الأربعاء، مارس 05، 2008

ستان براكاج : شاعرية التجريب في هوليوود. محسن الذهبي




ستان براكاج شاعرية التجريب في هوليوود

حين تكون الكامرا عينا يتحرك التفكير البصري

يطلقون عليه عامود التجريب الاساسي في السينما الامريكية، لكنه يقول عن نفسه (لقد خصصت حياتي لما يطلق عليه " الفلم التجريبي " في أمريكا .ولكوني فنانّا ، فانني مقتنع بان التحرر من التعبير الشخصي÷، هو البداية الطبيعية لأي فن فكل فعل لدي هو تجريب الباعث فيه الشاعرية، وليس الدافع التجاري
ذلك هو المخرج الامريكي الرائد( ستان برادج ) والذي جعل من الكامرا صورة مجازية للعين ، والعين صورة مجازية لرؤية الفنان الكونية والشعرية . ففي مدينة كانساس بمقاطعة ميزوري ، وفي الرابع عشر من كانون الثاني - يناير عام 1933 ولد ((ستان برادكادج )) ومذ صغر سنه ظهرت مواهبة الفنية فدرس الموسيقى وتعلم العزف على البيانو لكن جمال صوته ، جعل منه وهو في الثالثه عشر من عمره مطرب سبرانو ذو موهبه واعده ، لكنه سرعان ما هجر الدراسة في مدرسة " دار تموث " لينتقل لمدينة كلورادو فيعمل بأدارة فرقة مسرحية متواضعة لمدة عام واحد ، يغادرها بعدها ملتحقا بمعهد الفنون الجميلة بسان فرانسيسكو . وليخرج اول افلامه ( استراحة )عام 1952 وهو ابن تسع عشر سنه . ثم يتبعه بفلمه الثاني ( الطريق الى حديقة الظلال – 1954 ) .ومن ثم (الفلم الممنوع – 1954 ) والذي يقول عنه جوناس ميكاس انه أحد الأفلام الاكثر تأثيرا بين الافلام الامريكية الحديثة اذ ان حركة كاميرا ستان براكادج الديناميكية هي التي بدأت (ثورة اسلوبية ) أثرت في توجه واسلوب سينما الحقيقة للافلام الوثائقية ، وادت الى انتشار الموجة الجديدة في السينما الفرنسية . لكن حياته القلقه تنقلب راسا على عقب فعليا أثر لقائه بالشاعر " كنت اكسروث" و تعرفه على ورفاقه في الطليعة الثقافية ، ليصفها فيما بعد بنهضة سان فرانسيسكو ، مما جعله يشد الرحال الى نيويورك ليلتقي هنك على اقطاب عالم الفن الطليعي امثال ادجر فارس ، جون كاج ، ماريا منكن ، مايا ديرن وجوناس ميكاس ليعيش وسط هذا الزخم الفكري الطليعي .فيكلفه الفنان " جوزيف كونل " بعمل فلم عن خطوط السكك الحديدية لمدينة نيويورك قبل هدمها في ذلك الوقت ، فياتي فلمه ( الحلقة العجيبة –1955 ) وهو فلم صامت الا من صرير العجلات البكائي مدتة اربع دقائق فقط وهوليس فلم تقليديا متسلسل الاحداث يؤدي فيه الممثلين ادوارا محفوظه بل هو بأختصار رحلة قطار لحظة تدمر فيها الارصفة بسرعة مرعبة .حيث تنكشف الاضواء والتشوهات اللونيه في زجاج النوافذ وحركة الضوء المتكور ، لقد صورها بشكل ايقاعي البناء بين السرعة والابطاء ليكثف ذلك غنى الحافز البصري المتاح امام العين المتيقظة .وبهذا الفلم يعد النقاد ستان براكادج قد بدأ مهمته الواعية مع اشكال التجريب السينما ئية والتي ستصبح موضوعه الاساسي .
لقد اعتمد براكادج على نظرية المؤلف لتعزيز القيمة الفنية أمام ماديةالسينما الامريكية التي افرزتها هوليود اذ جعل الكاميرا صورة مجازية للعين ، والعين صورة مجازية لروية الفنان ومشاعره الانسانية كما في فلمه ( ارتقاب الليل –1958 ) والذي يعد دراسة واضحة للوعي و باسلوب جديد لشكل ومفهوم الفلم الشعري الحافل بمضمون الدراما النفسية ، انه قصة انتحار رجل يخرج عبر الحديقة الى شجرة يعلق حبلا فوق احد فروعها ويعقده ليشنق نفسه فيشاهد طفلا مستلقيا هناك ، ان بين حدث السير والشنق تدور احدث الفلم ليقدم للمشاهد ما يمكن تسميته بمرور الحياة امام العين لحظة الحدث .مع انه لايقدم ابطالا للفلم الامجرد ظلال لكن الفلم يضج بالحركة والتعبير من خلال حركة الكامرا والمونتاج . وفي عام 1960 يبدأ التحضير لفلمه الملحمه (كلب يقوم بدور انسان ) والذي استغرق العمل فيه اربع سنوات وهو عباره عن قصة رجل يتسلق احد الجبال ليقطع شجرة ، وقد كتب اثناء هذه الفترة ونشر كتابه ( صور مجازية عن الرؤية السينمائية –1964 ) ليساعد على فهم العناصر الفنية والقيم التي يطرحها ستان براكادج ، ان الرؤى المعقدة للفلم والتي تمر خلال ثلاث وثمانون دقيقة عبر اربعة أجزاء ومقدمة ليقدم بطله الخاص وهو الكلب الذي يقوم بدور الانسان ليعيش الصراع المرير مع الطبيعة من خلال تقلب فصولها الاربعة ، ان الفلم يقدم رؤيه تعددية فلسفية تحاول ان تفسر نظرية النسبية لانشتاين اذ يتخيل المخرج عينا لا تحكمها قوانين الرؤية التي يصنعها لانسان ، عين لا تحد بمنطق تكوين الاشياء ولا تستجيب للمسميات لكنها تعرف كل شيء في هذه الحياة من خلال مغامرة الاكتشاف ، وهناك نسخة اخرى للفلم طويلة تمتد الى أكثر من اربع ساعات باسم ( فن الرؤية ) موجوده في مكتبة الكونجرس الامريكي اذ اختارتها لتكون جزء من تاريخ مكتبة السينما القومية الامريكية وسبب طول الفلم هو عرض البكرات المختلفة التي تستعمل لخلق صور مركبة بعضها فوق بعض مما جعل الفلم مميزا جدا وملفت للنظر وتعبر عن رسالة المخرج بان العين الناضجة مدربة على انتقاء عالم البراءة الخيالي والعجيب عكس العين التي لا ترى الا الذي امامها وحسب ، هذا ما يؤكده الناقد (اّدمز سيتني ) حين نشر كتاب - رؤية سينمائية - عام 1974 وهو أول عمل تاريخي مفصل لحركة سينما الرواد الامريكية وقد كانت اعمال ستان برادكاج هي محور هذه الدراسة التوثيقية التحليلية لاكثر من خمسين فلم اخرجها حتى ذالك الوقت.
وفي عام 1986 منحه معهد السينما الامريكية أول جوائز(مايا ديرن ) للسينما المستقلة وفناني الفديو وتعد مايا ديرن ذاتها احد اعظم الرائدت في السينما الامريكية . فيما رشحته مجلة الصوت والصورة كأهم مخرج سينمائي تجريبي في العالم على قيد الحياة وذلك عام 1993 وهو في الستين من عمره ثم اضيف فلمه كلب يمثل دور انسان الى السجل القومي للسينما الامريكية في العام1992 . هكذا استمر ستان براكادج في اغناء السينما بافلامه التي تحرك التفكير البصري حتى بلغت افلامه مايقارب 400 فلما على مدار نصف قرن تتراوح اطوالها مابين تسع ثواني الى اربع ساعات ونصف الساعة ، ورغم اصابته بمرض سرطان المثانه عام 1996 واجرائه عملية جراحية ناجحة لكنه بقى غزير الانتاج فقد عمل مئات الافلام القصيرة منها الرؤى في التأمل –90 19 والمرور من خلال الطقوس –91 وبرج الظلام –99 والجزيرة الرباعية فانكوفر 2002 ومجموعة افلام فاوست –88 وافلام عن السيد المسيح بالتعاون مع الموسيقي جيمس تيني وسلسة الفارسي –2001 وغيرها الكثير كما نشر مجموعة مقالات في كتابه (الوقت يحكي ) عام 2003 وعمل اخر افلامه (نافذة ستان ) وهو صورة ذتيه لحياته الشخصية، بعد ان قدم طلب احالته للتقاعد من التدريس في كلية ومعهد شيكاغو للفنون اذ شغل مقعد استاذ علم الجمال وتاريخ السينما وكف عن القاء المحاضرات في الجامعات والمعارض والمهرجانات وغادر الى كندا ليتوفى هناك في الثامن من اذار – مارس 2003 ولتنطوي حياة فنان ظل طوال حياته معاديا لمدرسة هوليود ومهاجما لذاك المصنع الحلم الخاص بالرأسمالية وهذا جزء من السمة الرومانسية فيه، كما ابتعد بنفسه عن ثقافة الستينات المضادة في القرن العشرين ،اذ يراها أستغرقت في فاشية مقنعة فهو وكما يقول عن نفسه انه يعتقد أن ,,الفنون تقدم للانسان المجال الشعبي الاخير الحر وبذلك تشكل أكبر تهديد لمن يشعرون بأن عليهم ، أو أنه بامكانهم استبعاد الحس المرهف ،،
محسن الذهبي
كاتب عراقي مقيم في بريطانيا

ليست هناك تعليقات: