موقع " سينما إيزيس " الجديدة في ضيافة سينما إيزيس
أزمة الأحزاب السياسية الغربية والثورة الرقمية
بقلم
نبيل عبد الفتاح
لأحزاب السياسية الكبرى فى الدول الغربية، وغيرها تبدو حاملة أزمات هيكلية فى برامجها، ومع قواعدها الاجتماعية، والأجيال الجديدة التى يتجلى بعض من حيويتها السياسية خارج الأحزاب على نحو ما ظهر فى المواقف السياسية ضد دعم الأحزاب والسياسيين فى الولايات المتحدة من حرب الإبادة على قطاع غزة، وعدم الاقتناع بمبررات ترامب، ونيتانياهو من الحرب على إيران. منذ نهاية الحرب الباردة، وسقوط حائط برلين، وتفكك الإمبراطورية السوفيتية،
وثمة تراجع فى أدوار الأحزاب السياسية الكبرى، ومستويات تكوين، ونوعية قادة الأحزاب، والحكومات والوزراء، والسياسيين فى الدول الديمقراطية الليبرالية التمثيلية، وكذلك فى عديد من دول جنوب العالم،
ومنها الدول العربية التى تشهد حالة مستمرة من موت السياسة منذ ما بعد الاستعمار. السؤال الأساس، لماذا تراجعت الأحزاب السياسية، ومعها مستويات تكوين السياسيين فى الديمقراطيات الغربية التمثيلية؟ أولًا: الأحزاب السياسية، وتطور الرأسمالية والليبرالية: من السمات الحيوية للنظم الليبرالية، وثقافاتها السياسية، ومؤسساتها التمثيلية، التفاعلات مع النظام الرأسمالى وتطوراته التكنولوجية والعلمية، وفى التعليم، وتطور الفكر الفلسفى، والقانونى والسياسى، ومن ثم حالة التفاعلات بين السياسة، والاقتصاد، والتكنولوجيا والبحث العلمى ساهمت فى تطور هياكل ومؤسسات الرأسمالية، والليبرالية، ومن ثم أدت إلى تطور الفكر السياسى والأحزاب وذلك للأسباب التالية: نشأة وتطور المدن الحديثة، والمدن الصناعية، ومن ثم كانت المدن، وتخطيطها، والعلاقة بين الكتل المعمارية، والفراغات، والخصوصية، بيئة معمارية، وسوسيولوجية حاضنة لفكرة الحرية، والتنظيم القانونى، ومن ثم دعم وتأسيس مفهوم الحرية فى الأنظمة المعمارية، ومن ثم ساهمت الرأسمالية والتخطيط العمرانى، فى دعم نشأة الفردانية والفرد، فى إطار التنافس الرأسمالى، - التمايزات القانونية بين الوضعى، وبين ما وراء الوضعى، فى الأنظمة التشريعية، وفى العمل السياسى وبرامج الأحزاب. - نشأة المجال العام السياسى وفضاءاته المفتوحة للتفاعلات بين الأفراد، والأحزاب، وعلى مستوى الاتصالات. - تطورات دولة القانون، ونظم الفصل والتمايز بين السلطات الثلاث، وتوزيع القوة بين السلطات، ومن ثم أدى ذلك إلى رسوخ المؤسسات السياسية، ونشأة المجتمعات المدنية. - ساهم عصر الأيديولوجيات والسرديات الكبرى الماركسية والليبرالية فى قوة ونفوذ الأحزاب السياسية الغربية، لاسيما ما بعد الحرب الثانية، وأيضا أيديولوجيات الطريق اللارأسمالى فى جنوب العالم ما بعد الاستقلال. من ثم كان الصراع الأيديولوجى سمت عالمنا كله، وتداخل بعض الفكر الغربى الفلسفى مع الأيديولوجيا على نحو ما ظهر فى بعض الفكر الفلسفى الفرنسى، والأوروبى. ثانيًا: الحرب الباردة، وتعاظم دور الأحزاب السياسية: - منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، تصاعد وتعاظم الصراع الأيديولوجى بين الأحزاب اليسارية، واليمينية، وأحزاب الوسط فى أوروبا، وذلك فى ظل الصراع بين الكتلة السوفيتية، والكتلة الغربية، وامتداد ذلك إلى ما كان يطلق عليه العالم الثالث. تعاظمت أدوار الأحزاب السياسية الكبرى فى أوروبا فى مجالات التعبئة السياسية، ودورها فى تطوير الوعى السياسى والاجتماعى للأفراد، وداخل الطبقات الاجتماعية العمالية والوسطى وشرائحهم المختلفة. - تحول السرديات الأيديولوجية الكبرى إلى برامج سياسية، واقتصادية، واجتماعية، وإلى سياسات تشريعية وتعليمية فى الحكم، أو من خلال برامج المعارضة. ثالثا: ثورة الطلاب بجامعة السوربون 1968 وتأثيراتها على الأحزاب السياسية، والرأسمالية الأوروبية: شكلت ثورة الطلاب فى جامعة السوربون نقلة نوعية فى الفكر السياسى، والأحزاب، بل وعلى تطور المجتمع الفرنسى والرأسمالية الغربية، وذلك من خلال ما طرحته من أفكار وتغيرات جيلية، كان لها أثرها السياسى، وعلى المجتمع الفرنسى، وذلك على النحو التالي: - طرح التمرد الجيلى لطلاب جامعة السوربون، الخلافات الحادة بين الجيل الشاب، وبين الأجيال الأكبر سنا، فى النظرات إلى الرأسمالية، والقيم الاجتماعية، وهو ما ظهر فى الثورة الجنسية، وبعض الأفكار الماركسية، وبدايات النظرة إلى البيئة، وتحول بعض قادتها إلى زعامات لأحزاب الخضر، بعد نهاية الحرب الباردة فى ألمانيا، وفرنسا. - استطاعت الرأسمالية الأوروبية، والأمريكية بعد ثورة طلاب جامعة كاليفورينا بيركلى والسوربون، فى مواجهة هذه التغيرات الاجتماعية، والجيلية، من خلال سياسات الإنتاج، والاستهلاك المكثف، وتسليع الحياة، والربط ما بين الاستهلاك، والمعنى فى الحياة الفردية داخل المجتمعات الغربية. - مع نهاية الحرب الباردة، صعدت إلى واجهة الأحزاب القيادات السياسية التكنوقراطية ربيبة المصارف الكبرى، والشركات الرأسمالية النيوليبرالية الضخمة، ومن ثم تأثيراتها على هذا النمط من القيادات. - أدت ثورة الاستهلاك المكثف، وتسليع الإنسان، والحياة اليومية إلى تحول حرية الاستهلاك، إلى الحرية الأساسية التى أثرت على النشاط السياسى للأفراد، وعلى مطالبهم، واهتماماتهم السياسية، وأنماط تصويتهم الانتخابى، وبروز ظاهرة اللامبالاة السياسية لدى بعض من شرائح الجماعات التصويتية، فى الانتخابات العامة. رابعًا: الثورة الرقمية والذكاء الاصطناعى والأحزاب السياسية الغربية ومستقبلها الغامض: الثورة الرقمية، والاتصالية وفضاءاتها المفتوحة وحرياتها الواسعة - ورقاباتها المختلفة من الشركات الرقمية النيوليبرالية الكبرى إلى تفاقم أزمة الأحزاب السياسية، وإضعاف تأثيراتها السياسية، وذلك فيما يلي: - مواقع التواصل الاجتماعى، والمجموعات الرقمية باتت تلعب أدوارا واسعة فى التعبئة والحشد السياسى، وتجميع بعض المصالح على الفضاءات الافتراضية ومثالها السترات الصفراء فى فرنسا، وحركة جيل (z) فى المغرب. - وسائل التواصل الاجتماعى باتت تلعب وظيفة توزيع الغضب الاجتماعى والسياسى، وتفريقه. - أدت التغيرات النوعية للذكاء الاصطناعى وتطوراته المتلاحقة إلى تغير فى التعليم، وأسواق العمل، ونهاية بعض الوظائف البيروقراطية، والتكنوقراطية، وهو ما سيشكل ضغوطا على الأحزاب السياسية، والنظام الليبرالى، والرأسمالية النيوليبرالية، وسيفاقم من أزماتها المستقبلية.
بقلم
نبيل عبد الفتاح
نبيل عبد الفتاح كاتب وباحث ومفكر تنويري مصري ومستشار مركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية
عن جريدة الأهرام العدد الصادر بتاريخ الخميس 7 مايو 2026
لباب " مختارات سينما إيزيس "






