الخميس، مارس 20، 2008

مختارات ايزيس: البحث عن رفاعة

غلاف كتاب " تخليص الابريز في تلخيص باريز " ترجمة د.المرحوم أنور لوقا
ا

رفاعة رافع الطهطاوي رائد التنوير في مصر( 1801-1873 ) كما تظهر صورته في فيلم البحث عن رفاعة


لقطة من فيلم " البحث عن رفاعة " لصلاح هاشم.رحلة من باريس الي القاهرة واسيوط وطهطا بحثا عما تبقي من تراث التنوير


مختارات ايزيس

البحث عن رفاعة في المجلس الأعلي للثقافة

دعوة الطهطاوي انطلقت من الوعي بخصوصية الذات في تفهمها للآخر

ستون باحثا احتفوا بمرور مائتي عام على مولد الرائد التنويري بالمجلس الأعلى للثقافة بمصر


احتفالا بمرور مائتي عام على مولد رفاعة الطهطاوي، نظم المجلس الأعلى للثقافة ندوة حول الاسهام الفكري والتنويري للشيخ رفاعة الطهطاوي (15 اكتوبر 1801 ـ 27 مايو 1873)، وقد اشتملت الندوة على مجموعة من الجلسات العلمية، وثلاث موائد مستديرة شارك فيها أكثر من ستين باحثا مصريا وعربيا وأجنبيا، كما أصدر المجلس الأعلى للثقافة عددا من أعمال رفاعة الطهطاوي منها «المرشد الأمين للبنات والبنين» و«مناهج الألباب في مباهج الآداب».

في جلسة الافتتاح تحدث محمد رفاعة ـ حفيد الطهطاوي ـ عن الابناء الحقيقيين للطهطاوي، الذين يحملون أفكاره ويدافعون عن قضاياه، غير ان موقف بعض المثقفين الآن ربما كان أكثر تحفظا أو تخلفا من موقف الشيخ الأزهري الصعيدي الذي تقبل الصدمة الحضارية في بعثته الى باريس بعقل واع، فلم ينزو عنها بالانغلاق أو يتهافت أمامها بالدونية، بل أعمل فيها عقله.

وأشار إلى رسالة الطهطاوي كمثقف ملتزم، هذه الرسالة التي وعاها مبكراً، وعمل على احيائها في مصر والبلاد الاسلامية، وتميز، في الوقت نفسه، بمقدرته على فهم الحضارة الغربية فهما منصفا.

وتحدث الدكتور أنور لوقا في كلمة الباحثين المصريين، مشيرا الى ان الطهطاوي لا يزال مجهولا رغم كل ما كتب عنه، رابطا بين فكره وكونه ابنا للثورة الفرنسية وللثقافة الأزهرية في نفس الوقت، إذ اهتم بمبادئ الحرية والاخاء والمساواة التي نادت بها الثورة الفرنسية، واستخلص منها القيم الكبرى. وأشار الحبيب الجنحاني في كلمة الباحثين العرب الى الفكرة المحورية التي شغلت بال الطهطاوي وهي فكرة التنوير التي تمثل مشروعا متكاملا في عصره من التأليف والترجمة والاسهام التربوي والتعليم والطباعة والنشر، فقد كانت للطهطاوي نظرة شمولية للفكر والثقافة العربية. وأشار الدكتور جابر عصفور الأمين العام للمجلس الأعلى للثقافة الى ان الاحتفال بالطهطاوي يمنح فرصة للتقدم ولتأكيد الجسارة التي دفعت هذا الشيخ الى ان يفعل ما عجزت عنه أجيال سابقة عليه. وقال ان الطهطاوي يعتبر رائد التنوير الحديث بحق لانه انتسب الى الميراث العقلاني في التراث العربي بما فيه من صراع بين تيارات العقل والنقل، وانه لا ينتسب الى الأزهر لان فكره أقدم بكثير من طبيعة الفكر الأزهري، كما انه لا ينتسب الى فرنسا لأنه لم يندفع نحوها بسذاجة، بل اختبر كل شيء بعقله وطرحه في موضع المساءلة.

ودارت مناقشات جلسات الندوة حول قضيتين أساسيتين هما التنوير والنهضة، والغرب والآخر في فكر الطهطاوي، اضافة الى مفاهيم أخرى مثل السلطة والوطنية والتربية والترجمة والتراث والمرأة.

واستأثرت قضية الفكر التنويري والنهضوي بالقدر الأكبر من الحوارات، إذ أشار الدكتور انور عبد الملك الي ان الطهطاوي عاش وعمل في إطار مرحلة نهضة مصر التي بدأها محمد علي، واستمر فيها رغم انتكاس هذه النهضة، حيث نجح في مد الجسور بين الخصوصية المصرية والتحديث الغربي لصالح الاولى، مبرهناً بذلك على ان التضاد المزعوم بين الخصوصية الحضارية والقومية ومقتضيات التحديث العلمي والفكري، لا يمت بصلة الى التاريخ والفكر الوطني. بينما أشار الدكتور أنور لوقا الى تطبيق رفاعة الطهطاوي لمنهج الأدب التقليدي، في تأليفه لكتاب «المرشد الأمين للبنات والبنين» الذي يعتبر جريئاً في دعوته الى مساواة المرأة بالرجل في العلم والعمل، ومناقشته مسألة تعدد الزوجات. وحول مشروع النهضة العربية عند رفاعة الطهطاوي وعلاقته بالحداثة الغربية استعرض الحبيب الجنحاني نقاطا أربع هي: طريقة فهم رواد حركات التحديث العربية لأسس الحداثة العربية، ومدى ادراكهم للظروف التاريخية الموضوعية التي نشأت، ومدى تأثر الطهطاوي في علاقته بالآخر بين وجهي الغرب الاستعماري والمتمدن.

وتحدث الدكتور حامد أبو أحمد عن الأزهري الذي أصبح رائدا للتنوير، وعن دور الشيخ حسن العطار في توجيه رفاعة الى التزود بالعلم والمعرفة وتأكيد وعيه بالعمل على تغيير المجتمع. وتناول سيد عشماوي دور الطهطاوي في التحديث، وإيمانه بان المثل العامة الايجابية للنزعة الأوروبية لا تتعارض مع الاسلام. وقال انه اذا كان التحديث يرتبط ببناء الدولة الحديثة ويمثل المشروع الوطني للمجتمع بكل فئاته، فإن كتاب «مناهج الألباب» كان أشبه بمانيفستو التحديث في مصر آنذاك، حيث استخدم ارادة «التمدن» بما يتضمنه من أصل معنوي احقاقا للحق من وجهة نظره. وتناول فيصل دراج «سياسة المثقف الحديث ويوتوبيا المدرسة» بين الطهطاوي وطه حسين، مركزا على ان السياق التاريخي أملى على الطهطاوي ان يبدأ من نقطة عائمة، ومن نقاط انطلاق قلقة تستدعي المحاكاة والرهان والارادة الفاعلة، آخذاً بمبدأ المحاكاة كاعلان عن وحدة الحضارة الانسانية وعن تساوي حظوظ البشر في العقل والقدرات. وحول تناول رفاعة الطهطاوي لقضية «الغرب والآخر» توقف احمد ابراهيم الهواري أمام دلالات كتاب «تخليص الابريز في تاريخ باريز» محاولا استنطاق ما يحف بالنص من دلالة تجسد الخطاب المعرفي، مشيرا الى ان الركيزة الأساسية تتمثل في مرايا المكان على نحو ما صور رفاعة «المقهى» الباريسي في كتابه، وقد أتاحت له «المرآة» اكتشاف ذاته، وأطلعته على صورته، فكانت بمثابة ميلاد فجر وعيه بالعالم، وهو ما يعكس تجليات الوعي الذاتي بوصفه «أنا» حين يرى نفسه في «وعي ذاتي آخر».

وتناول بيتر جران الباحث الاميركي مفهوم الأزمة الثقافية المعاصرة انطلاقا من فكر الطهطاوي، من خلال عدة ملاحظات كان من بينها ان الثقافة المصرية لم تكن متمركزة في القاهرة فقط، بل كانت موجودة بشكل واضح في صعيد مصر خصوصا في بعده التاريخي، اضافة الى ان الطهطاوي كان كشيخه العطار ذا ثقة في قوة العلم والتكنولوجيا فيما يتعلق بالتغيير، فأصبح بذلك رائد الاصلاح أمام الدولة الحديثة بما يصلح ان يصبح قدوة ريادية للجيل الجديد.

أما خليل الشيخ فتحدث عن دور «تخليص الابريز...» في تشكيل صورة الآخر عند القارئ العربي، حيث قدم في كتابه تلك المدينة من منظوره الذي سيكون له تأثير واضح في تشكيل صورة باريس في الخطاب العربي المعاصر، بما أعاد تشكيل الآخر ذاته في إطار علاقة مختلفة نوعيا.

وأوضح خليل الشيخ ان الطهطاوي وهو يرسم هذا الآخر كان يصدر في رؤيته تلك عن بعدين أساسيين هما البعد الديني، ومنظور الدولة التي يجب أن تتشكل لتأسيس جيش قوي ذي طابع عصري، وهو ما تجلى من خلال مزج الطهطاوي بين الولاء لمحمد علي، وبين سعيه لفهم عناصر الدولة الحديثة ومؤسساتها وشروطها.

ويتفق مع هذه الرؤية سمير قطامي، الذي يؤكد على البعد الديني، على الرغم من تفريق الطهطاوي بين الدين ورسائله ونتائجه، وبين العلوم المادية والانجازات العلمية والاقتصادية والعمرانية، فرفاعة يرى ان فرنسا متقدمة لأنها أخذت بوسائل العلم، لكنها في نظره خاسرة إذ لم تنظر الى الدين بوصفه طريقا للنجاة، مؤكدا ان الطهطاوي لا يرى ضيرا في أن نأخذ من الغرب دون أن نتخلى عن عقيدتنا.

محمد ابو المجد

عن جريدة الشرق الأوسط بتاريخ 13 ابريل 2002

ليست هناك تعليقات: