الثلاثاء، يونيو 06، 2006

امير العمري يكتب عن فيلم حليم

امير العمري

لقطة من فيلم حليم لشريف عرفة


لقطة من فيلم قديم بطولة عبدالحليم وايمان وعبد السلام النابلسي




مهرجان " كان " 59 ". فرنسا. كتب أمير العمري

العروض السينمائية في كان ليست مجرد عروض للإطلاع على ما وصل إليه الإبداع في هذا اللون من الفنون في العالم.
هذا الهدف حقيقي وقائم ويعتبر أيضا ركنا أساسيا في هذا "المعرض" الكبير لفنون السينما. وليس غريبا أن يكون أول مهرجان مخصص للسينما في العالم وهو مهرجان فينيسيا الذي تأسس عام 1932 قد أطلق عليه "موسترا" أو المعرض.
فهناك أيضا العروض التي تتم في نطاق السوق الدولية للأفلام حيث يعرض المنتجون مئات الأفلام الجديدة على الموزعين والمشترين.
هذا العام جاء المنتج عماد الدين أديب الذي اقتحم أخيرا عالم الإنتاج السينمائي عن طريق شركته الخاصة "جود نيوز"، بالفيلمين اللذين أنتجتهما الشركة حتى الآن واعتبرا أكثر الأفلام تكلفة في تاريخ صناعة السينما في مصر.
الفيلمان هما "عمارة يعقوبيان" للمخرج الشاب مروان حامد عن رواية علاء الأسواني الشهيرة، و"حليم" الذي أخرجه شريف عرفة وقام بدور البطولة فيه أو كان مفروضا أن يلعب بطولته بالكامل الممثل الراحل أحمد زكي الذي شاءت الأقدار أن يلقى ربه قبل الانتهاء من تصوير الفيلم.
وكان أحمد زكي قد أصيب بسرطان الرئة قبيل وفاته في 27 مارس/ أذار عام 2005، وانتهت حياته مبكرا شأنه في هذا شأن المطرب الشهير عبد الحليم حافظ الذي رحل عام 1977 عن 48 عاما.
وكان عبد الحليم - الذي أصبح خلال سنوات معدودة من ظهوره كمطرب في أوائل الخمسينيات أسطورة - قد اصيب مبكرا بمرض في الكبد نتيجة إصابة قديمة في الطفولة بمرض البلهارسيا.
قصة حياة عبد الحليم أو "حليم" كتبت ونشرت في عشرات المطبوعات والكتب والكتيبات بل وظهرت أيضا في أعمال للإذاعة، كما تضمنت أجزاء منها بعض الأفلام التي قام ببطولتها حليم نفسه.
وكان حليم قد نشأ يتيما في قرية الحلوات في محافظة الشرقية، وتولى تربيته عمه لفترة قبل أن يلحق بملجأ.
ولكن حليم درس وتعلم واستطاع أن يلتحق بمعهد الموسيقى وأن يتخصص في العزف على الأوبوا الغربية التي تستخدم في الاوركسترا السيمفوني.
إلا أنه كان موهوبا في الغناء، فنجح في الالتحاق بالاذاعة، وغنى نغمات جديدة من تلحين صديقيه وزميليه محمد الموجي وكمال الطويل سرعان ما اشتهرت وجعلته من المشاهير.
ولا شك أن حليم صعد كثيرا بعد ثورة 23 يوليو في مصر، وأصبح عن حق "مطرب الثورة".
أما فيلم "حليم" فهو يحاول مجددا أن يروي قصة حياة المطرب الأسطوري عبد الحليم حافظ، من خلال ميلودراما مباشرة عن سيناريو لمحفوظ عبد الرحمن.
والفيلم يقوم على حيلة درامية- نعتبرها حسب مفهومنا الخاص في السينما - من أكثر الحيل الدرامية ضررا في السينما.
هذه الحيلة تتلخص في جعل محور الفيلم حوار إذاعي يجريه مذيع يدعى رمزي مع المطرب الشهير في مرحلة متأخرة من حياته أي قبيل أن يودع الحياة. مذيع يحاور ويشرح ويروي ويتدخل ويوجه ويذكر المطرب بمحطات في حياته ومواقف كثيرة له، بل واتهامات عديدة وجهت إليه.
أي أننا نتلقى الفيلم عمليا، من خلال الحكي والشرح والحوار، في حين تحاول الصورة تقيدم بعض "الترجمة" لبعض الأحداث مع التركيز بشكل رئيسي على الأغاني والأفلام.
هذا الشكل القائم على الحوار المكتوب بحيث يكشف عن محاور أساسية ونقاط، يرى صناع الفيلم أنها محورية في حياة عبد الحليم، قد يكون أقرب إلى مسلسلات الإذاعة أو التليفزيون، غير أنه يصبح في السينما مدعاة للشعور بالملل بل والافتعال. قوالب مصطنعة
ويبدأ الفيلم بداية لا توحي بأننا سنشاهد فيلما جادا. فنحن نرى عددا من الشخصيات - سواء كانت معروفة أو غير معروفة- تتحدث باقتضاب وفي قوالب مصطنعة عن عبد الحليم.
وكأننا أمام مقدمة برنامج تليفزيوني من برامج المنوعات. والحقيقة أن أسلوب تصوير الفيلم: حركة الكاميرا الدائرية من زوايا مضطربة، والإضاءة المباشرة، تجعل الفيلم يبدو مثل الأغاني المصورة للعرض في التليفزيون والفيديو أي ما يعرف خطأ بـ "الفيديو كليب".
لقد كان أحمد زكي حقا يرغب في القيام بدور عبد الحليم، بعد أن أدى شخصيتي الرئيسين المصريين أنور السادات وجمال عبد الناصر.
فقد كان يعتقد أن القدرة على محاكاة شخصيات شهيرة إلى حد التقمص، هو نوع من التحدي بالنسبة للممثل. وهذا شأنه بالطبع. أحمد زكي في دور حليم
غير أن الحقيقة تظل أن أحمد زكي لم يكن يستطيع محاكاة شخصية عبد الحليم حافظ التي ارتبطت في ذهن الجمهور بالرقة المغالى فيها أحيانا، خصوصا في أحاديثه ومقابلاته عبر الأثير أو شاشة التليفزيون.
وكان أهم ما يميز عبد الحليم هو صوته الرقيق المتلون الذي يمكنه التعبير من خلاله عن كل انفعالاته.
كانت هناك ولا شك درجة من درجات التصنع، وهو ما يرصده الفيلم، الذي يصور كيف كان حليم يصر على أن يقدم للناس الصورة التي يريدونها عنه، وليست صورته الحقيقية.
إلا أن أحمد زكي الذي خذله تدهور صحته في أيامه الأخيرة اثناء فترات التصوير الشاق على مراحل عبر المرض، لم يكن لديه صوت قادر على الأداء فكان يكافح لإخراج صوته، وهو ما يتضح في الفيلم بشكل يثير الشفقة حقا.
ويتحمل منتج ومخرج الفيلم مسؤولية النتيجة السيئة للتجربة بشكل عام. الاعتداء على التراث
ولعل ما أنقذ الفيلم بشكل ما، الاستعانة بابن أحمد زكي "هيثم" للقيام بدور عبد الحليم في معظم مشاهد الفيلم باستثناء المشاهد القليلة التي أداها أحمد زكي للمطرب في حفل قارئة الفنجان الذي انفعل فيه على جمهوره، وفي كل مشاهد الحديث الاذاعي الطويل الممتد عبر الفيلم.
لكن المخرج لجأ إلى طريقة خاصة غير مألوفة في الاستعانة بالتراث الغنائي المصور من أفلام عبد الحليم حافظ الشهيرة.
فبدلا من إعادة تصوير ما يناسبه من أغاني تلك الأفلام، حافظ على الأغاني الأصلية في الأفلام القديمة وعلى الوجوه النسائية مثل شادية وغيرها، لكنه استبدل - عن طريق التكنولوجيا الرقمية- صورة عبد الحليم بصورة هيثم أحمد زكي.
ويعد هذا العمل في العرف السينمائي العالمي اعتداء فظا على التراث السينمائي المصور حتى لو كانت الشركة المنتجة قد حصلت على حق الاستغلال التجاري لأفلام عبد الحليم على هذا النحو الذي لا يقره أي عرف من الأعراف.
ومن الناحية الفنية فشلت الفكرة تماما، فلا الجمهور شعر بمصداقية هذا اللون من التحايل، ولا الممثل الجديد تمكن من محاكاة حليم في أدائه الشهير في تلك الأفلام. شخصيات نمطية
ومن ناحية أخرى، يعالج الفيلم كثيرا من الشخصيات التي لعبت دورا رئيسيا في حياة بطله، بطريقة كاريكاتورية نمطية ساخرة، مثل شخصية الموسيقار محمد عبد الوهاب.
هنا نرى عبد الوهاب بخيلا يهرب من توقيع شيك لنفقات علاج شريكه في الانتاج الفني عبد الحليم، يؤثر دائما السلامة، لا يستطيع اسداء النصح كلما لجأ حليم لاستشارته، وسطي يفضل إمساك العصا من منتصفها.
ويتوقف الفيلم طويلا أمام العلاقة بين عبد الحليم وحكومة 23 يوليو، وعلاقته بالعسكريين، ويقول إن حليم كان على نحو ما - صنيعة ضباط السلطة، في حين أن موهبة حليم هي التي فرضت نفسها على الجمهور بقوة ربما حتى يومنا هذا وبعد نحو 30 عاما على وفاته، ولم تكن أي سلطة تستطيع فرض مطرب غير موهوب على الناس. الأغاني الحماسية
ويخصص الفيلم مساحة زمنية لمرحلة الأغاني السياسية الحماسية التي كان يكتبها صلاح جاهين ويلحنها كمال الطويل ويغنيها حليم، عاما بعد عام في أعياد ثورة يوليو.
ويحاكم الفيلم حليم - من خلال الحديث الصحفي الدخيل في الفيلم- ويحمله مسؤولية تضليل الجمهور، بل ويجعله يغني من ناحية "ياأهلا بالمعارك" وغيرها من الأغاني الحماسية، في حين نرى لقطات تسجيلية لجولدا مائير والإذاعة الاسرائيلية تعلن تدمير المطارات المصرية ولقطات للأسرى المصريين في سيناء.. وغير ذلك.
ويتوقف الفيلم أمام هذه اللقطات بإصرار وبتخصيص مساحة كبيرة لها، يجعل عبد الحليم حافظ مسؤولا عن هزيمة 67، وهو استنتاج تؤدي إليه العلاقة الذهنية بين اللقطات، وهو مقصود من جانب صناع الفيلم، وإن كان يبدو مضحكا في السياق التاريخي الصحيح.
ويخصص الفيلم أيضا حيزا كبيرا لعلاقات حليم العاطفية مع فتاة من أسرة ثرية أراد أن يتزوجها لكن والدها رفضه وأهانه، ثم مع سعاد حسني التي ترددت في قبول الزواج منه، وتحولت علاقتهما إلى صداقة، وايضا مع فتاة تبناها وأنفق عليها واعتقدت هي أنه يحبها وكادت أن تفقد حياتها بعد أن حاولت الانتحار بعد أن رفض الزواج منها.
والغريب أنك لا تعرف ما إذا كان المبدأ الاساسي في السينما أي مبدأ الاقتصاد في السرد، لأنك ستفاجأ بأن الفيلم مصنوع بطريقة المسلسلات، دون أدني إحساس بالزمن. ويصل توقيت عرض الفيلم إلى ساعتين ونصف الساعة، ويمتلئ بكل أنواع الأغاني التي غناها حليم.
إلا أن المتفرج يخرج في نهاية الفيلم وهو يتساءل: لماذا أصر الراحل أحمد زكي على القيام بدور يتناقض تماما مع مظهره الخارجي ومع سنه وصوته وشخصيته. فمهما حاول، فحليم الأصل يظل أبقى وأقوى من تلك الصورة الباهتة التي انتهى إليها فيلمنا هذا.
وربما يظل أفضل ما أنتج عن حياة عبد الحليم حافظ من أفلام فيلم "حكاية حب" الذي قام ببطولته عبد الحليم حافظ نفسه
انظر مقال حليم في موقع البي بي سي اربيك
اعلن معنا في سينما ايزيس

ليست هناك تعليقات: