بالتعاون مع المخرجة الكردية وئام بدرخان.
§ بداية، ما الذي دفعك إلى إخراج فيلم «ماء الفضة»؟
- كنت في غربتي في باريس «المنفى» على قناعة بأني يجب أن أُنجز هذا الفيلم بالذات، فعلى المستوى الشخصي أشعر الآن بأني في «حالة حصار»، فلم أكنْ أصدق حتى ذلك الوقت بأني غادرت وطني سورية.. وأنه مازال هناك بشر يُقتلون ويتساقطون كل يوم.. وأن أعدادهم أيضاً في تزايد، وأني مازلت أشاهد الشعب السوري الذي أنتمي إليه، وهو يُعبّر عن مشاعره، ويطالب بحريته، وحين أتحدّث عن «شعبي»، فأنا أعني «نافورة الجمال» من الشباب السوري الذي أشعل فتيل الثورة، وبدأ بالثورة. كنت أمرّ في ذلك الوقت بأسود أيام حياتي، كنت أمرّ بلحظات ألمٍ عارمٍ، وكنت آنذاك أتساءل كيف أخدم بلدي سورية وشعبي، وعند كل دورة كنت أسأل ماذا أستطيع أن أُقدّم لهما، فبدأت أكتب بعض المقالات حاولت فيها أن أصف ما يحدث هناك، لكن بلغة فنية خلّاقة، لكني كنت أقول لنفسي.. «حسناً، كل هذا جميل، لكن ماذا بعد؟ ما الذي تستطيع أن تفعله أكثر من هذا؟».
§ المخرجة الشابة وئام بدرخان في حمص وأنت في باريس، هي في الميدان وأنت تراقب من بعيد.. حدثنا عن هذه المسافة التي انتفت بتعاونكما في إنجاز هذا الفيلم.
- كانت لحظة البداية حين شاهدت على «اليوتيوب» منظر الطفل السوري الذي اُعتقل وعُذِّبَ في الحبس، روّعني منظره، وشعرت بالرعب وأنا أشاهده، وكان هذا «المنظر» هو المشهد المؤسس للفيلم. كنت في باريس حين وصلتني أول رسالة من وئام، المقيمة في مدينة حمص، وكانت الرسالة عبارة عن قصيدة تسألني فيها: «ماذا تفعل لو كنت مكاني هنا في مدينة حمص، تحت الحصار، وماذا تريدني أن أصوّر؟ ومن أين أبدأ؟..»
تابعت، كما كل الناس، الصور المرعبة الحاصلة في سورية، نُقصف بها في كل لحظة، ومن خلال هذه الصور والأحداث التي صوّرها شباب بدا لي كما لو أن تاريخاً جديداً للسينما السورية قد وُلِدَ بالفعل مع الثورة، وما ألهمني هو الأحساس بأن «اللغة السينمائية» في مُجملها وبكل مكوناتها من لقطات، اللقطات المقربة، أو اللقطات الطويلة العامة، موجودة ومُتحقّقة في تلك الأفلام، بل إنها تُخترَع أيضاً من جديد!.. كانت «لحظة صدق» أشرقت فجأة في حياتي، لحظة قريبة من الموت، لحظة تريد أن تُعبّر عن نفسها في اللحظة الآن، ولابد من الإمساك بها فوراً، والبدء في تصويرها، وهو الأمر الذي يجعلك ويمنحك الإحساس بأنك حين تصوّر أو تبدأ في تصوير فيلم ما، بأنك «تعيش» وتقاوم الموت!. بدأت في تصوير الفيلم حين أرسلت لي وئام بعد رسالتها المذكورة مجموعة من الأفلام التي صوّرتها بنفسها، وكتبت لها رسالة شكر على فضلها في إخراجي من الوضع المتأزم الذي كنت أعيشه في عزلتي الموحشة بالمنفى الباريسي..
§ حدثنا عن شكل الفيلم واختياراته الفنية، وعن موقعه ضمن خارطة السينما السورية الجديدة
- طوال تجربتي حاولت أن أُدافع عن السينما من منظور تصوّري للسينما كوسيط إعلامي، فالسينما كما أراها هي لغة خاصة، حيث تستطيع الصور مع شريط الصوت أن تعبّر عن موقف أو تبرز رؤية جديدة للحياة.. وأعتقد بأنه مع قيام الثورة السورية كانت هناك ثورة في السينما السورية تتشكّل عبر الصور اليومية. ومن خلالها تشكّلت لدي قناعة بأني أستطيع أن أبدأ الفيلم ببعض الصور التي أرسلتها لي وئام، لأنها كانت تحكي قصة، وكانت وئام حين ظهرت في حياتي تُمثّل تجسيداً لجيل جديد من السينمائيين من الشباب في سورية.
أحب أن تكون في أفلامي مستويات مُتعدّدة من السرد، حكاية فوق حكاية فوق حكاية، وسعيت منذ البداية إلى نقل أصوات عديدة، أصوات شعب بأكمله، وخاصة منهم الذين التقطوا الصور والمشاهد التي صارت مُتاحة على شبكة الإنترنت، ولا يُعرَف لها صاحب، ولا تُذكَر أسماء أصحابها خوفاً عليهم من العقاب والبطش، ولذلك ذكرت بأن أصحاب الفيلم أيضاً ليس أسامة محمد مخرجه فقط، بل هو من صنع الآلاف من السوريين، فقد عرفت من اللحظة التي شاهدت فيها أفلامهم بأنها تصلح لأن تكون حكاية من الحكايات الكثيرة التي أرويها في الفيلم، وشعرت بالارتياح، فقد عرفت أيضاً بأني أسير هكذا على الطريق الصحيح لإنجاز الفيلم ..
في البداية رفضت استخدام صوت الراوي في الفيلم، الدليل أو المرشد الذي نستمع إلى صوته قادماً من خارج الفيلم ليقودنا في رحلتنا مع مشاهد الفيلم، لكني حين انغمست كلية في الصور التي حصلت عليها شعرت بأني واحد من هؤلاء «الشعراء المنسيين» الذين التقطوا كل تلك المشاهد ويقفون خلفها وهم أصحابها، فارتأيت أن يكون في الفيلم «حكواتي» أو راوٍ يحكي القصص دون أن يكون هذا الدور مقتصراً فقط على شرح الصور، وإنما على التأمل فيها والإيحاء بدلالاتها وأسئلتها، وقد شعرت وقتها بأني أستطيع أن أصنع من مجموع الصور أكثر من فيلم واحد، أو فيلم طويل يستغرق عرضه أكثر من أربع ساعات.

عن مجلة " الدوحة " العدد 89 شهر مارس 2015



الأربعاء، فبراير 25، 2015

ميشال غولدمان مخرجة فيلم " أم كلثوم " تصور فيلما عن جمال عبد الناصر. تدشين مهرجان " جاز وأفلام " لموسيقى الأفلام في القاهرة. القدس العربي

الزعيم جمال عبد الناصر حبيب الملايين.إرفع رأسك يا أخي فقد مضى عهد الاستعباد

أفيش فيلم " أم كلثوم ، صوت يشبه مصر " لميشال غولدمان وتصوير كمال عبد العزيز

ميشال غولدمان مخرجة فيلم «أم كلثوم» تصور فيلما عن جمال عبد الناصر

 تدشين مهرجان «جاز وأفلام» لموسيقى الأفلام في القاهرة






القاهرة – «القدس العربي»: في حفل متوهج بالفرح، والبهجة، وبحضور جمهور كبير امتلأت به قاعة عرض» نادي سينما الجيزويت» في حي الفجالة بالقاهرة عن آخرها، انطلقت الدورة الأولى من مهرجان «جاز وأفلام» للموسيقى في الأفلام، برعاية جمعية النهضة العلمية والثقافية، التي يترأسها الأب وليم سيدهم، حيث قام مؤسس المهرجان الكاتب والناقد السينمائي المصري صلاح هاشم مصطفى بإلقاء كلمة،عرض فيها لأهداف المهرجان، المخصص للبحث في العلاقة بين فن السينما وفن الموسيقى، والتفتيش عن دور «شريط الصوت» وأهميته في السينما.
وذكر هاشم أن التركيز على موسيقى الجاز في المهرجان، وقبل تناول الأنواع الموسيقية الأخرى لاحقا، نابع من «صلة الوصل» العضوية القوية التي تربطنا نحن المصريين من خلال موسيقى الجاز بقارة افريقيا، ومن ثم يكون البحث في تاريخ هذا النوع بمثابة عودة و»استكشاف» من جديد، لكل فنون وثقافات القارة. وذكر أن موسيقى الجاز كانت «المخزون العاطفي» الذي احتفط فيه الأفريقي الأسود المختطف، بايقاعات ونغمات وأصوات ولغات الحياة اليومية التي عاشها في القارة، وظلت عالقة بروحه حين حط في القارة الجديدة أمريكا لتؤسس أرضية لهذا النوع الممتد إذن بجذوره في قارة إفريقيا. 

 
ميشال غولدمان وكمال عبد العزيز في حفل تدشين مهرجان " جاز وأفلام " للموسيقى في السينما

وأكد هاشم أن المهرجان سوف يشتغل على «البعد الافريقي» في الشخصية المصرية، حيث أن معظم الاشتغالات الثقافية الراهنة تركز فقط على البعد العربي، وتهمل أو تتناسى البعد الافريقي. كماعرض هاشم أيضا لعناصر موسيقى الجاز الثلاثة: عنصر الارتجال وعنصر السوينج وعنصر البلوز والفيلنج (الاحساس) وشرح أن الإرتجال في موسيقى الجاز لا يعني الفوضى، بل هو مثل التقاسيم في الموسيقى العربية، حيث يسمح للعازف في موسيقى الجاز أن يضيف للحن من عنده، من تجاربه وخبراته الحياتية، كي يعمقه ويثريه، وهنا تظهر «شخصية» العازف، فموسيقى الجاز، كما نوه هاشم أكثر منها عزفا لمقطوعات وألحان، هي أسلوب وطريقة في العزف.

الكاتب والناقد السينمائي صلاح هاشم مؤسس مهرجان " جاز وأفلام " للموسيقى في السينما
 

ولم تكن فكرة إقامة مهرجان «جاز وأفلام» وليدة اليوم كما ذكر، بل ظلت تختمر لفترة تزيد على عشر سنوات في ذهنه يدرسها ويوثق لها ويقلبها من جميع النواحي، وكان عرض الفكرة على رؤساء المركز القومي للسينما في مصر الذين رحبوا بالمشاركة والتأييد، غير أن الظروف التي مرت بها مصر، دعت في كل مرة الى تأجيل المهرجان، حتى حلول العام الجاري، حيث تقرر تدشين دورته الأولى، بالتزامن مع الاحتفال بمرور أربعين عاما على رحيل كوكب الشرق أم كلثوم سيدة الغناء العربي، التي ما زالت رغم كل هذه السنوات التي تغيرت فيها حياة المصريين بعد ثورتين، تتربع على عرشه.


جون كولتران عازف الساكسفون العبقري 

 وكان فيلم «أم كلثوم صوت يشبه مصر» من انتاج عام 1996 أحد أهم الأفلام الوثائقية التي صنعت عن أم كلثوم يحتل قائمة ثلاثة أفلام أراد أن يعرضها هاشم في الدورة الأولى لمهرجان «جاز وأفلام» للموسيقى في السينما، من بينها فيلم للمخرج الالماني فيم فندرز وفيلم ثالث للمخرج الالماني من أصل تركي فاتح أكين.
وبعد أن شكر هاشم الأب وليم سيدهم، رئيس جمعية النهضة العلمية والثقافية التي رعت المهرجان، والاستاذ حسن شعراوي مدير نادي سينما الجيزويت، قدم للجمهور مخرجة الفيلم الامريكية ميشال غولدمان ومدير التصوير الفنان كمال عبد العزيز مصور الفيلم، اللذين حياهما الجمهور، وبدأ عرض فيلم «أم كلثوم صوت يشبه مصر»، الذي أعجب به وصفق له طويلا، وعبرعن حبه الكبير للفيلم ومخرجته ومصوره في الندوة التي أقيمت بعد العرض.





 

وبعد انتهاء الندوة تدافع الجمهور الذي عشق الفيلم لكي تلتقط له الصور مع ميشال وكمال عبد العزيز، وهنأوا صلاح هاشم بنجاح انطلاقة مهرجان «جاز وأفلام» السينمائي الوليد. المهرجان الذي أمتعهم بالفيلم الجميل العبقري عن أم كلثوم، وجعل الإبتسامة ببهجة الفرح ترتسم على وجوههم من جديد.
ودعت المخرجة الأمريكية ميشال المصريين في نهاية اللقاء أن لا يتحسروا على زمن أم كلثوم الجميل الذي مضى، بل أن يبدأوا ومن الآن صناعة ثقافة جديدة لمصر، تليق بماضيهم المجيد، وعندما ذكرت أنها في مصر حاليا لتصوير فيلم عن جمال عبد الناصر ودوما مع مدير التصوير كمال عبد العزيز، ضجت القاعة بالتصفيق، تحية تقدير لمسيرتها السينمائية الرائدة، ولحبها العميق لمصر.


ميشال غولدمان وكمال عبد العزيز

عن جريدة " القدس العربي " الصادرة من لندن بتاريخ 24 فبراير 2015

 

الاثنين، فبراير 23، 2015

السينما المصرية تتحدث عن نفسها، وأفكار ومقترحات خلاقة بقلم أ.ش.ع في مختارات " سينما إيزيس " .


 

السينما المصرية "تتحدث عن نفسها"
وأهمية طرح أفكار جديدة بشأن الأنشطة السينمائية
 
بقلم
أ ش أ

تتحدث السينما المصرية عن نفسها حاليا بقوة سواء في داخل مصر أو خارجها ويتجسد معنى القوة الناعمة كما يطرح مثقفون مصريون أفكارا جديدة لدعم الثقافة السينمائية.
وكان وزير الثقافة الدكتور جابر عصفور قد افتتح أمس الأول السبت الدورة الـ 18 للمهرجان القومي للسينما على المسرح الكبير للأوبرا بينما تألقت السينما المصرية في المغرب الشقيق بمشاركة زعيم السينما المصرية عادل إمام في المهرجان الدولي للفيلم بمراكش والحفاوة الكبيرة التي حظى بها من جانب الشعب المغربي الشقيق فيما منح جائزة النجمة الذهبية تكريما لمسيرته الفنية الثرية، كما شهدت القاهرة افتتاح مهرجان سينمائي آخر للأفلام القصيرة.

كبار نجوم السينما المصرية   جعلونا نفتخر بمصريتنا

كما تجلى معنى السينما كقوة ناعمة في قول الدكتور جابر عصفور أثناء افتتاحه المهرجان القومي للسينما : هناك دول كثيرة ثرية وتمتلك قدرات عالية لكننا كدولة نمتلك أكثر منهم كما وكيفا، والدليل على ذلك أسماء وصور كبار نجوم السينما المصرية الذين جعلونا نفتخر بأننا مصريون .. مؤكدا أن مصر ستبقى حاملة لشعلة التنوير، ولن تتخلى أبدا عن رسالتها الفنية.
وبينما قال عادل إمام ليلة تكريمه في مراكش إنها حقا من أسعد اللحظات في حياتي كان لثريا جبران وزيرة الثقافة المغربية السابقة أن تصفه بأنه أسطورة حية للسينما المصرية بشهادة العالم..أنه أمام السينما العربية بلا منازع .
ونوهت بأن هذا الفنان المصري العظيم مؤمن بالحياة والحرية والتفاؤل والتحدي في أحلك الظروف فيما كان الآلاف من المغاربة قد احتشدوا في ساحة جامع الفنا التاريخية بمراكش لمشاهدة فيلم زهايمر هاتفين باسم الفنان المصري العربي الكبير الذي لم يتمالك دموعه أمام شلالات الحب التي غمرته .
وكان فيلم الفيل الأزرق للنجم المصري كريم عبد العزيز قد عرض ضمن المسابقة الرسمية لمهرجان مراكش السينمائي الدولي، وبالتزامن مع افتتاح المهرجان القومي للسينما بالقاهرة كان مهرجان قرطاج السينمائي يختتم في دورته ال25 بتونس مانحا جائزته الأولى لفيلم عمر للمخرج الفلسطيني هاني أبو أسعد كأفضل فيلم في المسابقة الرسمية كما حصل هذا الفيلم على جائزة أفضل سيناريو.
وفي الوقت ذاته، كانت ضاحية مصر الجديدة القاهرية الأنيقة تشهد بسينما نورماندي افتتاح الدورة الرابعة لمهرجان كام السينمائي الدولي للأفلام القصيرة والتسجيلية والتي تستمر حتى يوم الخميس المقبل، وقال رئيس المهرجان المخرج علاء نصر إن هذه الدورة مهداه لروح المخرج العظيم سعيد مرزوق الذي رحل في شهر سبتمبر الماضي.ويشارك في هذه الدورة التي تعرضت لعراقيل كادت أن تتسبب في إلغائها 90 فيلما من نحو 27 دولة فيما اختيرت الصين كضيف شرف المهرجان الذي يقام هذا العام تحت شعار حورس..الرؤى .

  أفكارومقترحات
 
ومع كثافة المهرجانات والفعاليات السينمائية في تلك الأيام من نهاية العام بشتاء القاهرة قد يرى البعض عن حق أهمية طرح أفكار جديدة بشأن الأنشطة السينمائية في صيف عاصمة مصر المحروسة إلى جانب مهرجان الإسكندرية الدولي الذي يستضيفه الثغر السكندري صيف كل عام.
 ومن هذه الأفكار ما يمكن استعارتها من باريس مدينة النور التي تتحول ساحاتها في الصيف إلى شاشات تعرض روائع الأفلام في الهواء الطلق وتحت ضوء القمر على نحو لفت اهتمام المخرج والناقد السينمائي المصري صلاح هاشم وبصورة تثير مقارنات بين هنا وهناك. وتلك الأنشطة الصيفية التي تحول باريس اإلى شاشة لعرض الأفلام تتولى تنظيمها دار الأفلام الفرنسية السينماتيك الفرنسي ومحافظة باريس فيما يوضح صلاح هاشم أن الفيلم يعرض في ميدان ما بعد وضع عدد محدود من الكراسي داخل حديقة في الميدان وتجلس أغلبية الجمهور على العشب لمشاهدة الفيلم.
فهل يمكن للقاهرة أن تتحول في شهر أغسطس إلى شاشة كبيرة لعرض الأفلام للمصريين في الهواء الطلق بكل ما يعنيه ذلك من رفع للمستوى الثقافي ناهيك عن الترفيه الحميد ؟!.. وهل يأتي اليوم الذي تنصب فيه الشاشات الكبيرة بميادين القاهرة في ضوء القمر على غرار الشاشات التي تنصب في الشانزلزيه أو الكونكورد بالقرب من المسلة المصرية وبقية ميادين باريس ليتمتع البشر بروائع الفن السابع؟!.
يقول صلاح هاشم في طرح بمجلة الهلال : لما لا نجربها في بلادنا وتكون فرصة لنشاط جديد متميز للمركز القومي للسينما من خلال إقامة عروض ليلية مجانية للجمهور في الحدائق العامة في حر الصيف ؟! .. لافتا إلى أن هذه الفكرة تنطوي على إعادة اكتشاف روائع الأفلام المصرية القديمة العظيمة بالأبيض والأسود في أعمال صلاح أبو سيف ويوسف شاهين وتوفيق صالح وبركات وغيرهم والتذكير بإلحاح على الإنجازات العظيمة والملهمة للسينما المصرية. ولا ريب أن السينما المصرية تسعى جاهدة رغم معوقات عديدة لتقديم أعمال جيدة ووفية لتراث سينمائي عظيم فيما تتوالى الأجيال وتتواصل على نحو شكل شعارا للمهرجان القومي الحالي للسينما.

جوهر السينما

 وإذ كانت النجمة المصرية ليلى علوي من بين أبرز الحضور من نجوم السينما العربية والأفريقية في مهرجان قرطاج وضمت لجنة التحكيم لهذا المهرجان المكونة من ستة أعضاء الممثلة المصرية منة شلبي فقد تساءل عادل إمام بإعجاب في مراكش ما هذا الاختراع الرائع، السينما العظيمة التي دخلنا في أعماقها ومن خلالها أحببنا الخير وكرهنا الشر، رأينا الطباع الإنسانية الجميلة وألقينا وراء ظهورنا ؟! فإنه كان في الواقع يتحدث عن جوهر السينما أو الفن السابع .
ونوه إمام السينما العربية بأنه قادم من بلاد الفن فيها متأصل من أيام الفراعنة معيدا للأذهان أن السينما المصرية هى أم السينما العربية فيما يتجه مهرجان مراكش حثيثا لمنافسة أكبر مهرجانات السينما العالمية فيما كان الدكتور جابر عصفور يؤكد بدوره في القاهرة أن مصر بكل هذا الكم من إعلام الفن لا يمكن أن تهزم أمام قوى الظلام .
ولئن كانت النجمة الفرنسية ايزابيل ادجاني هى رئيسة لجنة التحكيم بمهرجان مراكش فإن المخرج المصري سمير سيف تولى رئاسة المهرجان القومي للسينما بالقاهرة الذي جاء تحت شعار من جيل لجيل نتواصل وأهدى لروح الفنانة صباح ويتنافس فيه 124 فيلما يمثل ختام المهرجانات السينمائية المصرية لهذا العام.
وبمناسبة مئوية المخرج السينمائي المصري العظيم صلاح أبو سيف عرض فيلم القادسية في افتتاح هذا المهرجان الذي يستمر حتى 12 ديسمبر الحالي وهو فيلم من إخراجه عن قصة للأديب المصري المنحدر من أصل يمني علي أحمد باكثير وحوار محفوظ عبد الرحمن وبطولة عزت العلاليلي و سندريلا السينما العربية الراحلة الباقية سعاد حسني .
وأعرب المخرج سمير سيف عن تفاؤله بمستقبل صناعة السينما المصرية .. منوها في هذا السياق بما لمسه من اهتمام الرئيس عبد الفتاح السيسي بدعم هذه الصناعة الثقافية المصرية الهامة فيما كان مثقفون مصريون قد شعروا بالارتياح حيال نتائج وجوائز مهرجان القاهرة السينمائي الأخير معتبرين أنها عبرت عن انتصار مصر للإبداع بغض النظر عن المواقف السياسية أو جنسيات الفائزين .

وكان الدكتور جابر عصفور قد أعرب عن سعادته بمغزى منح جائزة الهرم الذهبي لمهرجان القاهرة السينمائي في دورته ال36 للفيلم الإيراني ميلبورن وكذلك حصول خالد أبوالنجا على جائزة أفضل ممثل.
ولا جدال أن حرية الإبداع شرط لا غنى عنه لازدهار السينما المصرية التي تشكل أحد أهم عوامل القوة الناعمة لمصر ومن هنا فقد رحب العديد من المثقفين بحكم محكمة القضاء الإداري الذي قضى مؤخرا بوقف قرار بمنع عرض فيلم حلاوة روح بصرف النظر عن أي مآخذ على هذا الفيلم وهى مآخذ كثيرة وجوهرية.
وهكذا قال الدكتور وحيد عبد المجيد إن الفيلم رديء هابط المستوى يسيء إلى الفن لكنه ليس وحده فقد أدى التجريف الذي تعرضت له مصر على مدى عقود إلى تدهور في مختلف المجالات بما فيها صناعة السينما غير أنه لفت إلى أن اللجوء للحظر ليس الحل لأنه يكرس الأزمة بل يفاقمها فضلا عن أنه يرتبط عادة بتقييد الحريات بوجه عام فيما لم تعد مصر تتحمل المزيد من التقييد .
ورأى عبد المجيد أن أجواء الحرية كفيلة بأن تتفتح فيها زهور جديدة وإطلاق طاقات مبدعة كامنة وهذه الزهور الجديدة هى التي ستطرد الفن الرديء الهابط من السوق تدريجيا ولكن من خلال التنافس الحر في أجواء ينتصر فيها الإبداع على الإسفاف .
وبقدر ما كشف الجدل حول فيلم حلاوة روح الذي كان قد تقرر منع عرضه مؤقتا في سياق مواجهة موجة من الأفلام الهابطة عن انقسامات عميقة عبرت عنها طروحات وأراء في الصحف ووسائل الإعلام فإنه أثار أسئلة ثقافية عميقة وحالة استنفار بين كثير من المثقفين دفاعا عن الإبداع الحقيقي ورفضا للانهيار الأخلاقي.
من بين هذه الأسئلة كما يكشف عنها الجدل المستمر في الصحف ووسائل الإعلام هل هى أزمة سينما أم أزمة مجتمع وتردي الذوق العام أم أن هناك علاقة جدلية بين الأزمتين كما هى العلاقة المعروفة بين البنية الفوقية والبنية التحتية للمجتمع ؟!.. وهل تعبر موجة الأفلام المصرية الأخيرة حقا عن المجتمع المصري أم أنها تخرب دعائم هذا المجتمع بقدر ما تسيء لتاريخ وعراقة السينما المصرية ؟!.
وهل الأزمة ترجع في أحد جوانبها لخفة الموازين الثقافية للقائمين على صناعة السينما المصرية في راهن المرحلة أو الذين تصدروا هذا المشهد واعتبروا بنوع ظاهر من المن أنهم ينقذون صناعة السينما من الانهيار بإنتاج أفلام هابطة بالمعايير الإبداعية الفنية ولكنها تحقق إيرادات عبر إثارة الغرائز بالعري والعنف الجسدي واللفظي؟.
وإذا كانت الدعوات تصاعدت من جانب العديد من المثقفين المصريين لوضع حد لموجة الأفلام الهابطة وسط حالة من الحسرة الظاهرة على التراجع المخيف في نوعية ومستوى الأفلام المصرية بعدما اقتحم الهجامة محراب الفن فذلك لا يعني الحجر والمنع كما يحاول البعض أن يصور الأمر!.

تماما كما أن أحدا لا يريد أو يتمنى أن يخسر أي منتج أمواله في السينما وإلا فإن الإنتاج السينمائي لن تدور عجلته ولن تظهر المزيد من الأفلام وستتعرض شريحة في المجتمع المصري مرتبطة بصناعة السينما لأضرار مؤكدة .. لكن السؤال هل الربح يقترن دائما بالإسفاف وانحطاط الذوق أم أن الكثير من الأفلام الجيدة والحاملة لأفضل القيم حققت الكثير من الأرباح كما يشهد تاريخ السينما في مصر والعالم؟!.
ويقول الشاعر والكاتب فاروق جويدة حرية بلا مسئولية انفلات وفوضى..وإبداع بلا هدف أخلاقي مغامرة غير محسوبة النتائج وجريمة في حق الإنسان .
وكانت أستاذة الاجتماع الدكتورة سامية الساعاتي قد أشارت إلى أن البعض من الذين يقدمون هذه الأفلام الهابطة يدافعون عنها بكل قوة بحجة الإبداع فيما تساءلت : لماذا أدمر أخلاقيات شعب بالكامل في سبيل تحقيق إيرادات كبيرة ؟!.
وفي إشارته لفيلم حلاوة روح أشار جويدة إلى أن الفيلم الهابط سقطة من مئات السقطات ولكن هناك كيانا ثقافيا وفكريا وحضاريا تهدده الآن غابة من العشوائيات المتوحشة التي تقودها فصائل من تجار القبح وسماسرة العبث وأوشكت أن تقضي على تاريخ طويل من الفن والإبداع الجميل .
وذهب معلقون إلى أن الفيلم الذي أشعل الجدل الحالي بعد قرار وقف عرضه مؤقتا هو فيلم رديء منسوخ من فيلم إيطالي جيد لأن مشاهده الخارجة كانت موظفة في سياقها الدرامي وتعبر عن منظور ثقافي يخص أصحابه ولا يمت لنا في مصر بصلة كما اعتبر بعضهم أن قرار المنع أضفى على هذا الفيلم أهمية لا يستحقها فيما تبدو هذه الموجة من الأفلام أبعد ما تكون عن السينما المصرية في مسيرتها المديدة التي شهدت أفلاما صنفت ضمن الأفلام العالمية.
والسينما المصرية قدمت في عصرها الذهبي نجوما مازال العالم يتذكر إبداعهم الفني وحضورهم الطاغي بل أن أحدهم وهو عمر الشريف البالغ من العمر الآن نحو 83 عاما ترك بصمة لا تمحى في الثقافة الغربية وداخل هوليوود على حد تعبير مارلون براندو عراب السينما الأمريكية الراحل وأحد أعظم ممثلي القرن العشرين أما المخرج الأيرلندي جيم شيريدان فقد اعتبر أن عمر الشريف يبقى بلا جدال أهم نجم سينمائي قدمه العالم العربي للدنيا كلها .
السينما المصرية - كما تقول ذاكرتها الموثقة - حققت منذ ثلاثينيات القرن العشرين مكانة فنية وثقافية بارزة لمصر في محيطها العربي والإقليمي والقاري بل أن الفيلم المصري كان موضع ترحيب في دور العرض السينمائي بدول مثل فرنسا واليونان وإيطاليا وبريطانيا والنمسا وألمانيا وسويسرا وحتى البرازيل.
والمشهد السينمائي المصري الراهن يستعيد عافيته بعد أن بدا شاحبا حتى قياسا على أفلام تقدمها دول عربية آخرى بينما بدت تيمة البلطجي والراقصة والمطرب الشعبي التي تشكل قوام موجة الأفلام الهابطة ظالمة لإبداعات وأفكار وخبرات السينمائيين المصريين وخاصة الجيل الشاب في صناعة كانت يوما ما من أهم مصادر الدخل القومي للبلاد ويقدر عدد العاملين حاليا في هذه الصناعة بنحو 300 ألف شخص.

وبعد أن كان متوسط الإنتاج السنوي يزيد على 40 فيلما في سنوات ماضية لم يتجاوز عدد الأفلام التي أنتجت عام 2013 ال15 فيلما والكثير منها ينتمي لما يعرف بالأفلام الهابطة بينما شكلت الأفلام التي تنتمي لما يعرف بالسينما المستقلة وتنتج بميزانيات محدودة نوعا من الرد الإبداعي البناء على تلك الموجة من الأفلام التجارية الهابطة.
وبين يناير 2011 ويونيو 2013 تأثرت السينما المصرية كثيرا بحالة الفوضى التي اصطنعها البعض وإهدار الفرص للنمو الاقتصادي بشعارات تعبر عن حالة زاعقة للمراهقة الثورية والانتهازية الإخوانية فيما تتحرك السينما المصرية حثيثا منذ ثورة 30 يونيو لاستعادة عافيتها وفاء لتاريخ مديد وعظيم.
فالفن لا يجوز اختزاله في راقصة ذات عبث مسعور..وتاريخ السينما المصرية لا يجوز تقديمه على طبق من ذهب للرقص العاري وزهزهة الساقين والوجه الهماز اللماز وكل صنوف الكذب ونزق المال المستوطن في العيون الشبقة لمزيد من أوراق البنكنوت مع كل فيلم هابط !.
السينما المصرية الآن يمكن بالفعل أن تقدم إجابة ثقافية إبداعية لتحديات جسيمة في الواقع وتعيد الاعتبار لسينما تحمل اسم مصر وثقافتها وقيمها وإبداعها..فالمجد للإبداع رغم انطباق الليل أحيانا وسطوة الجهل في بعض الأحيان!...مهما طال الدرب لابد من مجيء الفرح ببرق إبداع مشتعل!.

عن - بوابة الفجربقلم أ.ش.ع وبتاريخ 8 اغسطس 2014