الأربعاء، نوفمبر 14، 2007

سينما الشباب المصرية في مونبلييه 29 بقلم صلاح هاشم

المخرج المصري الشاب مروان حامد .عمارة يعقوبيان


المخرجة الشابة هبة يسري. عشق آخر


لقطة من فيلم " أحمر وأزرق" للمخرج الشاب محمود سليمان




لقطة من فيلم " فلوس ميتة " للمخرج الشاب رامي عبد الجبار

سينما الشباب المصرية تخطف الأضواء
في مهرجان «مونبلييه" السينمائي
بقلم صلاح هاشم

علي غير العادة كان الحضور السينمائي العربي في مهرجان مونبلييه للسينما المتوسطية في الفترة من 6 2اكتوبر الي الرابع من نوفمبر2007 قويا ومتميزا، وعكس من خلال الافلام العربية التي شاركت في اقسام المهرجان هموم ومشاكل وتناقضات مجتمعاتنا العربية، ان في مصر او لبنان او الجزائر الخ، وكانت الافلام التي اشتملت عليها قائمة الاختيار الرسمي أكثر من 200 فيلم جديد من جميع الانواع، قد قدمت بالفعل بانوراما لاتجاهات السينما الجديدة التي تشهدها البلدان المتوسطية، لكسر احتكار وهيمنة السينما الامريكية علي المشهد السينمائي المتوسطي، وسلطت الضوء علي المواهب السينمائية المبدعة الجديدة..بل لقد اعتبر الناقد الصحفي جان فرانسوا بروغو مدير المهرجان ان الحضور السينمائي العربي المصري، الممثل بمشاركة المخرج المصري الشاب مروان حامد مخرج عمارة يعقوبيان في لجنة تحكيم المهرجان الرسمية، ومشاركة ناقد سينمائي مصري في لجنة تحكيم النقاد في الدورة 29- كاتب هذه السطور- هو بمثابة تكريم وتحية وتقدير من المهرجان للسينما المصرية الجديدة، وكان كما قال لي قد فقد الامل في قيام ونهوض السينما المصرية في السنوات الأخيرة من كبوتها، وبخاصة بعد مشاهدته لافلامها الرثة التافهة الفكاهية الضحلة العقيمة التي تدعو الي الرثاء، ولا تقدم صورة تشبه مصر التي يعرفها ويحبها ويعشق أهلها، مثلنا جميعا ، وتوهج الحياة في تلك البلاد

يعقوبيان وعودة الروح

وكان جان فرانسوا يتعجب كيف تقطع تلك أفلام صلتها بالتقاليد والإضافات السينمائية الرائعة التي حققتها السينما المصرية في أعمال توفيق صالح ويوسف شاهين وصلاح ابوسيف، والاخير بعتبره جان فرانسوا جان رينوار السينما المصرية، أي ان صاحب السقا مات ، أحسن مخرج أنجبته، وتنفصل عن ذلك التمايز الذي حققته سينما السبعينات علي سكة الواقعية الجديدة ، في افلام عاطف الطيب وخيري بشارة ومحمد خان وداود عبد السيد،وتجهل او تتنكر لتاريخها، وتاريخ السينما المصرية..؟ ولم يجد جان فرانسوا من ضمن اعمال السينما المصرية الجديدة بطبيعة الحال ما يستحق ان يعرض في مهرجان مونبلييه للسينمات المتوسطية منذ زمن، أو يشارك في مسابقة المهرجان التي تدخلها دول متقدمة في السينما مثل فرنسا وايطاليا وأسبانيا، أو رومانيا التي يعود للمهرجان فضل اكتشاف مواهبها السينمائية الجديدة..حيث كان المخرج الروماني كريستيان مونجو كما هو معروف، عرض افلامه الروائية القصيرة الاولي في مهرجان مونبلييه للسينما المتوسطية، كما عرض فيه أيضا فيلمه الروائي الاول، قبل ان يقفز مرة واحدة قفزة عملاقة ويشارك بفيلمه الروائي الثاني في مهرجان كان ، اكبر وأشهر مهرجان سينمائي علي ظهر البسيطة، ويخطف بفيلمه 4 شهور و3 اسابيع ويومان سعفة كان الذهبية لأحسن فيلم، ويحقق للموجة الرومانية الجديدة شهرتها في العالم، بل ويضع بلده رومانيا علي الخريطة من جديد ، بعد زوال دولة شاوشيسكو الديكتاتورية. وكان جان فرانسوا يتساءل تري متي وأين ستحقق مصر قفزة من هذا النوع ؟.. الي أن شاهد فيلم عمارة يعقوبيان لمروان حامد فاندهش وذهل. فجأة نورت السينما المصرية من جديد في الفيلم ، بموهبة سينمائي مصري شاب مبدع، وذكرته بأفلام السينما المصرية الواقعية الأصيلة، ودعك من تصنيف الفيلم. وجد -كما يقول لي علي لسانه- أن عمارة يعقوبيان فيلم ممتاز.. حبكة وتطويرا وإخراجا واداء وتمثيلا، ومن جميع النواحي، وأعجب جدا بتمثيل عادل امام وقال لي انه ممثل عبقري، و كان ان طلب علي الفور ان يلتقي بمخرج الفيلم ، وهو يظن انه سوف يلتقي برجل ناضج كبير متقدم في السن، فاذا به في حضرة ذلك الشاب الأسمر الجميل الطويل النحيف، بلون تربة مصر الطيبة، الذي يبدو كما لو كان تلميذا في الثانوية العامة و مجتهدا جدا في مذاكرته ودروسه،لكن دماغه كلها سينما. وعرض عليه ان يشارك في لجنة تحكيم المهرجان في الدورة 9 لتكريمه، وتكريم شباب السينما المصرية الجديدة في شخصه، تحية له علي فيلمه الأصيل، وكنت شاهدت مجموعة كبيرة من أفلام شباب السينما المصرية الجديدة في مهرجان ساقية الصاوي في فبراير الماضي اثناء مشاركتي مع المخرج داود عبد السيد والممثلة الفنانة آثار الحكيم ود. خالد عبد الجليل في لجنة تحكيم المهرجان
السينما في مصر عشق آخر
وقد تحققت من مشاهدة هذه الأفلام أن "جمرة " نار الإبداع والخلق السينمائيين في بلدنا مصر بخير، ومازالت حية ، بل ومتوهجة ومتوثبة في أعمال العديد من المخرجين المشاركين بأفلامهم الجميلة البريئة الأصيلة، بل الناضجة جدا والرصينة احيانا في المهرجان، وفرحت جدا بهم وبأفلامهم بعد أن شاهدت عشق آخر لهبة يسري، و صباح الفل لشريف البنداري ، و نهار وليل لاسلام العزازي، و رقم قومي لمحمد محسن ، و فلوس ميتة لرامي كريم عبد الجبار، وجوون لزكي النجار، و كنجية ليل لأحمد عويس، و قاهرة لعمرو وشاحي ،و طرح الصبار لسامح الشوادي، و زيارة لعز الدين سعيد، و مش زي الباقيين لأمير رمسيس، ، و آخر ليلة لمحمود البسطامي وغيرهم، وتأكدت ان الخبز سيأتي لا محالة من مصر ، بل وسيكون طازجا وساخنا وخارجا لتوه من فرن بلدي في قلعة الكبش، تسبقه رائحة أهلي الطيبين وألفتهم في السيدة، ويدعوك فورا لالتهامه مع صينية سمك خارجة من الفرن ملهلبة ، ولن يكون خبزا كمال قال لي داود عبد السيد، بل فطيرا وكعكا بالسمن البلدي والقشدة والعسل والمكسرات. وكانت مفاجأة لي أن يحط مجموعة من هؤلاء المخرجين الشباب في مهرجان مونبلييه ويحضروا بأفلامهم في مسابقة الافلام الروائية القصيرة او في البانوراما أو في مسابقة السيناريو، معلنين عن ذلك الحضور السينمائي المصري الجديد البرعم الغض الوليد- الي جانب مروان حامد- وأن يعجب جمهور مهرجان مونبلييه للسينما المتوسطية بأفلامهم ويصفق لها، ويقبل مهنئا علي أصحابها ، كاعتراف منه بموهبتهم، وبعضهم لم يتجاوز سنه الثلاثة والعشرين ربيعا، مثل هبة يسري مواليد 1984 التي اخرجت وحتي الآن 3 أفلام قصيرة، التي حضرت بفيلمها العذب الجميل عشق آخر الذي عرض في بانوراما الافلام الروائية القصيرة في المهرجان، وتحكي فيه عن عشق السينما ، ذلك العشق الذي لم ترض عنه بديلا، علي الرغم من قسوة الأهل، ومعارضتهم علي دراستها للسينما، وكل اشكال العنف والقهر والضغوطات التي مورست عليها .وكان الفيلم - رمزا لانتصار الارادة، و تحية الي السينما التي أصبحت عشقا آخر في حياتنا، وقطعة من دمنا ولحمنا في مصر- وكان الفيلم حصل علي جائزة الجمهور في مهرجان ساقية الصاوي،في حين كانت هبة ، بجسمها الضئيل النحيل، تتنقل في ساحة المهرجان مثل عصفور صغير ضعيف علي شط النيل، وتعاتب بعض المصريين هنا في مونبلييه، علي أنهم تركوها لايصة في المطار بسبب الاضرابات، ولم تكن تعرف كيف تخرج وحدها وتأخذ القطار الي مونبلييه في أقصي الجنوب الفرنسي
فلوس ميتة في العشوائيات
كما حضر المهرجان من ضمن المجموعة مواهب السينما المصرية الجديدة المخرج رامي كريم عبد الجبار من مواليد 1978 وهو صاحب أسلوب سينمائي متميز في كل فيلم، ويظهر ذلك في فيلم بيت من لحم الذي أخرجه عن قصة قصيرة ليوسف ادريس، فتشعر حين تشاهده انك في حضرة مخرج مدرك وفاهم لجماليات الفن، ومتمكن من أدواته علي مستوي الكادر و الاضاءة وجماليات اللقطة وأداء الممثل.حضر رامي الي مونبلييه وشارك في مسابقة الافلام الروائية القصيرة بفيلم فلوس ميتة ،وهو مختلف عن فيلمه السابق بيت من لحم ، من حيث الموضوع والشخصيات والاجواء وكل شيء في الفيلم، اذ يعرض رامي هنا في فيلمه الجديد لحياة القاع في شوارع مصر الخلفية تحت الارض، وعالم العشوائيات والمعذبين المهمشين الرهيب، في بر مصر العامرة بالخلق،بعنفه وغرابته ودمويته ووحشيته، حيث يصبح هنا كل شيء مباحاً في عالم الجريمة والاحتيال والنصب للحصول علي الفلوس ، ويقدم رامي فيلما قويا لاهثا في ايقاعه وحبكته، واستكشافاته لضحايا الفقر والبؤس في المكان..كما عرض المهرجان فيلما قصيرا بارزا "أحمر وأزرق" لمحمود سليمان صاحب "يعيشون بيننا " الذي شاهدناه في بانوراما الافلام الروائية القصيرة، ويعرض أحمر وأزرق لشاب يمارس الحب مع صديقته في شقة في الخفاء ، ضد تقاليد وعادات المجتمع المصري، وبخاصة وبعد ان تفاقمت مشاكله علي كافة المستويات ،بحيث اصبح الزواج من رابع المستحيلات للشباب الضائع الحائر العاطل، الذي يصبح لقمة سائغة وفريسة سهلة لاستقطاب الجماعات الدينية المتطرفة. وفي مشهد واحد، وفيلم لاتتجاوز مدة عرضه اثنتا عشر دقيقة ، يمسك الفيلم بجوهر الحياة في مصر، ويلخص مشكلة مجتمع منافق بأكمله، والتناقضات التي يعيشها، كاشفا عن ذلك المستقبل المظلم، الذي ينتظر شباب مصر عند حافة الأفق. وحضرت المخرجة الشابة النشطة ماجي مرجان من مصر، وتقدمت الي مسابقة السيناريو في المهرجان بسيناريو فيلمها الروائي الطويل الأول" ليلي وأنا " ويعرض لمشكلة الانتماء، من خلال ممثلة شابة مغرمة بأفلام ليلي مراد واغانيها وعصرها، وتجد تشابها وتماثلا في المواقف التي تعيشها كممثلة شابة الآن، وفي ظل الظروف الصعبة التي تعيشها مصر ، مع مواقف عاشتها الفنانة المطربة الممثلة ليلي مراد في زمن الاربعينيات والخمسينيات، بعد ان هجرت أهلها وعشيرتها، وتخلت عن ديانتها اليهودية، ثم أسلمت، لكي تتزوج من الفنان أنور وجدي، وتجد الممثلة بطلة فيلم ماجي مورجان انها تواجه في لحظة ذات الموقف ،وعليها أن تتخذ قرارا تتوقف عليه حياتها ومستقبلها
موال فلسطيني في مونبلييه
في حين برزت السينما العربية في المهرجان من خلال مشاركة فيلمين عربيين هما تحت القصف لفيليب عرقتنجي من لبنان، وفيلم البيت الأصفر لآمور حكار من الجزائر في مسابقة الأفلام الروائية الطويلة، ومشاركة فيلم اللي فات مات لنادية بوكراز من الجزائر، وفيلم موال فلسطيني لندا سنكروت في مسابقة الأفلام التسجيلية الطويلة، وفاز الأخير بجائزتها الكبري.كما عرض المهرجان ثلاثة أفلام عربية روائية طويلة هي : : فيلم الحبة والسمكة للتونسي عبد اللطيف كشيش ،الذي عرض في تظاهرة العرض الاول، وقبل خروج الفيلم للعرض في فرنسا، وذلك بعد حصول مخرجه علي جائزة لجنة التحكيم في مهرجان فينيسيا ، وحصول بطلته علي جائزة أيضا، وفيلم فلافل لميشيل كمون من لبنان، وفيلم "وراء المرآة" لنادية شرابي من الجزائر، وقد عرض الفيلمان في بانوراما الأفلام الروائية الطويلة من إنتاج البلدان المتوسطية..وكان المخرج التونسي عبد اللطيف كشيش، اعترف في المؤتمر الصحفي الذي عقد معه في أعقاب عرض فيلمه الجديد، بفضل وتأثيرات العديد من المخرجين العالميين علي أفلامه، مثل الفرنسي موريس بيالا في نخب حبنا ، والامريكي جون كازافيتس ظلال ، وذكر انه يدين بالفضل للسينما المصرية في أعمال صلاح أبو سيف السقا مات و بداية ونهاية ، كما تأثر جدا بفيلم باب الحديد لمخرجنا المصري الكبير يوسف شاهين
عن جريدة " القاهرة " بتاريخ 13 نوفمبر 2007









ليست هناك تعليقات: