الثلاثاء، أبريل 03، 2007

فيلم " حكاية بحرينية ".. بقلم عماد النويري

عماد النويري

فى ( حكاية بحرينية ) انعكاسات
هزيمة
واصداء من السبعينات


الوطن على شكل امراة ومنيرة تكمل مشوار الامل
موسيقى معبرة ولقطات مجانية ومرحلة نضوج


--------------------------------
عرض وتحليل عماد النويرى


هزيمة 67 المخففة عسكريا وسياسيا ولفظيا ولغويا باسم ( النكسة ) كانت لها انعكاساتها وأصدائها في المسرح والسينما كما في الرواية والفن التشكيلي . وكعادة الأحداث المفصلية في تاريخ الأمم تتابعت الأعمال ( النكسوية ) منذ اليوم التالي للهزيمة وحتى هذه اللحظة . ولاعجب في ذلك فحرب طروادة مازالت تصنع عنها الأفلام والحربان العالميتان الأولى والثانية مازالتا منبعا خصبا للمعالجات المرئية
في كل مكان، وكان آخرها فيلم ( رايات آباءنا ) لكلينت ايستوود وانتحار هتلر مازال حدثا ملهما للكثير من الباحثين والسينمائيين ولعلنا نذكر الفيلم الهام الذى قدم العام الماضي تحت عنوان ( السقوط ) .
هزيمة 67 تم التعامل معها بأكثر من طريقة فبعض المحاولات الدرامية السينمائية والتلفزيونية العربية اعتبرت ان سبب الهزيمة هو وجود حاشية فاسدة بجانب رئيس صالح والبعض الآخر ارجع الهزيمة الى وجود رئيس ديكتاتور وبجانبه مؤسسات دولةصالحة ولكن غير فاعلة . اما البعض الثالث فقد ارجع هذه الهزيمة الى نظرية المؤامرة باعتبار ان مصروالبلاد العربية على مدى التاريخ هى بلاد مستهدفةومحط أطماع دائمة بالنسبة للغرب الاستعماري . ولم تقتصر التفسيرات على إرجاع أسباب النكسة الى عوامل سياسية أو عسكرية اوتامرية فقط وانما صدرت بعض التفسيرات الشعرية على لسان الشاعر الكبير عبد الرحمن الابنودى حيث قال ان سبب النكسة هو ان بلدنا كانت واقفة على ( الترعة ) بتغسل شعرها وجاها ( يعنى جاءها ) نهار مقدرش يدفع مهرها . ولعل تجسيد الوطن على شكل امرأة لم يكن غريبا على أدبيات الشعر والرواية والسينما في بلاد العرب وانما برز هذا التجسيد بعد الهزيمة وتعرفنا على ( بهية ) يوسف شاهين بنفس القدر وبموازاة التعرف على ( ام حسن ) التى تمنى لها احمد عدوية السلامة من العين والحسد .ووسط كل هذه الانعكاسات والأصداء كان يتردد ذلك القول الذهبي المقنع بان كل هزيمة عسكرية تسبقها هزيمة مثقفين ويعنى ذلك انه عندما يعجز المثقف عن تحمل مسئوليته وعندما يترك موقعه ويتنازل عنه للمهرجين والمطبلين فأنها تكون بداية الهزيمة بالنسبة للعسكر
. وليس موضوعنا علاقة المثقف بالسلطة وانما هى مقدمة مطلوبة للاقتراب من فيلم ( حكاية بحرينية ) للمخرج بسام الذوادى .والذى قدم عام 1990 فيلم ( الحاجز ) كأول فيلم روائي بحريني طويل أعقبه بفيلم ( زائر ) عام 2003 .

احلام وهزائم

من خلال العلاقات والصراعات الموجودة بين أفراد أسرة بحرينية تعيش خلال فترة ماقبل هزيمة 67 ومابعدها تدور أحداث الحكاية ولاتقتصر العلاقات والصراعات مابين افرد الآسرة فقط وانما تنعكس وتتداخل هذه العلاقات والصراعات على المحيط الخارجي المتمثل في المجتمع الصغير في مدينة المحرق والمجتمع الكبير المتمثل في الوطن العربي الكبير . رب الآسرة هو نموذج متداول وفى جانب كبير منه للأب العربي المتزمت والسلطوي والمقهور والمقيد بحزمة فولاذية من الأفكار والعادات والتقاليد . هو لا يتوانى عن تزويج ابنته دون اعتبار لرأيها ومشاعرها وهو جاهز في آي لحظة للممارسة ظلمه وقسوته على آي بنت بناته وهو مستعد في آي لحظة لتكسير عظام ابنه الصغير بحجة تعليمه أصول الأخلاق والأدب وهو في النهاية يحمل في شخصيته الأسباب والمبررات آلتي تدفع في اتجاه الهزيمة على المستوى الشخصي وعلى مستوى الوطن . في البداية يفقد هذا الأب ابنته الكبرى عندما تشعل النار في جسدها هربا من حياة فرضت عليها مع زوج لاتحبة أرغمها أبوها على الزواج منه وفى المرة الثانية يفقد هذا الأب ابنته من زوجته الثانية لطيفة عندما تهرب لتتزوج بمن تحب . ويهرب الابن الصغير الصبي ذو الاثنى عشر عاما ليقضى لحظات بريئة يصاحب فيها أسراب الحمام لعلها تساعده على التحرر والانعتاق من قيود الأب وقيود المجتمع . وتبقى ( لطيفة ) الام كنموذج للمرأة العربية القوية التى تربت على أغنيات الوحدة وأحلام النصر . وعلى جانب اخر سنتلقى في الحكاية بالمثقف حمد حبيب فاطمة الذى عانى على المستوى الشخصي وعلى المستوى الثقافي من كل الهزائم : هزيمته في الحب عندما خاب امله في الارتباط بفاطمة وهزيمته كمثقف عندما فشل في إحداث اى تغيير ثم هزيمته الكبرى عندما فقد حبيبته للابد . وتوجت كل هذه الهزائم بهزيمة الوطن عام 1967 . لكن تكمل منيرة الابنة الصغرى مشوار الأمل وتقرر ان تتحدى قوانين البيت العتيقة وتهرب مع من تحب تاركة وراءها كل الهزائم وكل الأحلام المكسورة .

شعارات وهموم


الفيلم ( السيناريو ) غنى بالتفاصيل وغنى أيضا بالتعبير ويمكن قراءة الأحداث والشخصيات والرسائل على اكثر من مستوى ويعنى ذلك أننا بصدد سيناريو وبصدد فيلم متعدد القراءات . قراءة تقول ان القصة كلها قصة عادية تدور منذ الأزل في المجتمعات العربية من المحيط الى الخليج عن الأب القاسي والابنة التى ترغب في الزواج من حبيب القلب وقصة الحب الفاشلة التى تنتهي بزواج الابنة من رجل لاتحبه . وقراءة تقول ان لطيفة في الفيلم تمثل الوطن وان هزيمة المثقف حمد كانت البداية لهزيمة العسكر وان خروج منيرة في نهاية الفيلم هو رفض لجيل كامل لما حدث ورغبة حقيقية عند المرآة العربية لتجاوز سجنها . وقراءة ثالثة تقول ان هزيمة 67 كان الجميع مشاركا فيها بشكل او باخر . وان الهزيمة لم تكن في واقع الآمر في ارض المعركة وانما كانت موجودة منذ وقت كبير في ارض البيت حيث رب الآسرة الديكتاتور الذى أضاع كل طرق الحوار مع أفراد أسرته والذى مارس عليهم كل أساليب القمع ليخلق منهم كائنات عاجزة مسلوبة الإرادة خائفة ومحبطة . وهناك قراءة رابعة تقول ان الفيلم يوجه إدانة لكل المثقفين على شاكلة حمد الذين غرقوا في همومهم الخاصة وانشغلوا بالشعارات ولم يحسموا موقعهم في معركة التغيير وكان لهم ان يمهدوا بسلبيتهم وترددهم للهزيمة . يؤكد الفيلم هنا مقولة ان هزيمة العسكر تسبقها هزيمة المثقفين .وبين القراءات لم يغفل
الفيلم ( السيناريو ) اذن عامر بالقراءات ولم يقلل ذلك ابدا من وجود قصة بحرينية من عمق المجتمع البحريني يمكن متابعة خيوطها بشغف وحب ويمكن التعاطف مع الكثير من شخوصها ويمكن التعامل مع الكثير من رسائلها واشاراتها .

ايقاع الحياة


في الفيلم ( الفن ) يمكن الحديث عن محطات التميز فهناك إبداعات على المستوى التمثيلي تجسدت في الأداء الراقي لمريم زيمان ومبارك خميس وجمعان الرويعى وفاطمة عبد الرحيم ويمكن التوقف عند الموسيقى التصويرية المعبرة والمؤثرة التىالفها خصيصا للفيلم محمد الحداد . كانت هناك بعض اللقطات القريبة المجانية والتى جاءت دون ضرورة درامية واضحة والمصور لم يبذل الجهد الكافي في تحريك الكاميرا في اغلب المشاهد لكن يمكن تبرير ذلك بان طبيعة الأحداث الساكنة في النصف الأول من الفيلم مع الوضع في الاعتبار إيقاع الحياة في مكان الأحداث وحالة السكون التى كانت تلف المكان والزمان والشخصيات مع كل هذه الأسباب يمكن التراجع عن اتهام الفيلم ببطء الإيقاع وبجمود حركة الكاميرا في اغلب المشاهد . ومايحسب للمخرج هو قدرته على التحكم في مفردات لغته السينمائية وفهمه الكبير لطبيعة الحكاية وبعده عن الاستعراض . في هذا الفيلم يمكن القول ان بسام الذوادى قد وصل الى مرحلة النضوج ومجازفته باختيار سيناريو فريد رمضان انما يأتي من باب زاوية وعى تقول ان المخرج السينمائي من المهم ان يكون على تماس بواقع مجتمعه وبتاريخ أمته ومن المهم أيضا وهو يقدم المتعة والتسلية علية ان يدفع المتفرج للتفكير والتأمل .

دور مهم


فى ( حكاية بحرينية ) اطلالة على كل الحكايات العربية التى سبقت تاريخ الهزيمة وكانت مقدمة لها وفى الحكاية بقايا شجن متجذر لعصر عبد الحليم وام كلثوم وفى الحكاية ايضا شجاعة وجراة فى الطرح واصابع تشير بلاخوف الى الجرح . واخيرا ( حكاية بحرينية ) هو انطلاقة مهمة فى تاريخ السينما الروائية الخليجية التى تقدم الواقع دون تجميل وترغب فى ممارسة دور مهم فى تسجيل الواقع الاجتماعى والسياسى لابناء هذة المنطقة كى يعرف الابناء بشكل افضل كيف ساهم الاباء فى صناعة تاريخ هذة الامة . تاريخ الهزيمة وتاريخ الحزن الجميل .

ليست هناك تعليقات: