السبت، أغسطس 04، 2018

حصاد موسم أصيلة الثقافي الأربعون: سِنُّ الحكمةِ الثقافية وأسئلتُها بقلم صلاح هاشم .في باب " محتارات سينما إيزيس " ..

مختارات سينما إيزيس
ا


حصاد موسم أصيلة الأربعون: سن الحكمة الثقافية وأسئلتها

بقلم

صلاح هاشم


أصيلة ـ «القدس العربي» من صلاح هاشم:

 اُختُتمت يوم الجمعة 22 يوليو/تموز الدورةُ الأربعون لمهرجان أصيلة الثقافي الذي انطلقت فعالياتُه مساء 29 يونيو/حزيران، وذلك بحضور عدد من الضيوف العرب والأجانب مِمّن شاركوا في الندوات الفكرية أو في الورشات الفنية، إضافة إلى جمهور من الإعلاميّين ومن ساكنة المدينة. وقد استثمر المشرفون على المهرجان هذه المناسبة لتكريمِ عدد من أهالي أصيلة ممّن تميّزوا في مجالات اختصاصهم المهني أو الفني أو العلمي. ولا شكّ في أنّ انفتاح هذا المهرجان على مفضاءاته المحلية والعربية والإفريقية والغربية هو ما حقّق له استمراريته وجعل منه واحدًا من أهمّ المهرجانات الفكرية والفنية.

أيقونة ثقافية

شهدت مدينة أصيلة، هذه التي لم تكن تزيد، عند تأسيس الموسم الثقافي عام 1978، عن قرية صغيرة للصيادين تضم 20 ألف نسمة، تحوّلات ديموغرافية وعمرانية كبيرة بفضل هذه التظاهرة الثقافية الدولية التي جعلت منها منطقة استقطاب عمراني حيث يزيد تعداد سكانها الآن عن 70 ألف نسمة، وبوّأتها لأنْ تكون أشهر مدينة للفنانين في عموم بلاد المغرب، وأنجحها من حيث المزاوجة بين الأنشطة الثقافة والسياحة. وعلى امتداد فترة الموسم الثقافي، احتضنت «أصيلة» جميع ضيوفها القادمين من أنحاء العالم للمشاركة في فعاليات ندواتها الفكرية وحفلاتها الغنائية ومعارضها الفنية، وعرضت عليهم مناقشة أسئلتها المتصلة بقضايا الوضع العربي الراهن وما يشغل المواطن فيه. وفي خلال كلّ ذلك، كانت ليالي المدينة فضاء لسهرات فنية عمادها الطرب الأندلسي العريق. وعلى امتداد الأربعين سنة من عمر موسمها الثقافي الدولي وتأسيس جامعة المعتمد بن عباد الصيفية، أصبحت أصيلة أيقونة الثقافة العربية، وأثبتت أن الثقافة هي الحل الأسلم للنهوض بمجتمعاتنا ماديا ومعنويا وتحقيق التنمية الاقتصادية المنشودة. ولاشك في أن الدعم الذي حظيت به أصيلة من قبل عاهل المغرب، بالإضافة إلى مناخات الإصلاحات المجتمعية المغربية، التي نشأ فيها الموسم، هي التي جعلت من موسمها الثقافي الدولي أحد أهم «منارات» وفضاءات الثقافة والحرية في عالمنا العربي، وعلامة مضيئة في واقعنا الثقافي العربي الاستهلاكي «العبثي» الذي يبعث على الحزن.

الاندماج الإفريقي

افتتح الموسم أعماله، ومن منطلق أن إفريقيا هي ضيف شرف دورته الأربعين بندوة بعنوان «الاندماج الإفريقي: أين العطب؟» شارك فيها عدد كبير من الباحثين والدارسين والمفكرين السياسيين، وناقشوا خلالها فكرة التكامل الإفريقي كهدف أسمى يسعى إليه جميع مواطني القارة، وكان حلما كبيرا راود الأسلاف المؤسسين، وقد أسفر عن إنشاء منظمة الوحدة الإفريقية عام 1963. لكن على الرغم مما تحقق من إنجازات في هذا المضمار، مازالت عملية التكامل الإفريقي تواجه العديد من العقبات والتحديات، وشملت الندوة عدة محاور، فإلى جانب تشخيص واقع التكامل الإفريقي، اقترح المحاضرون نماذج ومنهجيات ومقاربات جديدة ولازمة لتحقيق تكامل إفريقي أفضل، وكشفوا عن سبل تجاوز الاختلالات القائمة (الحلول والوسائل)، وناقشوا دور الثقافات والحضارات الإفريقية في انبثاق إفريقيا موحدة.

كما ضم برنامج الموسم الثقافي ندوة بعنوان «ثم ماذا بعد العولمة؟» التي شدّت انتباه الحضور بمداخلة الشاعر والروائي المغربي محمد الأشعري، وزير الثقافة والاتصال السابق في المغرب، الذي تميز بحس فكاهي وتهكمي عال ومرهف، وأكد فيها حقيقةَ أن «العولمة» هي مجرد آليات، بمعنى ميكانيزمات جديدة للتحكم في العالم بيد النظام العالمي الجديد والقوى السياسية الكبرى، ولا يُرجى منها للبشرية والمعذبين في الأرض عدالةٌ أو خيرٌ. هذا بالإضافة إلى ندوة «الفكر الديني الحاضن للإرهاب: المرجعية وسبل مواجهته»، وندوة «مأزق الوضع العربي الراهن: الممكنات والآفاق»..
ومثلما كانت غاية الندوات السابقة طرحَ تساؤلات وشحذَ همم النخب الفكرية والسياسية المشاركة لإعادة التفكير في وقائع الراهن العربي، كان موضوع ندوة «مأزق الوضع العربي الراهن» بانقساماته وتدهوره وانشقاقاته وحروبه، استمرارا وإثراء لمقاربات فكرية مستندة إلى التأمل، والتحاور الهادئ، وتبادل وجهات النظر، سعيا من المشاركين إلى تقديم استنتاجات فكرية، تراهن على الأمل الممكن في تحقيق غد عربي أفضل، وتعرّف السبيل الممكنة للخروج من جحيم المأزق العربي الراهن، وتحفيز من بيدهم صنع القرار على مستوى المؤسسات والقوى الفاعلة المؤثرة لكي يوقظوا روح المبادرة فيهم. وناقشت هذه الندوة عدة موضوعات من بينها حراك الشارع، والثورات العربية، والأنظمة الاستبدادية، والتحول الديمقراطي المعاق، ومصاعب العبور من المأزق إلى الحل. ولمّح بعض الكتّاب من خلال مداخلاتهم في الندوة المذكورة إلى أن بعض المشاركين في الندوة من رجال السياسة، كانوا، ويا لسخرية الواقع- وزراء سابقين في تلك النظم والحكومات القمعية الاستبدادية، التي أدت بنا إلى مأزق الوضع العربي الراهن.


الموسيقى في عالم الإسلام

المؤتمر الثاني للموسيقى في عالم الإسلام. موسم أصيلة الثقافي الدولي الأربعون

حفلت الدورة الأربعين للمهرجان بالعديد من التظاهرات الثقافية والحفلات الموسيقية والمعارض التشكيلية وحفلات توزيع الجوائز: مثل جائزة تشيكايا أوتامسي للشعر الإفريقي وجائزة محمد زفزاف للرواية العربية (حصل عليها الروائي المغربي أحمد المديني) وجائزة بلند الحيدري للشعراء العرب الشباب، وتكريم المؤرخ المغربي الكبير محمد القبلي، ومعرض الشاعر والرئيس السنغالي الراحل ليوبولد سيدار سنغور، ومعرض الصباغة على الجداريات، والاحتفال بيوم دولة الإمارات العربية، مع ندوة بعنوان «الشيخ زايد: الرؤية المتبصرة للقائد»، والاحتفال بيوم لمملكة البحرين، ويوم لدولة الكويت، …الخ. وقد ساهم تنوع هذه الفعاليات الفكرية والفنية في جعل أصيلة تغلي مثل أتون بالحشود البشرية الذي قصدتها من أنحاء عديدة من العالم مثل فرنسا وإسبانيا ومصر واليابان ودول إفريقيا وآسيا والخليج العربي، وهي حشود امتزجت بأهالي أصيلة وقارب عددُها مئة ألف نسمة. 

ومن أهمّ فعاليات هذا الموسم الثقافي عقدُ المؤتمر الدولي الثاني للموسيقى في عالم الإسلام بالتعاون مع دار ثقافات العالم في باريس، وترأس المؤتمر الباحث السوري شريف خازندار مدير دار ثقافات العالم، وكانت مؤسسة منتدى أصيلة ودار ثقافات العالم نظمتا عام 2007 مؤتمرا بعنوان «الموسيقى في عالم الإسلام»، استضافت أصيلة خلاله أكثر من 50 باحثا متخصصا في تقييم التقاليد الموسيقية في العالم الإسلامي، وبعد مضيّ عشر سنوات ارتأت تنظيم هذا المؤتمر الثاني، خاصة بعد الظروف والتحولات التي مرّ بها عالم الإسلام، واقتضى الأمر طرح سؤال: كيف يمكن الحفاظ على ذاك التراث الموسيقي لعالم الإسلام أو العوالم الإسلامية وحفظه من الضياع.
وناقش المؤتمر عدة موضوعات مثل «التأمل في موروث مؤتمر الموسيقى العربية» الذي عقد في القاهرة عام 1932، ومراجعة أساليب الحفاظ على تلك الموروثات، وكانت هيئة أبو ظبي للسياحة والثقافة بالتعاون مع المكتبة الوطنية في فرنسا، قامت بترقيم مجموع التسجيلات التي تمت في مؤتمر القاهرة، وكانت الجلسة الأولى للمؤتمر، قد راجعت أساليب الحفاظ على هذه التقاليد الموسيقية حتى يومنا هذا، وكرست أعمالها لمدة يومين في مناقشة الأساليب المتبعة في جمع وتدوين كافة الأشكال الموسيقية للعوالم الإسلامية، ومن ضمنها أغاني المهد وإشكاليات قضايا الهجرة المعاصرة وتأثيراتها على الإبداع الموسيقي، وطرح تساؤلات حول كيفية الحفاظ على الممارسات الموسيقية القديمة والجديدة، في ظل الظروف والأزمات السياسية التي تعصف بواقعنا الحالي، وبواقع الدول الإسلامية، وكيف يمكن لثقافة موسيقية هاجرت مع ممارسيها أن تنفتح على ثقافات موسيقية أخرى مع الاحتفاظ بهويتها.
وشارك في الندوة عدد كبير من الدارسين والمتخصصين من أمثال الفرنسي باسكال كورديريكس رئيس قسم الوثائق الصوتية في المكتبة الوطنية الفرنسية، واللبناني كفاح فاخوري الأمين العام للمجمع العربي للموسيقى من لبنان، والتونسي أنس غراب أستاذ مساعد في المعهد العالي للموسيقى بسوسة، والسورية وعد بوحسون عازفة عود وملحنة ومغنية ومدربة موسيقية، والتركي قدسي أرجونر عازف الناي وأستاذ المولوية التقليدية الصوفي وأستاذ الموسيقى في روتردام والبندقية، والمصري مصطفى سعيد مدير مؤسسة التوثيق والبحث في الموسيقى العربية. وأكد الباحثون في نهاية المؤتمر أن الحفاظ على التراث الموسيقي في عالم الإسلام لا يمكن أن يتحقق دون إرادة سياسي..

 صلاح هاشم
عن جريدة القدس العربي - العدد 9263
الصادر بتاريخ الثلاثاء 2 أغسطس 2018






ليست هناك تعليقات: