الخميس، ديسمبر 18، 2014

فيلم " ماء الفضة " للمخرج السوري الكبير أسامة محمد يخرج للعرض التجاري في فرنسا



فيلم " ماء الفضة " للمخرج السوري الكبير أسامة محمد ووئام سيماف يخرج للعرض التجاري في فرنسا
يوم 17 ديسمبر 2014

بمناسبة خروج الفيلم للعرض التجاري نعيد هنا نشر ماكتبناه عنه فور مشاهدته في مهرجان " كان " السينمائي 67 في جريدة " الوطن " اليومية المصرية

سمك يتظاهر في فيلم " ماء الفضة " مطالبا بإسقاط نظام بشار الأسد
المخرج السوري الكبير أسامة محمد






بقلم
 صلاح هاشم

من أقوى الأفلام «السياسية» المباشرة التى عرضها مهرجان «كان» السينمائى 67،م ضمن قائمة الاختيار الرسمى وخارج المسابقة الرسمية، فيلم «ماء الفضة» ، أو صورة ذاتية لسوريا من إخراج السورى أسامة محمد، والسورية الكردية وئام سيماف ، الذى قدم فى «عرض خاص» فى المهرجان، وأعتبره «تحفة» سينمائية بكل المقاييس وأكثر من فيلم.
إذ يروح أسامة محمد ينسج من فيلمه، الذى ينتمى إلى نوع سينما الحقيقة  "سينما فيريتيه " فى الفيلم التسجيلى، كما فى أفلام الهولندى جوريس إيفانز، والفرنسى جان روش، والروسى ديجا فيرتوف، ولا يهم هنا إن كان ينتمى أو لا ينتمى، فليست هذه هى القضية، المهم أنه قد تحقق ليكون بمثابة «صرخة» مروعة تخاطب ضمير العالم المعطوب، وتدين لا مبالاته.
فيلم حققه «أسامة» وصاحبته السورية الكردية «سيماف» - تعنى بالكردية «ماء الفضة»- ومن هنا عنوان الفيلم الذى يحكى عن صداقة، نشأت على شبكة الإنترنت، بين مخرجنا السورى الهارب من جحيم الحرب ويقيم حالياً فى باريس، بعد أن فُرضت عليه إقامة جبرية، حين عرف أنه هالك لا محالة لو عاد إلى بلده. حققه مع صديقته إذن، ونجحا يقيناً فى أن يجعلا من فيلمهما «صورة» لما يحدث الآن فى أنحاء البلاد، وصورة، من صنع سيماف المخرجة السورية الكردية، لذلك الحصار المرعب فى مدينة حمص، حيث تروح الكلاب تنهش الجثث الملقاة داخل الأحياء المهدمة بأكملها، وعلى رصيف الشوارع المهجورة التى تعبرها الريح.
ومن مخزون الصور التى التقطت للحرب أو الحروب المشتعلة فى سوريا، والثورة على نظام بشار الأسد والمطالبة بإسقاطه، ومن أبرز مشاهد الفيلم مشاهد تعذيب التلميذ السورى الذى يقوم جلادو النظام بتعذيبه بعد أن كتب فى كراسته «الشعب يريد إسقاط النظام»، «أجمل» مشاهد الفيلم، الذى لا نعرف معه إن كان من المناسب هنا استخدام لفظ «أجمل» أو «أبشع»، حين تكون المشاهد الأبشع وليس الأجمل هى المشاهد الغالبة فيه، فلنقل إنه من «أطرف» مشاهد الفيلم التى تحضر، وتبرز فجأة من بين مشاهد السحل والقتل والحبس والتشريد والتعذيب، وكل صور القتل من اختراع زبانية العصور الوسطى، تبرز لقطة لبعض السوريين الذين يتظاهرون تحت الماء، وهم يرتدون ملابس الغطس، ويحملون لافتة مكتوباً عليها «السمك يريد إسقاط النظام»، وهى يقيناً لقطة طريفة ترويحية، تجعلنا نبتسم، بعد أن يكون أسامة وصاحبته قد ألقيا بنا فى جحيم الشارع السورى، ومدنه وأحيائه، وقراه، لنرى صور القتل والدمار والتعذيب والرعب، وانتهيا من صنع فيلمهما، من ألف صورة وصورة من ضمن تلك الصور التى شاهدناها فى «الريبورتاجات» التليفزيونية، ومن الصور الملتقطة لضحايا الحرب من الأطفال والرجال والشيوخ والنساء والأطفال العزل «صور القتيل»، ومن الصور التى التقطها جنود النظام «صور القاتل»، وهم يؤدون واجب القتل والتشريد والهدم والتعذيب وترويع شعب بأكمله.
شعب يأبى أن يترك أو يغادر ويتشبث بوطنه، ويرفض التشريد، مثل السورية الكردية سيماف من حمص التى تتعرف على أسامة محمد بواسطة الإنترنت، وتكتب له عن رغبتها فى صنع فيلم معه عن الحرب، ويكون أول أفلامها، وتطلب منه ماذا يريد أن تصور له بالضبط، فيطلب منها أن تصور له كل شىء فى حمص تحت الحصار والدمار.
ومن خلال ألف صورة وصورة، ونحن نسمع صوت أسامة محمد يحكى ويعلق، يكتب ويشطب ويمسح على «سبورة» الشاشة، كما فعل جودار فى بعض أفلامه كما فى فيلم «الصينية» أو «ثلاثة أشياء أعرفها عنها»، يكتب ويطلب أسامة من سيماف أن تكتب أيضاً، فالكتابة مثلها مثل الصورة هى «شهادة» ضرورية، بكل امتداداتها ودلالاتها الروحانية، بل ويطلب ألا تهجر سيماف الكتابة ويجادلنا ويتهم ذاته بأنه قد خان، وتتابع وتتراكم مشاهد الفيلم، بالإضافة إلى اللقطات التى صورها أسامة واللقطات التى صورتها سيماف لحصار حمص الدموى المدمر، بل لقد صورت سيماف نفسها أثناء إجراء عملية جراحية لها، حيث نراها وطبيب يقوم بتخييط جرحها من دون بنج أو مخدر، صورت كل شىء كما طلب أسامة لتجعل الكاميرا امتداداً للحواس، وتلك العين التى ترى المدينة وتتجول مع أطفالها، وتضع الزهور على شواهد قبور الآباء والأمهات، وتتجول مع طفل وهو يحاول الهروب من بندقية قنّاص، وتجعلنا نتعرف على أطفال حمص الذين جمعتهم سيماف وأنشأت لهم مدرسة، وتتراكم طبقات الصور مثل رف، طبقة فوق طبقة، وتصبح هرماً من طبقات من الصور المرعبة المخيفة التى تسكن ذاكرتك، مثل الكوابيس المرعبة المخيفة التى تجعلنا ومعها، إما أن نغادر الصالة، وقد فعلها البعض وخرجوا بالفعل، أعنى بعض المشاهدين، فى التو، ولم يقدروا على تحملها بعد أن وضعنا أسامة بفيلمه فى قلب الدمار والرعب، وإما أن نتجمد ولا نستطيع أن نغادر ونشارك أسامة محمد صرخته ونداءه.
يقول أسامة محمد عن فيلمه: «فى سوريا هناك أناس يصورون ويموتون كل يوم، وهناك أيضاً أناس يَقتلون، ثم يصورون ضحاياهم وقتلاهم كل يوم أيضاً، وقد صنعت فيلمى من «سينما القتيل» ومن «سينما القاتل»، وحيث إنى لم أكن قادراً فى باريس على عمل أى شىء سوى تصوير السماء، فإنى اهتديت بحبى لبلدى سوريا إلى عمل مونتاج لكل الصور التى وصلتنى، وصنع «بورتريه» لسوريا الآن، ولذلك فالفيلم يحكى من خلال علاقة الصداقة التى نشأت وتطورت وتوطدت مع ويام سيماف قصة الدمار المرعب الذى لحق بهذا البلد، وقصة صنع هذا الفيلم الرائع الباهر الذى يمكن اعتباره وثيقة على هلاك شعب وأمة على يد الرئيس بشار الأسد ونظامه».
«مياه فضة» هو درس فى السينما العظيمة، بلغة الصورة، ومن دون أن ننسى الموسيقى أو شريط الصوت الفاعل المؤثر الذى وجدناه أشبه ما يكون بالمبرد الذى يقوم بسن سكاكين الصور فى الفيلم، فيعمق من أثرها ويزيد من تأثيراتها وحدتها.
الفيلم علامة من علامات السينما الوثائقية العربية الجديدة، وعلامة أيضاً على دخولها عصراً جديداً، عصراً تقترب فيه هذه السينما أكثر من الشعر، وروح القصائد الروحانية الكبرى ، ولذا يستحق المشاهدة وعن جدارة، فلا تترك فرصة مشاهدته إن كنت في باريس تفتك ابدا.
صلاح هاشم
عن جريدة الوطن المصرية

ليست هناك تعليقات: