الثلاثاء، مارس 24، 2009

فيلم عدن غربا لكوستا غافراس .صلاح هاشم


فيلم " عدن غربا " للفرنسي كوستا غافراس

" مستعمرة عراة "


يتسلي فيها الأثرياء الجدد بلعبة صيد المهاجرين



بقلم صلاح هاشم



من أجمل وأقوي الأفلام التي شاهدتها حديثا في باريس فيلم " عدن غربا " للمخرج الفرنسي الكبير من أصل يوناني كوستا غافراس ، مخرج " زد " و " مفقود " و " هانا .ك " وغيرها من روائع السينما الفرنسية والعالمية، حيث أن نشاط كوستا الذي حقق له فيلم " زد " شهرته في العالم، لم يقتصر علي أخراجه للأفلام في فرنسا فحسب ، بل أمتد أيضا إلي فلسطين حيث أخرج هناك فيلمه " هانا. ك " ، ليحكي عن مأساة الشعب الفلسطيني ، واضطلع ببطولة الفيلم الممثل الفلسطيني محمد بكري، وكذلك أمريكا التي حقق فيها غافراس فيلمه " مفقود " بطولة الممثل الأمريكي جاك ليمون وحصد به " سعفة " مهرجان " كان " الذهبية. وهاهو مخرجنا يعود من جديد الي وطنه الأصلي اليونان، ليصور فيلمه " عدن غربا " وينطلق من هناك علي سكة المهاجرين الجدد في فرنسا ، في فيلم من " أفلام الطريق " رود موفي -– ليحكي ولأول مرة بعد هجرته الي فرنسا منذ أكثر من خمسين عاما خلت، لا يحكي عن هجرته هو الشخصية، بل يحكي عن واقع الهجرة الجديد في البلاد، والمشاكل التي يتعرض لها المهاجر، وعقلية الناس في البلد المضيف ويكشف أيضا من خلال فيلمه عن مخرج واعد جديد، غير ذلك الغافراس المتحمس الملتهب الناري ، الذي تعودنا علي أفلامه السياسية المباشرة الملتزمة منذ زمن لإدانة وفضح الديكتاتوريات العسكريةوالحكومات الشمولية في العالم ، وصار " أيقونة " من أيقونات السينما في عصرنا. في " عدن غربا " يجدد غا فراس بالفعل دمه، ليروي قصة الهجرة الآن في العالم كما يتمثلها، مثل حكواتي " حكيم " من الزمان القديم ، ويتصالح مع نفسه والعالم..

إذ ينفتح الفيلم في أول مشهد علي لقطة عامة رائعة للبحر الأبيض المتوسط الكبير قبل الغروب بقليل ، وتظهر في وسط اللقطة سفينة. ونتعرف علي بطل الفيلم " الياس " الذي يقبع داخل تلك السفينة التي تحمل الآلاف من المهاجرين العطشي والجوعي والمكدسين في العنابر المخصصة لنقل البضائع و الماشية والأغنام ، ويروح الياس بعد ان طلب منهم المهرب أن يلقوا بأوراقهم وجوازات سفرهم في عرض البحر، يروح في ركنه يراجع دروس اللغة الفرنسية من كتاب يحمله معه، ويردد علي نفسه وزميله القابع الي جواره تلك العبارات الفرنسية التي حفظها عن ظهر قلب . يردد : " بونجور يا خباز. هل لديك من فضلك خبز طازج وطري " ويرد علي نفسه بصوت الخباز الفرنسي : عليك أن تنتظر قليلا يا فتي ، فلسوف يكون لدي خبز طري طازج بعد قليل . ويطلب الياس من صديقه وهو يتخيل كيف تكون رائحة الخبز الشهية تلك الطالعة من الفرن، ان يردد ذات العبارة ، ثم يلتفت ويسأل عابر سبيل من صنع خياله : مسيو.. بونجور.من فضلك أين الطريق الي باريس ؟ هل باريس - محطة الوصول أكيد التي يحلم بها كل مهاجر والجنة الموعودة – مازالت بعيدة .؟ وبسرعة سوف نتعرف من خلال حلم الياس في الوصول الي باريس، علي ملامح بطل الفيلم، فهو كما يظهره لنا غافراس مهاجر بريء ساذج،لا يعلم بظروف الهجرة الجديدة البشعة، والبؤس المادي والروحاني الذي ينتظره هناك..

الأثرياء الجدد يتسلون بلعبة صيد المهاجرين

ومازال الياس المسكين يتصور، مع الأغلبية الساحقة من المهاجرين للأسف،أن هناك مكانا محفوظا له ولأمثاله في فرنسا وبلدان أوروبا ، ولا يعرف أنها باتت تعاني الآن من أهوال ومشاكل البطالة والغلاء والسكن والأزمات الاقتصادية والبيئية والمالية والغذائية، وتعمل علي ترحيل المهاجرين الجدد فور وصولهم ، بل تطرد وترحل أيضا هؤلاء المهاجرين الذين استقروا منذ فترة طويلة هنا في البلاد ، تطردهم علي أساس أنهم دخلوها بطرق فير قانونية وشرعية،ومازالت الشرطة الفرنسية بعد أنشأت فرنسا بسبب تفاقم مشاكل الهجرة من دون حل " وزارة للهوية الوطنية والهجرة " تقوم بترحيل وتسفير عائلات مهاجرة مع أطفالها بالكامل، وها هو وزير الهجرة في حكومة ساركوزي اليمينية يتباهي حديثا بانجازاته ، فيذكر أن الوزارة حققت معدلات طرد أكثر من المطلوب في الخطة، ووصل عدد المهاجرين المرحلين المطرودين الذين تم تسفيرهم بالفعل الي أكثر من 26 ألف مهاجر غير شرعي خارج البلاد..

وحين نتعرف علي الياس فوق ظهر السفينة لا نعرف بالضبط الي أي بلد ينتمي، لكي يصبح كما أراد غافراس " مهاجرا في المطلق " أي أي انسان مهاجر في العالم بلا تاريخ أو هوية أو ذاكرة، كما ان غافراس اختار أن يكون بطل الفيلم المهاجر شابا جميلا مثل الممثل الفرنسي آلان ديلون ، وذلك لكي يصنع له قدرا مغايرا ، ومسيرة فريدة في رحلته عبر الفيلم ، ويجعل من الطبيعي بعد ذلك لكونه جميلا ان تتهافت عليه النساء. هؤلاء النساء اللواتي يقعن في غرامه من أول نظرة في الفيلم وتحلم كل امرأة تلتقي به بأن يصطحبها من فرط جماله فورا إلي أقرب سرير.

وهذا ما يحدث بالفعل في الكثير من مشاهد الفيلم ونراه لاحقا، حين يترك المهربون السفينة في عرض البحر ويلوذون بالفرار في " لنش " صغير، فيقفز الياس الي المياه وحده يا للشجاعة ويهرب، عندما تحوط قوارب الشرطة اليونانية السفينة للقبض علي ركابها ،ويسبح في الليل الي شاطييء جزيرة يونانية ..

وحين يستيقظ في الصباح يجد نفسه داخل " مستعمرة عراة " خاصة تابعة لفندق ساحر من فنادق الاثرياء و أصحاب الملايين ، ويجعلنا نضحك من تصرفاته في هذا الجزء الاول من الفيلم ، وكأننا نشاهد فيلما من أفلام " البيرلسك " الفكاهية لماك سينيت أو بستر كيتون أو جاك تاتي التي تعتمد علي المواقف الحرجة اللامعقولة التي يقع فيها البطل.ويمكنكم ان تتصورا كيف يكون حال مهاجر بائس غلبان مثل الياس حين يحط فجأة بعد أهوال رحلة عذاب في عرض البحر يتعرض فيها للموت غرقا يحط هكذا في " جنة عدن " واليوتوبيا المفقودة، ثم اذا به حين يصل الي بر او شاطييء الأمان، يجد نفسه مرة واحدة في "مستعمرة عراة "،ويكون أول ما يشاهده فتيات عاريات يلعبن الكرة فوق الرمال ويمرحن في بهجة..

يؤسس غافراس الجزء الأول من الفيلم علي تلك " المفارقة " ، لكي يؤكد علي معالجة شخصية فانتازية متخيلة جديدة في فيلمه، عكس المعالجات الواقعية الصلدة الصارمة والمتجهمة أحيانا التي عودنا عليها في أفلامه، ورغبته في ابتداع وخلق ظروف عيش استثنائية في مكان استثنائي، تجعل السياح في هذا المكان يتصرفون وكأنهم يعيشون داخل " بالون" منفصل عن العالم وغير واقعي بالمرة،والدليل علي ذلك ان هؤلاء السياح الأثرياء من روسيا وألمانيا وفرنسا في الفندق يلعبون في المساء لعبة جماعية غريبة مرعبة: لعبة صيد مطاردة المهاجرين الهاربين الي شاطيء الجزيرة التي يقع فيها الفندق والذين يختبأون أحيانا في أركانه كما فعل الياس ، بل انه يشاركهم لعبتهم ظنا منهم أنه سائح مثلهم ومن أهل المستعمرة ، ولفترة يظل الياس يلعب معهم قبل أن يكتشف أمره، بل ويشارك في لهوهم الليلي حين يحضر " ساحر " من باريس ويقدم نمرة بعنوان " تواليت الموت " علي مسرح الفندق يشترك فيها الياس بملابسه العادية ، فيدفس رأسه داخل حوض تواليت ، ويدفعه الساحر بواسطة فرشاة تنظيف الي الداخل حتي يختفي تماما ، ثم يغطي الساحر الحوض بستارة ويرفعها بعد لحظة فنكتشف اختفاء الحوض ، ثم فجأة يظهر الياس في الطرف الآخر من المسرح وهو يرتدي زي " أمير " هندي وسط تصفيق جمهور القاعة. وعند انتهاء العرض يقدم الساحر بطاقته التي تحمل عنوانه حيث يعمل في ملهي " الليدو " في باريس الي الياس ، ويطلب منه عندما يصل الي باريس أن يتصل به ..

في الجزء الأول يقدم لنا كوستا غافراس نمرة فكاهية فانتازية خفيفة يتخلص فيها من أعباء معالجة موضوع الهجرة الذي هو موضوع جاد وصارم ومأساوي ويترك لنفسه العنان في خلق مواقف عبثية " برليسك" تبعث علي الضحك حيث يتصور بعض السياح ان الياس خادم و " سباك " في الفندق أحيانا فيطلب منه احد النزلاء أن يقوم بتصليح مرحاض الحمام ويمنحه بقشيشا ، وتتصور سائحة ألمانية من هامبورج أنه نزيل مثلها فتغتصبه في الفراش – حاول رئيس الخدم الشاذ جنسيا معه من قبل وفشل – ثم تكتشف السائحة انه مهاجر متسلل ويحاول الخروج من الفندق الواقع تحت مراقبة وحراسة رجال الشرطة فتمنحه بعض النقود، وتقول له انها لا تستطيع ان تساعده في هامبورج لأنها متزوجة وهي الآن في أجازة استثنائية وظروف الحياة في تلك المستعمرة المغلقة غير ظروف الحياة الواقعية في الخارج، فليغفرلها اذن ، لكنها تساعده بالفعل علي الهرب. ويكشف لنا غافراس من خلال سلوكياتها علي ان مساعدة المهاجر وتقديم العون له تتم دائما في ظل " ظروف استثنائية " وانها تقف عند حدود لا تتجاوزها، وينبغي ان يكون كل المهاجرين الجدد علي علم بذلك، لأن ظروف الهجرة تبدلت الآن،وصارت أصعب وأقسي، ولأن مجتمعات الوفرة الغربية الأوروبية الاستهلاكية صارت أكثر عنصرية، و تخشي علي تدهور أحوالها المعيشية بسبب تكدس الغرباء، ومسكونة اكثر من أي وقت مضي بشبح " الخوف من الأجنبي " وهي تري طوابير الغذاء الطويلة للمهاجرين تقف علي أرصفة محطات السكك الحديدية، بانتظار لقمة وطبق حساء ساخن في البرد والصقيع..

" سحرة باريس " يكشفون عن عجزهم

وفي الجزء الثاني من الفيلم وبعد نجاح الياس في الهروب من مستعمرة العراة ( الظرف الاستثنائي )والخروج الي الحياة الواقعية،يسافرعلي الطريق بطريقة "الاوتوستوب " من اليونان الي باريس، ويلتقي بعدة شخصيات علي الطريق، فيساعده البعض في رحلته،مثل تلك المرأة الريفية اليونانية الأرملةعلي ما يبدو التي تعطف عليه وتجعله يشاركها عملها في بيع أقفاص الطيور في السوق وتمنحه أجرا، لكنها تأتيه في الليل ولا تستطيع ان تمنع نفسها من حاجة الجسد. في حين يستغل البعض الآخر الياس،فيحتال عليه سائق عابر ويستولي علي نقوده، ويرأف يوناني ثري وزوجته بحاله، فيأخذانه من محطة بنزين علي السكة ، لكنهما يتعاركان في السيارة ، ويتركانه وحيدا في عرض الطريق في البرد ووسط جبال الثلج،الي ان تمر شاحنة عابرة يقودها سائقان ألمانيان فيأخذانه الي فرنسا،ويهربانه عبر الحدود. وبعد ان يعمل الياس في جنوب فرنسا في مصنع من دون أوراق، ويتعرض للاستغلال البشع مثل بقية المهاجرين،ويثور معهم علي الوضع ويهرب، يلتقي بمهاجر في الجنوب يساعده علي شراء تذكرة سفر بالقطار الي باريس،ويخبره ذلك المهاجر اليائس بأنه لم يجد في فرنسا عملا بعد طول بهدلة وذل واهانة ، وانه يفكر جادا في العودة إلي بلاده، لأن الغربة في الوطن الآن صارت أرحم..

وعندما يصل الياس إلي باريس يتعرض لمطاردة البوليس له في الشارع، ويتأكد بنفسه من بؤس حياة المهاجرين والهامشيين والصعاليك المشردين " الكلوشار " علي الرصيف، بل انه حين يحاول التسول ،يحضر مهاجر ويقول له أن هذا مكاني ياوغد ويطرده. حسنا لقد بدأ الياس من خلال تلك الظروف الواقعية التي يتعرض لها علي الطريق منذ وصوله الي باريس يعي واقع الهجرة المؤلم،لكنه مازال شخصا شجاعا واستثنائيا- ألم يقفز الي الماء عند حصار الشرطة للسفينة وسبح الي الشاطئ في بداية الفيلم - ولن ييأس أبدا، فمازال يحتفظ ببطاقة الساحر في جيبه، ويسأل كيف يمكن الوصول في العاصمة باريس الي " الليدو " وهو لا يعرف حتي انه " علبة ليل " و " ملهي " ليلي علي أمل أن يساعده ذلك الساحر. مازال هناك أمل ، حتي لو كانت مساعدات ومنح البعض له تقتصر علي أعطائه حسنة قليلة، او بنطلون وجاكيت لزوج عزيز متوفي، او عدم تعنيفه وطرده حين يقبل علي تناول فتات الموائد في مطاعم الدرجة الأولي المتنائرة في الهواء الطلق في شوارع العاصمة ..

تلك الشوارع التي يروح يقطعها ، ويشاهد فيها ازدحام الباعة الجائلين من المهاجرين في حي " الاوبرا " علي عرض بضاعتهم من البطاقات والتذكارات السياحية علي السياح والتنازع عليهم . ويتساءل الياس : اهذا هو حقا المصير الذي ينتظره؟ التشرد والضياع و الوقوف في البرد والثلج في طوابير الطعام ، والتصارع علي ركن للنوم داخل خيمة علي الرصيف تحت المطر،وتأمل واجهات محال الطعام ، والتفتيش بحثا عن لقمة في صناديق القمامة، و والتعايش مع جحيم المطاردات اليومية المسعورة من قبل الشرطة ؟. يا للبشاعة..

يبدو أن الأمر سيكون كذلك، وعلي الياس أن يواجه بعد الوصول الي باريس مصيره بنفسه، ويصنع لنفسه بإرادته حياة جديدة ، لأنه حتي ذلك الساحر الذي التقي به في النهاية،بعد ان فقد بطاقته وكانت سقطت من الياس، وجرت مع المياه الي بالوعة تحت الأرض واختفت.حتي ذلك الساحر قال له معزيا : " حسنا . لقد حضرت بالفعل الي باريس، وها أنت قد رأيتني . لقد فعلتها. " ثم ودعه بعد ان منحه عصا سحرية صغيرة مثل هدية، لكي يتسلي الياس ويلعب بها مثل الأطفال، و من بعدها انطلق الساحر بسيارته في طريقه وهولا يلوي علي شيء،وترك الياس واقفا حائرا علي الرصيف، وقد راح يتأمل السيارة ، وهي تغيب وتختفي في الأفق..

ومن هناك ، من عند ذلك الميدان الواسع في حي " شان دو مارس " - حدائق مارس – الذي يطل علي برج ايفل من عند محطة المدرسة الحربية " الايكول ميليتير " هاهو الياس بعد أن جعل بخبطة في الهواء من عصاه السحرية برج ايفل يضييء فجأة،ويتألق بأضوائه مثل نجوم السماء،هاهو يدرك انه حتي أعتي وأقوي " سحرة باريس " لا يستطيعون له ولا مثاله شيئا ، وليس بمقدورهم أن يجدوا لمشكلته حلا، وعليه الآن بعد أن وصل الي المدينة أن ينزع عن ذاته الآن كل وهم في مواجهة الواقع الصلب، ويعتمد فقط علي نفسه..

فيلم " عدن غربا " – ايدن آل وست – لكوستا غافراس بدا لنا مثل " حكاية رمزية"عن الهجرة .حكاية خالصة ومتخلصة من الميلودراما والمبالغات العاطفية مثل اللوز المقشر، حكاية يقصها علينا بهدوء معلم سينمائي ناضج من دون تعصب او خطابية أو نرفزة.حكاية تقف في المنتصف تماما بين الملهاة والمأساة ،لكي تكون برمزيتها وطريقة معالجتها،أقرب الي الحياة الطبيعية التي نحياها بحلوها ومرها. حكاية تقربنا ببساطتها ومغامرتها وحس غافراس الفكاهي العالي،بعيدا عن الصراخ والمناقشات والصراعات والجدل حول موضوع " الهجرة " الشائك واشكالياته، تقربنا أكثر من إنسانيتنا، وهي يقينا تستحق المشاهدة عن جدارة..

اسم الفيلم

* EDEN A L OUEST

ليست هناك تعليقات: