الثلاثاء، يونيو 16، 2009

محمد ناجي " مقام " الحياة الاحتراق بالكتابة بقلم صلاح هاشم




مختارات ايزيس



محمد ناجي : " مقام " الحياة ، الاحتراق بالكتابة



استهلال

بقلم صلاح هاشم


تري ما الذي يجعل من اعمال الروائي الصديق محمد ناجي ، نماذج متفردة من الرواية المصرية الجديدة ؟

يكمن سحر تلك الاعمال التي اعتبرها بمثابة فيتامينات مغذية ومحفزة علي الابداع ، يكمن في فنها وتكويناتها وشخصياتها وسحر لغتها الادبية الجزلة ، وتفردها عبر محاولات ناجي في الولوغ في طاسة اللغة ، لكي يفهم علي دماغها ، ويعب من سحرها ، ويصنع لها عند الاستخدام ، طريقة خاصة في العرض ، لكي تكون حتي وهي تصف لنا شخصيات اعماله ، وقبل ان تجعلها تنطق بذلك الكلام الذي يدوخنا تكون طقسا سحريا ، يكمن في بحث ناجي التواصل في كل لحظة مع تللك اللغة السحرية ، التي تشكل فكرنا ووجدانا ، ذاكرتنا وهويتنا ، ولا عجب ان يكون ناجي قد بدأ علي سكة الابداع شاعرا ، وأرجو ان تكون اشعاره المنشورة هنا ، ارجو ان تساعد علي فهم وتمثل هذا الكلام عن علاقته باللغة، تللك اللغة الجميلة الحلوة التي لا نشبع منها ، لغته ، والتي ستجدها هنا في أشعاره التي كان يرددها علينا اثناء فترة دراستنا في كلية الآداب في زمن الستينيات

وكانت شلتنا في ذلك الوقت تضم شعراء وكتاب قصة قصيرة ومهووسين بالسينما وكتاب مسرح ، وكانت تجتمع عند صديقنا المرحوم محمد الفيل زميلنا في الكلية الذي يسكن عابدين و كانت تضم شعراء وكتاب ومحبين وعاشقين مثل لشاعر محمد ناجي و سامي الزاز وعبد العظيم الورداني ومحمد سيف واسامة الغزولي ونجيب شهاب الدين وكان عم عبد الفتاح الجمل ينشر لنا قصصنا واشعارنا و كذلك ترجماتنا للاعمال التي نحبها في جريدة " المساء " ، لهرمن هسه وكافكا وهوشي منه وهيمنجواي وطاغور وغيرهم ، وكان يسبنا ويشتمنا ويلعننا لشقاوتنا ، لكنه كان يحبنا ويحترمنا في ذات الوقت ، كان يشتمنا ويحسدنا في آن لانه لم يشهد جيلا قلقا متمردا ومقبلا علي التهام الحياة مثل زوربا اليوناني من اعمال نيكوس كازانتزاكيس في الادب ومايكل كا كويانس في السينما ، مثل جيلنا

وكان عم عبد الفتاح يحترم اعمالنا وينشرها ، وكانت الحياة الثقافية والابداعية في مصر آنذاك تتوهج بكتابات جديدة، يعني كانت أيام، اجمل ايام عمرنا، حتي صارت مثل تلك " الاساطير " التي يخترعها ناجي - من حقنا - في رواياته الواقعية الشاعرية الجميل

ويمكن ان نقول ان ناجي قد " فاض شعرا " في تللك الاعمال الروائية الجديدة التي اتمثلها عند الالتهام كما لو كانت بل هي امتدادات روحانية ونفسانية لذلك الجيل الذي ننتمي اليه والذي ساهم ايضا في صنعها بكتاباته ، كما في مجموعة " الحصان الابيض " مثلا ، وساعد بشخصياته وهمومه وقلقه في خلق تلك " الاجواء " التي ساعدت علي خلق المناخ الذي طلعت منه ، ويكتب هنا عنه ناجي في مقاله عن " لكتابة صنعة قلق " - انظر عدد يونيو من مجلة " الكلمة " التي يصدرها د صبري حافظ علي الانترنت - كما يتحدث عنه في تلك الحوارات معه التي ننشرها هنا في " مختارات ايزيس "

وتتحدث عن جيلنا وشلتنا ، وهي نفس الموضوعات الهمومية والابداعية في قلب حياتنا ، والواقع الثقافي في مصر الآن ، وكذلك " الجديد " الذي نحاول مع محمد ناجي وآخرون الاسهام في صنعه باعمالنا الابداعية ان رواية او قصة ان قصيدة او فيلم، فالجديد آت آت لا محالة

بعدما اخترنا بحريتنا ان نكون في " الكتابة " ، وان نكون في الاشتغال بذلك الحريق الكبير- القلق - نثرا وشعرا وسينما ، لكي نولد في قلب اللهب كالعنقاء من جديد

يكمن سحر تلك الاعمال لمحمد ناجي ، في تلك الاسرار والاحاجي والانوار التي يخفيها بحذق ومهارة بين سطور اعماله كما في روايته او بالاحري رائعته " خافية قمر " وتلك الروايات التي تنهل من الواقع ، ثم تعيد صياغته وتشكيله براحتها

وتحقق له ابعاده وامتداداته الاسطورية والروحانية والميتافيزيقية ، في ذاكرة ناجي والذاكرة الجمعية الاسطورية للشعب المصري، كما في سر " العتبة القزاز والسلم النايلو " التي يشرح لنا ناجي اصلها وفصلها وسرها ، ومن ثم فهي طرح تساؤلات بخصوص الواقع المتغير الذي تشهده مصر البلاد، وتشتعل بقلق الكتابة ، الذي هو ايضا قطعة من الهم الكبير ، هم الناس في مصر ، في عيش انساني بسيط وكريم ، وحقهم في الاستمتاع بالحياة ، بالفتها وغبطتها ، في بر مصر العامرة بالخلق والناس الطيبين

وتحية الي ناجي علي رواياته ، التي تصبح بعد التهامها ، تصبح في التو قطعة منا ، من دمنا ولحمنا ، تصبح حين نعجب بها كما يقول المفكر والمخرج السينمائي الفرنسي الكبير جان لوك جودار كما في الافلام السينمائية لعظيمة، تصبح أكبر منا

وانا والله اتعجب واتساءل ، متي تخرج في اعمال سينمائية مصرية ملهمة ياناس ويا وسط سينمائي مصري تافه وراكد وآسن ، متي ؟ ؟ تري هل يسمعنا أحد ؟ ؟


حسنا ..اترككم الآن بعد هذا " الاستهلال " مع احاديث ناجي





*




الشاعر السري.. والروائي المعلن "محمد ناجي" بعد صدور الأفندي:



الكتابة احتراق!


حــوار:

أحمد وائل

صحيفة أخبار الأدب ـ الأحد 10 مايو 1909

إجراء حوار مع الروائي محمد ناجي أمر مربك، فهو كاتب قلق ـ علي حد تعبيره ـ "لا يمكن أن أصل إلي يقين إذا كان كل شئ مشكوك فيه".. حينما ينتهي من عمل يتركه لفترة مثلما حدث في عمله الأخير الذي لم ينشر حتي الآن "ليلة سفر" ثم يتركه لفترة، خلال هذه الفترة بين الكتابة والمراجعة، من الممكن أن يبدأ عملاً جديداً. القلق إذن وما يثيره من أسئلة هما جوهر عالمه الروائي.

خلال حديثنا معه يتساءل عن موقع العلم في الأدب: "حينما أكتشف العلم أن الضوء ليس مساحة متماسكة ظهرت المدرسة التأثيرية في الرسم.. أين هذا التأثير في أدبنا.. نحن لا نتابع بشكل جيد".

من ناحية أخري يصعب تصنيف محمد ناجي في جيل محدد، هو نفسه يقول: "لم يكن هناك جيل إلا جيل الستينيات، هم الجيل الوحيد الذي تواجدت مساحات للتقارب في أعمالهم "..

كما يختلط الحديث مع ناجي بين الرواية والشعر، حيث تتداخل تجربة "نيكوس كازنتزاكس"، الذي يعتبره روائيا لم ينل حقه من التكريم والاحتفاء، مع تجربة "ت. س. أليوت" الشعرية، وتتمازج تجربة جيل الستينات في الرواية مع قصيدة السياب وصلاح عبد الصبور.. شغف الروائي بالشعر لا يتركه للحظة دون أن يعقد هذه المقاربات.. في السطور التالية تفتح "أخبار الأدب" حوارا هادئا مع صاحب "الأفندي".

***

في البداية أقول له:" بدأت بكتابة الشعر"

(يضحك) ثم يقول: "نعم، ولا أزال أكتبه حتي الآن، ولكني لا أنشره..

أقول له:»هي هواية سرية إذن؟"

فيجيب: "نحن لدينا الكثير من الشعراء، لكن هل تتذكر قصيدة واحدة، بل بيتا واحدا مما كتب مؤخرا؟!..محمد عفيفي مطر، علي سبيل المثال، موجود في متن الإبداع، هو متواجد في شعره، لكنه تواري عن المشهد، وليس عن الإبداع. أين الشعراء :محمد سليمان، شعبان يوسف، عماد أبو صالح من المشهد الثقافي؟ لا توجد حياة ثقافية متكاملة.. نحن نعيش في سرادق منصوب لا يحتوي علي فاعليات حقيقية، والأكثر حضورا ما يغلب عليه الخفة. لا توجد حياة ثقافية ولا علمية فاعلة، وعلينا هنا أن نفرق بين إنتاج الثقافة، وبين فاعليتها وتأثيرها. نعم لدينا طاقات إبداعية كبيرة وكثيرة في الأدب والفن والفكر والعلم، لكن هؤلاء فاعليتهم محدودة، ومعزولون عن سياق الحياة. هم مثل الأصابع الجميلة في يد مشلولة. عندما يفلت مبدع ويحصل علي تقدير عالمي مثل نوبل، نكتفي بتعليقه علي صدورنا كوسام معدني، نجيب محفوظ علي سبيل المثال وردة في عروة الجاكتة، وأحمد زويل "فُرْجَة" في الفضائيات، دون أن تحرص أي جهة رسمية علي الاستفادة من علمه".

* وما أسباب ذلك؟

أظن أن هناك ثلاثة أسباب، أولها تآكل فاعلية ما يسمي "الطبقة الوسطي"، وثانيها أن السلطات العربية ترفض الشرائح المستنيرة من المثقفين، باعتبارهم غير متفهمين لدور سلطة المال في قيادة التغيير، ولضرورة التنازلات السياسية في عصر العولمة. وثالثها أن الناس لا توفر لهذه الشرائح مناخا حاضنا، لانشغالهم المضني بتدبير أمور المعاش. أصبح المثقف الآن بين خيارين، التوظيف أو التهميش.

* هل تري أن المشكلة في النقد ؟

(يجيب بشكل قاطع): لا، نحن لدينا نقاد جيدون، لكن لا توجد ـ أيضا ـ حياة نقدية.

***

ينسج محمد ناجي عالمه الروائي الخاص، علي عدة مستويات، أهمها البنية. روايته الأولي، "خافية قمر" (1994)، استقام بنيانها علي ثلاث مقدمات، لا توجد فصول، بل مقدمات فقط. وفي "مقامات عربية" (1999) يصنع عالما من الظلال، ففي الرواية نجد أنفسنا أمام جماعة تستكين لحكم الظل".. لجملة المفتاح في هذه الرواية: "لا تقل لظلك بم"..

* أسأله: هل تنشغل بتقديم بنية مختلفة في كل عمل أو بمعني آخر هل لا تزال تبحث عن البنية المناسبة؟

يجيب:"كل كتابة بما تحمله من أسئلة وذائقة وثقافة تفرض شكلها ولغتها.. بمعني أن الكتابة لا تستدعي التعسف بفرض بنية نظرية علي العمل، وإنما تتشكل البنية تلقائيا أو عفويا حسب هم الكاتب والموضوع. في "خافية قمر" مثلا أنهيت العمل بمقدمة علي إعتبار أن القارئ عليه أن يكمل من عنده، وبالمثل كان البناء في "مقامات عربية" إفرازا حتميا لموضوع الرواية، التي تتناول الوضع العربي في فترة كتابتها، وثمة محاذير كثيرة عند تناول هذا الموضوع بشكل صريح، فكان لابد من التعبير عن ذلك بتاريخ وهمي."

الإكتفاء بهذه الأسباب سيجعل هذه الكتابة رمزية، بمعني أن العمل نفسه لم يعتمد علي التورية والرمز فحسب!.. لذا يستدرك ناجي قائلا :"انشغلت في هذا العمل بتقديم معادل موضوعي للواقع، من خلال تاريخ وهمي يسجل وقائع حياة أمراء وسلاطين وملوك، وفي جزء من الرواية كنت مشغول بمحاورة التراث، مثل الكلمات العامية ذات الأصل الفصيح، أو أسلوب المقامة العربية."

* هل وازنت بين الرمز والإمتاع؟

حاولت أن يكون عالما قائما بذاته..بمعني أن يكون الرمز معادلا موضوعيا للواقع، وبالتالي يكون عالم الرواية مكتمل في ذاته، وفي الوقت نفسه يطرح هموم وأسئلة الواقع. أما بالنسبة للمتعة فأنا أري أن الكاتب لابد أن يستمتع بما يكتب، وعليه أن ينقل المتعة لمن يقرأ، لأن الروائي فنان مثل عازف الكمان، عنصر المتعة ضروري له عند العزف وبدونه لا مبرر للكتابة..

* أسأله: هل ترفض الكتابة الرمزية؟

فيجيب : "أرفض الرمز باعتباره تكوينا لحكم مسبق، بمعني أن المومس، مثلا، ترمز إلي نموذج إنساني مكروه، في حين أنني عندما قدمتها ـ مثلا ـ في "الأفندي" كانت المومس، نازك، أكثر الشخصيات إنسانية. أنت لا تحمل إدانة لها عند القراءة، أي أن رمز المومس حمل دلالة أخري حسب سياق العمل".

* لا تزال تؤمن بأن الكاتب لديه مسئولية ثقافية وإجتماعية!؟

أميل إلي الاعتقاد بأن الكتابة عمل ينطوي علي انغماس في الحياة، وانشغال بالتفاصيل والناس والأحداث والمسارات والأسئلة، وإلا فلماذا نكتب؟. يصعب أن أتصور إن الكتابة يمكن أن تأتي من ذهن فارغ، وذاكرة مجدبة، وبصيرة هامدة، ومشاعر ساكنة، أو إنها تأتي من الكتب فقط. الكتابة هي احتراق بالحياة، ولا يمكن أن يكون الكاتب متفرجا سلبيا غير متورط في ألعاب الحياة.

لا بد أن تكون للأديب رؤية سياسية ومواقف من قضايا الناس والانسانية، دون أن يعني ذلك انصياعه لإملاءات سياسية وجمالية وثقافية ومعرفية. بالطبع لي انحيازات ورؤي سياسية لكنني أنفر من القيود والطقوس والتراتبات الحزبية، والأدب عموما ليس "مكملا غذائيا" لسياسات حزبية ـ ولا أقول لاتجاه سياسي، وموقف الكاتب يظهر في أعماله، فهو لا يمارس الرفض في الخفاء بل ينشر أعماله، ويناقش ويتفاعل.

* هل تراهن على الشخصيات فى تكوين عالمك الروائى؟

ربما؛ فالإنسان محور العالم الذي نعيشه. هو العين التي تري، واليد التي تفعل، والدماغ الذي يفكِّر ويدبِّر ويتصور، والوجدان الذي يحس ويقلق ويحلم، ولا وجود للزمان والمكان خارج الوعي البشري. ثم لا تنس أن الإنسان هو الكاتب والقارئ أيضا، ويمكننا أن نعرِّفه بأنه "حيوان كاتب قارئ".

* هل تشغلك فكرة تعلّق القارئ بالشخصيات؟

يهمني في الأساس أن أحسن تقديمها، وأن أقنع القارئ بوجودها، وأن أكون علي وعي بتكوينها ودوافعها وأسئلتها، وأن أشرح ظروفها دون تجريح لإنسانيتها، وذلك لا يعني مطلقاً تبني مواقفها وكلامها. أما تعلق القارئ بها فذلك متروك لكل قارئ ،حسب تكوينه الاجتماعي والمعرفي والأخلاقي، وحسب أسئلته وانشغالاته وتحيزاته.

* أنت من مواليد الغربية، لكنك لم تنشغل بتناول عالم الريف، ما أسباب ذلك؟

عشت في القاهرة أكثر مما عشت في الريف، وحتي الريف الذي عشته كان له طابع مختلف عن القري، إذ توزعت طفولتي بين مدينتين كبيرتين في الدلتا، هما "سمنود" في الغربية و"أبوحماد" في الشرقية، وكانت المدينتان أخلاطا من عالمي الريف والمدينة.

كنت بحكم تكويني الاجتماعي وبحكم خصوصيتي كتلميذ وبطبيعة المرحلة السياسية، أكثر انتباها وانجذابا لنداءات المدينة. أعترف انني انتبهت للريف بشدة بعد اسقراري تماما في المدينة، وربما كان ذلك بحكم الاحباطات الهائلة التي جرعتنا اياها المدينة ـ بمعناها الحضاري والمعرفي والقيمي ـ منذ منتصف سبعينيات القرن الماضي وما تلاها.

كتبت عن الريف الذي أعرفه، وستجد شيئا من ذلك في "خافية قمر"، وكتبت عن المدينة التي عرفتها، وستجد ذلك في "رجل أبله.. امرأة تافهة" و"لأفندي".. أحاول دائما أن أكتب عما أعرف تفاصيله وأسئلته.

* لكنك لم تهتم بتعيين أو تحديد المكان بشكل واقعي!

يشغلني دائما رصد التحولات السياسية والإقتصادية التي نعيشها في العقود الأخيرة، وما تثيره من قضايا وإشكاليات علي كل المستويات الإجتماعية والمعرفية والأخلاقية، لذلك تجد الشخصيات في حالات تحول، والمكان في حالة »هدد«، أو هو أشتات من تصورات ضبابية لم تستقر ملامحها بعد.

لا أهتم بالوقائعية التاريخية، ولا بالواقعية الجغرافية وتفاصيل المكان، فلست "مسجلاتي" لوقائع وبيانات، تكفي الإشارة إلي جزئية في المكان تنشر في الرواية معني أريده.علي سبيل المثال حارة "قصر البنات" في رواية "العايقة بنت الزين" لا توجد في نفس المنطقة الجغرافية التي أشرت إليها، ولا توجد أيضا قرب القلعة بوابة فرعونية قديمة كما أشرت في الرواية. أفضل أن ابتكر المكان كما ابتكر شخصياتي، وبما يناسب أسئلتي. ولابد بالضرورة أن تحمل الشخصيات وأطياف الأماكن التي أؤلفها ظلالا من الواقع، ومهما حلقت جناح الخيال عاليا فلابد أن يحمل ريشه ألوان الواقع بزهوها وقتامتها.

في رواية "مقامات عربية" المكان متخيل من أساسه، كذلك التاريخ الذي تحكيه الرواية هو صنعة خيال خالصة، لكنني أظن أن كل المتخيل في المكان والشخصيات يمثل معادلاً موضوعياً لهموم الواقع وأسئلته، هو في النهاية انعكاس لعالم أكبر موجود في الزمان والمكان الذي أعيشه.

* هل يعني ذلك الاعتماد أو الانحياز إلي الخيال أكثر من الواقع؟

سؤالك يعني أنك تضع الخيال في مواجهة الواقع وتجعله نقيضا له، وهو أمر لا أوافقك عليه، فالخيال عملية عقلية في الأساس، وهو محصلة لتفاعل الوعي والمشاعر مع الواقع، وهو أيضا يرتب لنا الأولويات، فخيالنا لا يسرح إلا مع ما يهمنا أكثر، وأقصد هنا الخيال المبدع وليس الخيال الناتج عن خلل عقلي.

الخيال الابداعي لا يبعدنا عن حديث الواقع، وإنما يجعلنا أكثر قدرة علي مقاربته بشكل ما. وهو ليس ترفا عبثيا، وإنما ضرورة إنسانية للابتكار والتغيير والإنجاز.

***

* نشرت روايتك الأولي في التسعينيات، في فترة ركزت علي كتابة الذات، لكنك تناولت الذات بشكل مختلف.. هل تعتبر كتابتك ذاتية؟

الذات عندي "نحن". أتخيل أن الكتابة تطمح لأن يكون لها فاعلية عامة.. لهذا فإن الكتابة تعبير عن ذات المبدع والذوات المحيطة به، فأنا لا أزال أري أن الكتابة عملية تواصل لابد أن تحقق فاعلية ما. رواية جيل الستينيات، علي سبيل المثال، احتوت علي إنقلاب، أو "نزوع إنقلابي"، علي الشكل الثقافي والسياسي الاجتماعي. بعد النكسة، يونيو 1967، كان لابد من وجود تيار إصلاحي يرمم البناء، هذا التيار تمثل في أعمال نجيب محفوظ وفتحي غانم، ولكن هذه الاعمال كانت تمثل تيارا مستقرا، فكانت كتابة لها استقرار معرفي وجمالي. تختلف كتابة غانم ومحفوظ عن كتابة جيل الستينيات، الأخيرة كانت تقدم إنقلاباً علي الكتابات المستقرة، تلك الأعمال المبنية علي عدم استقرار،معرفي وجمالي، كأنها كانت تستند علي برنامج مكتوب، أو تم الإتفاق عليه بالمصادفة.

يقول عفيفي مطر في أحدي قصائده " ليس المهم أن نرقع الثوب/ لكن المهم أن نستبدل الجسد".. الخلاصة أنه لم يعد هناك هذا الإتفاق المعرفي، بل لم يعد أمامك في عصر إنتهاء الأيديولوجيات الكبري إلا أن تبدأ من الأول، تحمل أسئلتك علي كتفك وتمضي للكتابة.. فلم يعد من الممكن أن نلفق يقينا.

* هل تري أن التمرد هو ما يصنع الكتابة؟

لا، بل القلق هو ما يصنع النقلات في تاريخ الكتابة، قد يعتبر البعض أن تلستوي كاتبا كلاسيكيا، لكنه كان يصنع القلق، فقد كان رجلا إقطاعيا متخوفاً، وقلقاً، علي مستقبل طبقته بسبب أخلاقها..لهذا كتب »آنا كارنينا«، وبالمثل لولا قلق السياب وعبد الصبور ما أنتجت قصيدة التفعيلة، ودون قلق أدونيس والخال ما جاءت قصيدة النثر، ولولا جيل الستينيات ما كنا خرجنا من عباءة الرواية الكلاسيكية.

الشاعر السري!

ما بين الستينيات والسبعينيات كانت هناك مجموعة من الشعراء، من بينهم شعراء عامية مثل: أسامة الغزولي، نجيب شهاب الدين، ومحمد سيف، أما شعراء فصحي فهم : محمد صالح، فتحي فرغلي، ومحمد ناجي (يعلق: أضع نفسي بينهم بتواضع). لم تستقر هذه المجموعة في المتن الشعري، ربما لإنها جاءت في لحظة "فوران".. يتابع ناجي: "طوي هذه المجموعة ضجيج القصيدة السبعينية، كان لها ضجيج خاص انتهي _ في تقديري- إلي إضعاف العلاقة ما بين الشاعر والجمهور..كانت هذه المجموعة محملة بأسئلة، فاحتفظت بالصمت طويلا، وغابت اسماء مهمة مثل نجيب شهاب الدين. بعض هؤلاء الشعراء كانت لديه الجرأة ليطرح نفسه، بما عنده من إجابات، بقوة وعبر حلقات قوية ضمنت سيطرته علي المشهد الشعري". * * ما هو موقعك من هذه المجموعة؟

يجيب:" كان عندي طموح إلي الوصول إلي قصيدة دراما عربية، تسير علي نهج القصيدة التي وضع بذرتها بدر شاكر السياب وأدونيس، وهذا الطموح هو ما قادني إلي كتابة الرواية، لأنها تسمح بعرض الأسئلة وتعدد زوايا الرؤية وهذا الأسلوب الذي أري أنه مناسب لعصر طرح الأسئلة الكبري"

هل لم يحقق الشعر لك ذلك، وكيف كان انتقالك إلي الرواية؟

بدأت تدريباتي الشعرية مبكرا جدا. كنت شاعر مناسبات حتي نهاية المرحلة الثانوية، ألقي قصائدي الوطنية في طابور المدرسة، وفي الجامعة صرت شاعرا عاطفيا. وبعد النكسة التي وافقت ثالث سنواتي في الجامعة بدأت مسيرة شعرية مختلفة، ونشرت قليلا من أشعاري في مجلات "المجلة" و"الآداب"« و"الفكر المعاصر" و"الثقافة الجديدة". وفي فترة الخدمة العسكرية بين عامي1969 و1974 أحسست أن الميراث الغنائي للقصيدة العربية يعوقها عن التعبير عن دراما حياتنا، فبدأت تحويل تركيزي تدريجيا إلي الرواية. تدريباتي القصصية والروائية بدأت مبكرا أيضا، ومازلت أحتفظ بتجاربي الساذجة في المرحلة الإعدادية.

* كيف تري الشعر الآن؟

لدينا شعراء عظام، لكن لا توجد أي فاعليه للشعر في حياتنا. صحيح أن هناك استثناءات قليلة، مثل الشاعرين الكبيرين عبد الرحمن الأبنودي وسيد حجاب، لكن فاعليتهما راجعة أكثر لارتباطهما بالغناء، دون أن يقلل ذلك من عبقريتهما وتفردهما. أين عفيفي مطر ومحمد سليمان وعماد أبو صالح وكثيرون غيرهم في المشهد الثقافي الراهن؟!.. أظن أن أمة لا تعرف شعراءها تثير علامات استفهام كثيرة، هي علي الأرجح أمة عليلة روحيا وعاطفيا ومعرفيا.

* وهل ستنشر أعمالك الشعرية؟

اتمني أن يحدث ذلك قريبا.

* منذ أيام اعدمت الهيئة العامة للكتاب، مشروع مكتبة الأسرة، طبعتها لروايتك "الأفندي" بسبب مشكلات في طباعة دار الهلال، هل تفكر في تغيير الناشر؟

هذا عمل يستحق الإشادة، فالأخطاء المطبعية تضع الكاتب في حرج كبير، وأطالب الناشرين بإن يوكلوا المراجعة النهائية والأخيرة إلي كاتب النص.

* ماذا عن أعمالك القادمة، وماذا تكتب حاليا؟

أتأهب لنشر رواية بعنوان "ليلة سفر"، وأكتب عملا جديدا بعنوان "الفتاة العاملة".

قصائد

محمد ناجي


كتاب الخريف

(1)

الحيض فى الغمامة الصبية

يرعدُ:

ـ "يا باكورة السماء

تنزَّلى..."

والنسمُ الشرقبة

دفٌ وأعراسٌ على مداخل المساء.

(ليلتها ونزل البلاد

فى شعره الكرم وفى يمينه الأقلام

علّق فوق سرّتى قنديله وقام

يقرأ طول الليل فى كتاب الصبح والغرام

يقول: "كونى نهرا وشجرا كثيرا

يسكنه الطير وتأوى عند ظلّه الأغنام".

قال، وأغمضت عيونها الحراس

وابتدأ الزمان.

فى الصيف كان قمرى تماما

يكتب فى اللوح ويقرأ الأحلام

ـ ابن من الغلام

ابن من الغلام؟)

(2)

طلع المغنى السلّم الحرير

نزل المغنى السلم السلطانى

مرَّ على بوابة البستان

غناؤه؛

هجَّت طيور السعد والتمنى

مرّ على الأسواق؛ قالت اليتامى:

ـ نسيتنا؟!

وشقّت الغمامة

قميصها

وأمه تصيح فى الأسواق: "يا غلامى

ذبحت طيرى وكسرت دورقى

يا ابن الليالى السود ما غرّك بالعثمانى؟!".

***

طلع المغنى السلم السلطانى

نزل المغنى؛

نزل الخريف

ديارنا

مدَّ علينا سيفه ارتعشنا

كرّت علينا ريحه

طيّرك الخوف على سريرى.

سمعت فى سرّى غناءك الحرام

يدور ما خلف الشبابيك

يمد عينيه من الطيقان

فى الحلم أعطيتك خاتمى وقلبى

قلتُ: "اطلبى"

تمنيتِ على الله هوى وطفلا

أقول: "ياأختى هو الليل على أبوابنا فنامى

جفّت فوانيس الهوى فنامى

يروح عام ويؤوب عام

وأنت صمت فى سريرى،

وأنا..."

فى آخر الليل أضم جفنيك على عيونى

تسكن أغنامى إلى أغنامك العجاف.

( 1968)

مرثية

يرقد الأمراء على فوهات البنادق خلف حدود السماوات

ذا شفق تتخبط فى دمه القبّرات

وذى طلقة تتقلب فى باطن القلبِ

سبع ليال وتنقر أجفانه الطير

تأتى ذئاب الرياح

تعضّ الأصابع

تلعق أشداقه

ثم تنفخ أحشاءه بالظلام.

ليال..

وتأتى الغمائم بيضاء بيضاء

والأمراء يسوقون قطعانها

وكلاب القبيلة عمياء

تنبح خلف الحداء وتركض.

ثم

يكون

ظلام

على

الأرض

ليس سوى فوهات البنادق تلمع خلف حدود السماوات

ليس سوى طلقة تتقلب فى باطن القلب،

بعض غبار.

(مقطع من قصيدة بعنوان "المراثي" 1979 )

فخاخ

الراسيات السفن يرشحن ملالة علي شواطئ القلب ويشّاكين؛ لم يمسكن عن قلبي، ولكن السماوات أسنَّ والأرضين.

الراسيات السفن كن في باكورالعهد بوارج الحسن، لهن في حدائق البحر المواعيد، وهنَّ هنَّ حين أفل العهد بغايا البحر، يستخفين بين المد والجزر، وينصبن فخاخ الظن للمسافرين.

الراسيات السفن؛

هاهنا كانت عصا القائد والشارة، وهنا خرائط البحر. هنا جلست تقرأ الريح، وفوقه أغفيت، لم يطمس حروفَك الماءُ، ولم يفتك في نومك ما يفوت القوم في الصحو، فهل تري تذكر، هل تذكر؟

هناك أحببتك..

كنت طفلة، وكان كرسيك فوق حافة الموج، رأيتُ المدن تطوي، وحلمتُ عند ركبتيك بالمدن التي تنهض في الأفق. تراها تنهض الآن؟..

وهل ترانا نستطيع مرة أخري؟

(مقطع من قصيدة بعنوان "مزامير بحرية" 1982 )

دوار

بنا خبل من بنات الملوك

يراودننا

ثم ينكصن في لجة البحر

يمضين في خافيات القرار

نصبنا لهن فخاخ الهوي

ولبثنا علي زبد الشوق حتي فوات النهار

هو الليل غلّقت الريح أبوابها

واستدارت علي ساكنيها البحار

وليس سوي فرجة تتقلّب في باطن اليم

تلتمُّ قبل تنمُّ

وتسلم أعيننا للدوار

(مقطع من قصيدة بعنوان "مرايا الخبل" 2007)

الرقصة الغجرية

راحلون،

مطاياهم الريح

أحداقهم شفـقٌ

وغبار قوافلهم سحبٌ

يضرب البرقُ أعطافَها فيسيل الغناء.

راحلون إلي بلد ليس تدركه الآه؛

أواه يا بلد الوعد أواه

ليس إلا سرابا يداعب أشواقهم

يتخطّف أبصارهم في عراء الفضاء.

راحلون؛

أنا خلف أشواقهـم راحـلٌ

أتسمّع بوح الخلاخيل في الرقصة الغجرية

أسكن آهاتهم

ثم أصعدها سلما للسماء.

"أعطيت قنديلى.. ومت"

ــــــــــ


-------------------------------------

حوار 2


الروائى: محمد ناجى

ــــــــــ

مجلة "الثقافة الجديدة" يونيو 2009

كنت طالبا فى جامعة القاهرة عندما وقعت حرب 1967، وكانت فترة امتحانات. ايقظتنى أصوات مدفعية مضادة للطائرات فعرفت أنها الحرب، كان الأمر متوقعا.

كنا تلقينا قبل الامتحانات فترة "تربية عسكرية" مكثفة؛ "صفا.. وانتباه" و"سريعا مارش"، مع تدريب نظرى على إطلاق النار من بنادق نصف آلية.

توقفت الامتحانات طبعا، وسافرت ـ حسب تعليمات التربية العسكرية ـ إلى الزقازيق؛ لتسليم نفسى إلى أقرب "مركز تعبئة" لمحل إقامة الأسرة. وجدت مركز التعبئة مغلقا، فواصلت طريقى إلى "أبو حماد" حيث أقيم.

كانت المشاهد التى نراها مقلقة، جنود عائدون من خطوط القتال، وأسر مهاجرة من مدن القناة بما خف من الملابس والمتاع. خرجت مع الناس ننتظر العائدين والمهاجرين فى القطارات المكدسة. تولى الجميع تضميد جراح الجنود وإطعامهم واعطاءهم الملابس، وصحبوا المهاجرين إلى بيوتهم.

مشهد نادر للتلاحم عشته فى "أبو حماد"، أقرب مدن الشرقية إلى القناة، والتى عاشت ضجيج الحروب وبروقها والآمها دون أن تكتوى بنيران معاركها، لكنها جسّدت على الدوام أريحية الشراقوة وكرمهم ووطنيتهم. مشهد رائع لكنه حزين ومثقل بالدموع المكتومة، فالأخبار التى نسمعها من الإذاعة المحلية تتناقض مع تلك التى نسمعها من العائدين، ومن الإذاعات الأجنبية. ساعة بعد ساعة بدأنا ندرك أنها الهزيمة، لكن الكلمة كانت صعبة، لم نجسر على نطقها إلا نادرا.

فى تلك الفترة كان شقيقى الأكبر مصطفى ناجى ـ الوفدى الهوى ـ معتقلا، وكانت أمى تسمع الأخبار وتعاتب عبد الناصر بقسوة: "هو كان فاكر نفسه هيقدر يحارب لوحده؟!.. مش كان لازم ابنى والشبان اللى زيّه يكونوا جنبه الأيام دى؟". وحين نطق عبد النصر كلمة "النكسة" فى خطاب التنحى المشهور، انفجرت باكية: " ياحسرة قلب أمك عليك يا بنى، هوّا أنت انهزمت بجد؟!".

بكيت، وتغير طعم الدنيا فى فمى، لكن حين انفجرت المظاهرات المطالبة بعودة عبد الناصر عن قرار التنحى لم أشارك فيها.

أيامها كنت شاعرا، وماركسى الهوى. كتبت قصيدة اسمها "الرؤيا" يوم 9 يونيو 1967، استوحيتها من عيون فتاة مهاجرة اسمها "عطيات"، أجمل عيون رأيتها فى حياتى وأعمقها شرودا وحزنا. كانت القصيدة تتحدث عن الحزن الجاثم فى نظرات الجميع، وتبشّر بعرس فى نهاية الطريق، وتقول إن على من أصيب فى المعركة، أن يسلم الراية والقنديل للأقدر على مواصلة المسيرة.

الرؤيا

(يونيو 1967)

(1)

من أى أرض تخرج الصبايا

متشحات أسودا

وشابكات فى الصدور وردا

وناظرات فى عيونى أمدا

أفزعننى ثم انصرفن عنى

مصعِّدات نغما مبللا:

ـ "ومدَّ لى تحت عروشِ التوت كفيه

وسنّدنى

وبات يا أمى

يعصر طول الليل من أثماره خمرا ويسقينى

وكان ياروحى

يضحك لمَّا يذكر الحربا

وراح يا عينى

لا توقدى الأنوار يا أمى فتبكينى"

(2)

لو أننا انتظرنا مقدما سعيد

يأتى من الشرق فقد نموت ها هنا

وقد يكون كفنا

كل الذى ننسجه لقادم قد لا يجئ أبد

(3)

حدَّثنى كأنه يعرفنى

ناولنى قنديله فانفتح الباب أمامنا

حزَّمنى بكفنى

وقال: "عرس ليلى فى نهاية الممر

ارقص لها واذكرنى بخير"

عانقنى

قبَّلته، قبّلنى

رفعت قنديلى أراه:

ـ "أأنت.

أنت الذى تندبه الصبايا!"

أسكتنى

مضيت

صرعت بعد خطوتين

نهضت

أعطيت قنديلى

ومت

**

لقد أنهت هذه القصيدة مرحلة طويلة من الشعر العاطفى، المحمَّل بتأملات وجودية ذهنية وتجارب خيالية. تناثر ريش الأجنحة، وحطّ طائر الخيال المترفع على الأرض، يسمع ويرى ويلمس اللحم الحى، وامتزجت عواطف وتأملات وتوهمات الفنان المفرد بهموم الناس. باختصار؛ حلت روح الجماعة فى الفرد، وحلَّ الفرد فى الجماعة التى رآها تطعم وتسقى وتعصب الجراح يوم الحزن الأعظم.

أعترف أن هذه التجربة قادتنى إلى الاهتمام بتفاصيل الحياة، ومد الجسور بين الفكر والواقع، ونبهتنى إلى الاهتمام بفنون الناس وطرائقهم فى التعبير عن أنفسهم. وتعمق ذلك فى تجربة الخدمة العسكرية التى عشت فيها حرب الاستنزاف وحرب اكتوبر، والتى مكنتنى من الإصغاء لتلاوين كثيرة من الفلكلور سمعتها من أفواه الجنود، من مختلف المستويات والمزاجات والمناطق.

لا تقتصر أهمية التجربة على استخلاصاتها الفكرية، فالأهم ـ بالنسبة لكاتب ـ هو ما أفرزته هذه الإستخلاصات من انحيازات جمالية، وأظن أن تحولى إلى الرواية كان نقطة فى هذا السياق.



--------------------------------------------------------------------------------------------------------------




حوار 3



بعد أن حصل على جائزة أدب العشق

محمد ناجى: الكتابة عن الجسد لا تقتصر على الغرائز فقط

تحمل روايات الروائى محمد ناجى سمات مشتركة تميزه عن غيره من الأدباء، منها اللغة الأقرب للشاعرية، وصناعة الأساطير الخاصة به، وفى نفس الوقت لا يقلل ذلك من الدلالة الواقعية لأعماله، وهو ما أكد عليه الأديب الكبير ادوار الخراط يذهب فى كتابه "أصوات الحداثة" من أن ما يكتبه ناجى هو "الواقعية الحقة التي تضم تحت جناحيها الحلم والفانتازيا والأسطورة وشطح الخيال ومراودات وذبذبات دخيلة النفوس وصبوات الأرواح".

التقينا محمد ناجى الذى حصل مؤخرا على الجائزة الأولى فى "أدب العشق" التى تقدمها وكالة سفنكس للنشر والترجمة عن نص من روايته "الأفندى صدرت طبعتها االأولى عن دار الهلال، وصدر لها منذ أيام طبعة جديدة عن مكتبة الأسرة.

* ما السر وراء مشاركتك فى مسابقة "أدب العشق رغم عزوفك عن المسابقات بشكل عام؟

ـ لم اتقدم لأى مسابقة فى وكالة سفنكس ولا فى أى جهة أخرى، وكل ماحدث ان الاستاذ خالد عباس مدير الوكالة طلب منى نصا للنشر فى كتاب يعتزم اصداره عن العشق فى الأدب العربى المعاصر، فأعطيته جزءا من روايتى "الأفندى" الصادرة عن دار الهلال، ثم أخبرنى فيما بعد أنه سيتم ترجمة الكتاب المزمع اصداره الى اللغة السلوفاكية، وأخذ موافقتى على ذلك، واكتشفت من مقدمة الكتاب عند صدوره أنه رتب الأمر على شكل مسابقة وهيئة تحكيم.

* لماذا وقع اختيارك على نص "حمروش الدكر" للمشاركة به فى الكتاب؟

ـ "حمروش" اسم شائع فيه رجولة وفتوة، وهو مأخوذ من طائر معروف باسم "الحمروش" أو "الحميراء" وتتميز ذكور هذا الطائر بأنها أجمل من اناثه، ألوانه زاهية، وريشه برتقالي غامق فى منطقة الصدر، وأسود زاهى فى الوجه.

حمروش الدكر فى النص "رجل بغى" مفتون بنفسه، يبيع جسده للنساء، وكانت كل امرأة تعرفه لساعات قليلة، وتسأله كل واحدة: "لو رأيتنى مرة أخرى هل تعرفنى من بين النسوان؟". تكرر السؤال من كل امرأة عرفها، وهو كان يتعجب من تكرار السؤال لكنه لم يفهم مغزاه. وفى النهاية أخبرته آخر امرأة عرفها أنها جنية تجسدت له بوجوه وأسماء مختلفة ليلة بعد ليلة، وأنه رسب فى امتحان المعرفة، ولم يدرك "وحدة وجودها" فى تعدد الأشكال والأسماء، ولذلك عاقبته بالحرمان من التمتع بحضورها.

بعد هذه المحنه عاند حمروش قدره، وهام على وجهه فى الشوارع مخبولا يبحث عن الجنيّة فى وجوه النساء اللاتى يصادفهن، ويعجز فى النهاية عن ادراك غرضه ثم يهتف: "البحر واحد والسمك ألوان".

* رغم اهتمامك بقضايا الجسد تتجنب الحديث عن تفاصيل الجسد على عكس أغلب الروايات الجديدة التى تخلق منه مادة للكتابة.

ـ الكتابة عن الجسد لا تعنى الغرائز والجنس فقط، فالبطن جزء من الجسد، والدماغ جزء أيضا. وأنا أتناول الجسد بهذا المفهوم المتكامل، فالانسان يبحث ـ وفى نفس اللحظة ـ عن اللذة وعن الفهم وعن البقاء، ثلاثة مطالب يتضافر فيها الحسى مع الفكرى مع الروحى.

لم أجد حتى الأن ما يقنعنى أو يغرينى بأن أختزل الجسد فى مناطق الشهوة فقط، وهناك العيد من كتبوا انطلاقا من هذا المفهوم، ومنهم اليابانى جنزبورو أوى، فرغم استخدامه ألفاظ عارية مباشرة ومشاهد مكشوفة فى رواياته فجميع رواياته تحلق فى فضاءات سامية، وتعكس فزع الروح الإنسانية من الدمار الهائل الذى صبته القنبلة الذرية على هيروشيما ونجازاكى. الجنس فى روايات (أوى) ليس متملقا لغرائز القارئ لكنه مستفز لروحه ضد العنف الذى يستهين بالحياة ويحقّر الإنسان، إنه يتمسك بتلك الأجزاء من جسده كصرخة احتجاج ضد أدوات وآلات الدمار التى تهدد الجنس البشرى بالإبادة، صحيح أن هذه الصرخة لا تخلو من بذاءة فى اللفظ لكنها سامية القصد.

ـ ما رأيك في الكتابات العربية التى اعتمدت نفس التقنية؟

* أقرأ كتابات كثيرة تفرط فى تناول الجنس بهدف كسر "التابوه"، أو ملامسة قضايا إجتماعية لكن سلامة القصد وحدها لا تحقق فنا، وهناك شعرة دقيقة بين كتابة "بورنو" التسلية والإثارة وكتابة الأدب. وأؤكد على تفهمى دوافع تلك الكتابت فهى ـ فى أسوأ النماذج من ناحية القيمة الأدبية ـ تسجل صرخة احتجاج، وتمثل نوعا من "التعرى الاحتجاجى" أمام الثقافة السائدة، ولهذا فإن لها قيمة تسجيلية على الأقل.

وأحب أيضا أن أذكر بأن أدبنا الشعبى يحتفى كثيرا بالجنس، وانتج نصوصا بالغة الجمال والرقة عن موضوعات بالغة الحرج، من هذه النصوص الأغنية المشهورة (العتبة أزاز.. والسلم نايلو فى نايلو) وهى فى الاساس نص شعبى سمعته فى أعراس الفلاحين قبل أن يصبح أغنية إذاعية معتمدة. الأغنية تتحدث ببساطة عن ليله الدخلة إذ تكون سيقان العروس هى سلالم النايلون الحريرى التى يصعدها العريس، أما العتبة الزجاجية التى يمكن أن تتكسر تحت خطواته فهى بكارتها.

ـ ما سر اهتمامك بصناعة أساطيرك الخاصة والحواديت الشعبية فى رواياتك؟

* الأساطير فى الأصل حكايات مقدسة ذات مضامين عميقة ومعانٍ ذات صلة بالكون والوجود وحياة الإنسان. وقد انتجت أديان العصور القديمة أساطيرها التى تتشابك مع معتقداتها ونظمها وطقوسها، وآمن أتباعُ كل دين بصدق الأحداث التي تقصها أساطيرهم وما تحاول تقديمه لهم من معرفة، وعندما انهارت تلك النظم الدينية بقيت أدبياتها، وتحولت أساطيرها إلى حكايات خيالية ذات دلالات دنيوية معيشية. أساطيرى حلقة فى تلك التبدلات، هى "حواديت" اللحظة الراهنة.

الخيال عملية انسانية تستند الى قاعدة مشاعر ، وهو أيضا عملية عقلية تنطوى على وعى ما بالواقع، وأقصد هنا الخيال المبدع وليس الخيال الناتج عن خلل عقلى "الهلوسة".

* سمة أخرى تبرز فى أعمالك وهى السخرية، ماذا تمثل لديك؟

ـ أظن أن السخرية عندى لا تكون على حساب انسانية الشخصية أو الوعى بدوافعها، إنها فى أغلب الاحيان سخرية من السياق العام، هى تعرية للظروف التى تضع الإنسان فى أوضاع شائهة تشوه الوعى والسلوك، وسخرية من الاستلاب السياسى والإجتماعى والوجودى. سخرية من أجل الإنسان وليست ضده.

*ما الهدف من اختيارك لأسماء غريبة لشخصيات رواياتك؟

ـ مثل هذه التسميات قد تفرضها طبيعة الشخصيات فى النص، وربما تفرضها أيضا روح المرحلة التى عاشوها.

* ما سبب اهتمامك برصد الأصوات فى أعمالك بقوة لدرجة تجعلها تكاد تكون مسموعة؟

ـ ربما كان ذلك الاهتمام بالصوت معادلا لإصغاءنا المشوش لنبض العالم، فنبض الكون والتاريخ ممثلا فى المحارة التى تضعها "أم لسان" على أذنها، أو نبض الواقع ممثلا فى الراديو الذى ينام "سى كلام" على صوت وشيشه.

الاثنين، يونيو 15، 2009

السينما العربية في روتردام " استهلال " بقلم صلاح هاشم


الممثل المصري خالد ابو النجا عضو لجنة تحكيم مسابقة الفيلم الروائي الطويل في الدورة التاسعة



د . خالد شوكات رئيس المهرجان مع الفاضل الجزيري مخرج فيلم " ثلاثون " التونسي الذي عرض في حفل الافتتاح


الفنان الهولندي والممثل الكوميدي من اصل جزائري حكيم طرايدية
عضو لجنة التحكيم الرسمية يقدم عرضا فكاهيا في حفل الافتتاح



السينما العربية في روتردام :
استهلال


يوميات وحصاد

"مهرجان الفيلم العربي " التاسع

في روتردام . هولندا



الهام شاهين تفوز بجائزة احسن ممثلة في مهرجان الفيلم العربي في روتردام * السينما المصرية تتألق في روتردام بخلطة فوزية لمجدي احمد علي وب" بصرة " لاحمد رشوان * عمدة المدينة السيد احمد ابو طالب يؤكد في كلمة الافتتاح علي ان رهان المستقبل التفاهم والتعايش والتواصل ما بين جميع الثقافات الانسانية فيذكر العمدة الهولندي بخطاب النهضة العربي عند رفاعة الطهطاوي * السينما الروائية القصيرة تتفوق علي الافلام الروائية الطويلة في سباق السينما * لماذا تتقدم الافلام القصيرة في العالم العربي وتتأخر الافلام الطويلة وتتعثر * أين العراق ؟هل يؤسس الفيلم التسجيلي للخطاب السينمائي العربي الجديد ؟ * الامتدادات الافقية للمهرجان هل تخدم حقا السينما العربية وتجعل منه سفيرها في العالم
* تأسيس " جبهة تحرير الخيال " في الدورة 9 لمهرجان الفيلم العربي في روتردام




مجموعة تساؤلات واستلهامات دونتها في يومياتي وانا اتابع دورة مهرجان الفيلم العربي في روتردام


بقلم صلاح هاشم



فقد كنت ضمن المدعويين لحفل عشاء اقامته النجمة المصرية والفنانة القديرة الهام شاهين علي شرف السيد احمد ابو طالب عمدة مدينة روتردام بعد اعلان نتائج الدورة التاسعة من مهرجان " الفيلم العربي " في روتردام التي انعقدت في الفترة من 19 الي 14 يونيو في حقل بسيطأقيم في قاعة سينما في قلب روتردام ،وفوز الفنانة الهام شاهين بجائزة احسن ممثلة عن دورها في الفيلم الانساني المصري البديع للمخرج المصري الكبير مجدي احمد علي " يا دنيا يا غرامي - البطل - أسرار البنات " ، فاتيحت لي فرصة الاقتراب من العمدة " الجتلمان " ، والتعرف عليه أكثر..
وكنت وقفت وسط الجمع لاحيي العمدة الهولندي من أصل عربي احمد ابو طالب ، معلنا عن اغتباطي الكبير بكلمته في حفل الختام والتي نوه فيها بأن نجاح اي مجتمع في رسم صورة للمستقبل وفي صنع المستقبل ، مرهون بقدرته علي خلق مناخات للتعايش والتفاهم والحوار بين الثقافات ( وفي مدينة روتردام اكثر من 50 جنسية ) من اجل بناء المجتمعات الانسانية الجديدة التي ستكون لمشروعية حضور كل ثقافة منها في المشهد الاجتماعي العام، وبالتفاهم والتعايش والمحبة بينها
ستكون اقل عنفا ، او بلا عنف نلغيه من حياتنا بالمرة ’
واكثرانسانية وعدالة وتسامحا
فقد اختار العمدة ان يكون الرهان علي الثقافة، التي تمثل مع عنصر " الحرية " اي العدالة بمفهمومها الاسلامي، الدعامتين الاساسيتين لمشروع النهضة الذي خطط له جدنا المؤسس الشيخ الازهري رفاعة رافع الطهطاوي ، وهو في قلب مشروع مهرجان الفيلم العربي في ان يكون من ناحية مرآة صادقة لحياة مجنمعاتنا العربية الانسانية من خلال السينما،
وان يؤسس من ناحية ثانية لحوار مع الشعب الهولندي ، لتصحيح صورة العرب المشروخة النمطية المغلوطة في أوروبا وبخاصةبعد احداث 11 سبتمبر الارهابية في امريكا ، والصاق صفة الارهابيين والمتعصبين المتطرفين بالعرب والتهجم عليهم في الغرب و كل مكان باسم مكافحة الارهاب ، وسوف نعود الي تللك التساؤلات التي طرحناها في سياق متابعاتنا لافلام ووقائع واحداث الدورة التاسعة من خلال يومياتنا


الثلاثاء، يونيو 09، 2009

يوميات مهرجان " كان " 62 ( 1 من 2 )بقلم صلاح هاشم

لقطة من فيلم الاحضان المتكسرة للاسباني بيدرو المودوفار بطولة بينيلوب كروز الذي شارك في المسابقة الرسمية

ملصق الدورة 62 لمهرجان " كان " السينمائي الدولي


رسالة فرنسا

مهرجان كان 62 ( 1 من 2 )

يوميات كتبها صلا ح هاشم

قبل إعلان النتائج

(1)

العنف.. يتفجر على الشاشة

والمخرجون الكبار خذلونا

فيلم ( الزمن الباقي ) للمخرج الفلسطيني إيليا سليمان

يشمخ بالسينما العربية في مهرجان ( كان ) 62



عرض مهرجان كان الذي انطلق في ١٣ مايو ويمتد حتى الرابع والعشرين منه ، عرض مجموعة كبيرة من أفلام المسابقة الرسمية التي تضم عشرين فيلما،تتنافس على سعفة كان الذهبية ومجموعة الجوائز الأخرى ، التي توزعها لجنة التحكيم الرسمية فى الدورة ٦٢، وتترأسها النجمة السينمائية الفرنسية الكبيرة إيزابيل اوبير..

وقد برز من ضمن الأفلام التي عرضت ولحد الآن لعتاولة وكبار المخرجين في العالم ، من أمثال ترانتينو من أمريكا، وجين كامبيون من نيوزيلندا، وبيدرو المودوفار من اسبانيا، و كين لوش من بريطانيا و لارس فون تراير من الدانمرك وغيرهم..

برز فيلم ( النبي) للمخرج الفرنسي جاك اوديار، المرشح حتى الآن من قبلنا ومجموعة كبيرة من النقاد للحصول علي السعفة، بسبب من جودته السينمائية العالية علي مستوي الصورة وتلاحمها أو توافقها مع مضمون الفيلم، الذي يعرض للسجون الفرنسية ، و تعتبر من حيث أوضاعها المادية والمعيشية من أسوا السجون في أوروبا..

كما يعرض لشاب عربي في السجن ، و يصوره في يأسه وعذابه و وحدته، في مواجهة صمت السجون ووحشتها ، ويبين كيف استطاع بعد أن انضم إلى عصابة من عتاة المجرمين من كورسيكا داخل جدران السجن،أن يتغلب علي الظروف التي تجعل منه عبدا مقيدا وتابعا لتلك العصابة، ولكي يصبح في النهاية بسبب من فطنته ودهائه وذكائه، يصبح الزعيم والسيد المطاع..

وكان مالك الجبانة ١٩ سنة الذي دخل السجن ليقضى فترة حبس تمتد الى ٦سنوات أميا لا يعرف يقرا أو يكتب، ويبدو ضعيفا وهشا يسهل كسره ، غير انه سرعان ما اشتد عوده ونشاهده يمر من خلال تجربة السجن بتحولات نفسانية، وبخاصة بعد أن استحوذ علي ثقة زعيم العصابة، ونجح في أكثر من مهمة كلف بها..

وتعتمد قصة الفيلم الذي نعتبره الأكثر حظا للفوز بجائزة السعفة الذهبية ولحد الآن علي فكرة للكاتب عبد الرءوف دفرى..كما يعتبر مخرج الفيلم جاك اوديار من ابرز المخرجين الفرنسيين فى الموجة الفرنسية الجديدة في سينما التسعينيات.. التي تضم مجموعة من المخرجين المتميزين، من أمثال مايو كازوفيتس، واوليفيه السايس ، و كلير دوني، و باسكال فيران ، وغيرهم.. وتتميز أفلامهم بارتباطها الوثيق بالظروف الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، والتحولات التي طرأت علي واقع المهاجرين العرب في فرنسا وأوضاعهم، ..وتعتبر فنيا وسينمائيا بمثابة نصل خنجر حاد يخترق ضلوع المجتمع الفرنسي الاستهلاكي المادي الأناني العنصري كاشفا عن تناقضاته..

فيلم ( النبي ) لجاك اوديار يستكشف من خلال قصة هذا المسجون الفرنسي الشاب من أصل عربي سجون البؤس فى فرنسا ..وهو حين يحكي قصة هذا الشاب العصامي الذي صنع نفسه بنفسه في السجن.. فهو يحكي عن تلك المجموعات العرقية المهشمة التي تعيش فى الظل.. و تسكن عشش الصفيح ..فى تلك الضواحي الموحشة البعيدة عن العمران في جيتوهات البؤس.. على هامش المدن ألكبري..

وهو إذ يحكي عن السجن، فلكي يقدم صورة أخرى عن تلك الحضارة الفرنسية التي تشمخ بثقافاتها ومعارضها وأزيائها في الخارج، لكنها تخفي علي الطرف الأخر خلف القناع، تخفي همجية وعنصرية وتخلف العصور الوسطي، ويظهر ذلك مثلا في صور القمع والقهر التي تمارس علي المسجونين في الحبس ومجتمع السجن..

غير أن القيمة الأساسية لهذا الفيلم تكمن فى واقعيته ومصداقيته وإنسانيته.. فليس المهم أن يكون النهر طويلا أو عميقا.. لكن المهم أن تكون الأسماك فيه سعيدة..

ومما يجعل من فيلم اوديار الأكثر حظا للفوز بالسعفة وقد وجب التنويه، ذلك الأداء الرائع المتميز لبطل الفيلم طاهر رحيم. الذي يمثل هنا لأول مرة دور مواطن فرنسي من أصل عربي..

ويدخل فيلم (النبي) مسابقة المهرجان مع ثلاثة أفلام أخري تشارك في المسابقة من ضمنها فيلم (الأعشاب المجنونة) للمخرج الفرنسي الكبير الان رينيه.. وسوف نتوقف عند ابرز ملامح أفلام الدورة التي عرضت ولحد الآن..

مثل فيلم (ضد المسيح ) للارس فون ترايز ، الذي اعجني توهجه الفني علي الرغم من غموض رسالته الفكرية، او تبعثرها وتشتتها العضوي ، و كذلك فيلم (البحث عن ايريك ) للبريطاني كين لوش الذي يظهر فيه لاعب الكرة الفرنسي ايريك كانتونا لاعب فريق مانشستر يونايتد / ويصالح الفيلم و لأول مرة في السينما بين عشاق كرة القدم وعشاق الفن السابع السينمائي ، ويقربنا بموضوعه من مشكلات ومتناقضات المجتمع البريطاني، كما يقربنا أكثر من إنسانيتنا..

(2 )

أثناء عرض فيلم (عدو المسيح ) للمخرج الدانمركي لارس فون تراير، الذي يصرح علانية فى ملف الفيلم وفى المؤتمر الصحفي ، بأنه أعظم مخرج في العالم، أصيب أكثر من ستة متفرجين بحالات قرف و غثيان، كما أغمي علي البعض الأخر، بسبب العنف الذي يتفجر في الفيلم فى كل لحظة ، وقد قصد مخرجه بان يقذفنا به، وعلي أمل أن يكون العنف ومشاهد الدم كما في التراجيديات اليونانية نوع من (التطهير ) الذي يمسح ويزيل عنا كل أدراننا، و يجعلنا نتصالح مع أنفسنا والعالم..

غير أن العنف الذي شاهدناه هنا في أفلام كان يتجاوز كل الحدود، إذ لا يتعلق الأمر مثلا بخنجر تغرزه ليدي ماكبث في صدر عدو، ونعرف انه من نصل صفيح ، والدم علي الشاشة هو مجرد دهان احمر، بل يتعدي كل ذلك ، ويتجاوز الحدود، حين تتناول شارلوت جانسبورغ بطلة فيلم عدو المسيح مقصا صدئا ، وتقطع به جزءا من أعضائها التناسلية، كما تقوم بعملية استمناء لزوجها ، فإذا بقضيبه المنتصب يقذف دما ..

إذ يحكي الفيلم الذي جعل مع مجموعة أخري من الأفلام في المسابقة الرسمية جعل الدورة ٦٢تتحول إلى نهر من الدماء، و بكل صور العنف المباحة والغير مستباحة وتتجاوز هنا كل الحدود ، يحكي عن زوجين يفقدان ابنهما حين يستيقظ من نومه علي صوتهما وهما يمارسان الحب، و يصعد علي كرسي ويقفز من نافذة الغرفة ، ويسقط من حالق ويموت, فتحزن الأم علي ابنها حزنا مروعا، وأثناء دفنه يغمي عليها من فرط الوداع والألم..

ثم أن الأب الذي يعمل طبيبا نفسانيا ويعالج القلوب المجروحة يقترح علي الأم أن يلجا الاثنان إلي كوخ لهما في غابة، معتبرا أنهما يقدران في وحدتهما إيجاد حلول لمشاكلهما وأزمتهما العاطفية، وقد بدأت العلاقة تنهار بينهما ، وبدأت الأم تتحول إلي وحش جائع نهم لممارسة الجنس مثل ثور في كل لحظة، وبسرعة تصبح الزوجة الأم ضحية لعوالم وأسرار الطبيعة الخفية.. تصبح دغلا موحشا ووحشا دمويا مفترسا ، وتهجم علي زوجها وتطعنه بسكين عدة طعنات، فلما يسقط علي الأرض، تروح تفتح جرحا في ساقه، وتربط بالجرح طاحونة من الحجر بواسطة صامولة، ثم تربط الصامولة بمفك بحيث يصعب علي زوجها والأمر كذلك أن يتحرك، إلا إذا جر الطاحونة المربوطة بالساق..!

ثم أن الزوجة تحاول أن تدفن زوجها حيا و تضربه في خصيتيه، وتتحول هكذا في حضن الطبيعة إلي غول، أو مصاص دماء أو ساحرة من ساحرات العصور الوسطي ويجب التخلص منها، وينتهي الأمر بان يقوم الزوج بخنقها لكي تموت بين يديه ، وينتهي الفيلم الذي يهديه فون تراير الي المخرج الروسي الكبير الراحل (تاركوفسكي) بظهور جماعات من الناس تصعد في الغابة إلي اعلي التل ، لتحية الزوج المخلص بعد أن قضي علي الوحش وخلصهم منه..

و يظهر في الفيلم ثعلب وغزالة وغراب، و يتكلم الثعلب الذي نهش لحمه في الفيلم يتكلم كما الشيطان في فيلم طارد الأرواح علي لسان بطلة الفيلم الصغيرة، غير انه بدلا من ان ينطق بكلام غير مفهوم يصرخ في وجه الزوج قائلا إنها ( الفوضى التي تسود وتتحكم في العالم)..

فيلم عدو المسيح لم يستطع البعض أثناء عرضه تحمل مشاهده حتي النهاية، فغادروا القاعة، كما أن النقاد هنا أو الأغلبية منهم ذبحوه بسبب غرور مخرجه، المصاب بجنون العظمة، وكان سبق له الحصول علي سعفة كان الذهبية بفيلم الرقص في الظلام، وقد اخرج حتي الآن ١١ فيلما روائيا حصدت العديد من الجوائز في مهرجانات السينما العالمية..

ولم تكن سمة العنف الدموي المروع هي سمة هذا الفيلم فقط ، بل كانت سمة وملمحا طاغيا وصادما في اغلب الأفلام التي عرضها المهرجان في مسابقته، مثل فيلم ,( عطش) لبارك شان ووك من كوريا ، الذي يحكي عن مصاصة دماء ، وفيلم( كيناتاي ) للمخرج بريلانت مندوزا من الفلبين الذي يحكي قصة فتاة تختطف ويكرس مخرجه الجزء الثاني من فيلمه ليرينا كيف عذبت ، وتم تقطيع أطرافها،و ذبحت أمامنا، بالتفاصيل المملة !!..

وكما في فيلم( انتقام ) للمخرج الصيني جوني تو الذي يلعب فيه المغني الفرنسي الشهير جوني هاليداي دور أب يعود إلي هونج كونج، لكي ينتقم من أفراد عصابة اغتالت ابنته ، وهنا في الفيلم تتطاير الرصاصات من كل ناحية ، وعليك أن تتحمل خبطها ورقعها وضجيجها، أو أن تلوذ بالفرار من الفيلم..

كما يظهر العنف بقوة أيضا علي ( شاشة كان) وبخاصة في أفلام المسابقة من خلال فيلم( الأوغاد المجهولون) للأمريكي كوينتين ترانتينو الذي يذكرنا بفيلم ( دستة اشرار) لروبرت الدرش وينتمي إلي نوع (أفلام الحرب ) ..

غلبة أفلام النوع

ويلاحظ هنا بالإضافة إلي ملمح العنف، ظاهرة او سيادة أو غلبة أفلام( النوع) في كان ، ويحكي فيلم ترانتينو عن فرنسا تحت الاحتلال الألماني النازي، وكيف استطاعت فرقة من الجنود باسم الهنود الحمر الاباشي ان تنشر الرعب في صفوف العسكر وقوات هتلر النازية، فقد كان يطلب من الجندي اليهودي المختار للانخراط في تلك الفرقة الأمريكية الانتحارية ان يتحصل علي فروة راس مائة جندي نازي، و ان يقوم بسلخها عن رأس الضحية بنفسه، وكل هذا للانتقام لليهود مما وقع لهم في الحرب العالمية الثانية من قتل وإبادة وتشريد، وينتهي فيلم ترانتينو الذي لم يعجبني بل وجدته تافها وثرثارا وسخيفا، ولا يليق بشهرة مخرج مبدع كنا ننتظر منه المزيد

ويسود الإحساس بخيبة الأمل هنا في كان، فالمخرجين العتاولة الكبار خذلونا، كما فعل ترانتينو، وذات الشيء ينطبق علي الأفلام التي عرضت في المسابقة للاسباني مثل فيلم (الأحضان المتكسرة) للاسباني بيدرو المودوفار وفيلم (لأعشاب المجنونة) للفرنسي الان رينيه وغيرها، وهي أفلام من نوع( أفلام الرعب ومصاصي الدماء ) كما في فيلم (عطش ) او من نوع الفيلم البوليسي كما في فيلم (انتقام ) الا انها ظلت للأسف تدور في حلقة المواصفات والأنماط الخاصة بكل نوع علي حدة ، ولم تقدم جديدا ..

إلا في فيلم (عدوالمسيح ) فقط الذي أعجبني فيه علي الرغم من مشاهد العنف المقرفة المرعبة قوة التعبير البصري المذهلة التي حولت الفيلم في بعض مشاهده من خلال تلاحم الصوت والصورة إلي شيء أشبه ما يكون بالقصيد السيمفوني..

( 3 )


شمخ (الزمن الباقي ) بفنيته العالية ، وقوة تصويره لضياع وغربة الفلسطينيين في وطنهم ، حين عرض اليوم، واعتبر - بعيدا عن أغلبية (أفلام المسابقة ) التي كرست للعنف، وتفجرت بالدم أشلاء ، وجعلت الدورة ٦٢ تبدو لنا أكثر وأرعب دورات كان دموية وعنفا وتوحشا- أن عرض فيلم المخرج الفلسطيني إيليا سليمان،جاء في وقته تماما،ليخرجنا من واقع ( الكوابيس ) المرعبة التي خبرناها في أفلام ( انتقام ) و( عطش ) و ( عدو المسيح ) وغيرها وعلي الرغم من توهجها الفني أحيانا..

إذ ينقلنا (الزمن الباقي ) إلي عالم أكثر إنسانية وجمالا وصفاء، بكل ذلك الحنين المموسق في الفيلم بأغنيات الحب والذكريات البديعة لليلي مراد ومحمد عبد الوهاب وفيروز ، وهو يحكي لنا عن ذكرياته في فيلمه الفني البديع الأثير، ويهديه في آخر الفيلم إلي ذكري والديه..

جاء فيلم إيليا الذي يحكي عن تاريخه الشخصي في فلسطين، وبالتحديد في مدينة ( الناصرة ) منذ عام ١٩٤٨ ولحد الآن ، بمثابة سيرة ذاتية وشهادة أيضا علي ما وقع لأسرة فلسطينية لم ترد أن تغادر في حين طفش وهرب الغالبية العظمي من سكان المدينة, جاء في وقته لكي يسعدنا ويثقفنا ويمتعنا ويبكينا أيضا..

بعد ان تعذبنا في معظم أفلام المسابقة ولم نجد فيلما إنسانيا معقولا ويقدم صورة تشبهنا إلا في فيلمين هما فيلم( النجم المشرق ) للنيوزيلندية جين كامبيون ، وفيلم (البحث عن ايريك ) للبريطاني كين لوش, بينما دارت الغالبية العظمي في مناخات وأنماط وأكليشيهات معروفة ومحفوظة ومكررة من خلال أفلام (النوع,) بل أن بعضها قد تبحث عن مبرر ما لوجوده أو سببا مقنعا لعمل الفيلم فلا ولن تجد..

ويا له من ترف حقا أن تصنع بعض الأفلام فقط، لكي ترضي مزاج أصحابها اللعنة ، ونتكبد نحن مشقة الذهاب إلي المهرجان، لكي نشاهد تلك أعمال تجاهد لكي تحصل علي رضاء المهووسين بالسينما من النقاد والصحفيين وتنسي الجمهور , بل ويحتقر بعضها الجمهور..

يأتي فيلم (الزمن الباقي ) مثل (كاس من الفراولة المثلجة ) في عز حر (جهنم ) في (كان ) ويكون مثل اللوز المقشر، ومحسوبا ومنسجما وموزونا، ولن تجد فيه لقطة أو مشهدا زائدا يجعلك تشعر بالملل والقنوط وتتململ في مقعدك، وتريدان تغادر الصالة..

بل علي العكس ، سوف تفرح بعد المشهد الافتتاحي في الفيلم، الذي يصور عودة إيليا إلي مدينته الناصرة وسط البرق و الرعد والمطر، وضياع واختفاء الطريق فجأة عن السائق في الليل ويغزو دخان كثيف الشاشة ، لكي يبدأ إيليا سليمان يتذكر ويعود القهقرى إلي عام ١٩٤٨، ويحكي لنا عن أبيه (فؤاد سليمان ) صانع الأسلحة في ورشة، المناضل الذي يقرر البقاء في فلسطين بعد أن هربت القوات العربية المحاربة، ولبست القوات الإسرائيلية ملابسها والكوفية والعقال، ودخلوا الناصرة ، وجعلوا عمدتها يوقع علي عريضة استسلام مخزية..

مرثية الزمن الحاضر الغائب

ويكشف هنا في الجزء الأول من الفيلم عن حكاية الناصرة التي سقطت في يوليو ١٩٤٨ واعتقال وتعذيب الأب ، ثم ينتقل في ما بعد إلي صورة المدينة في ظل الاحتلال، من خلال فصل مدرسي يغني فيه الأطفال أغنية بالعبرية عن حلم إسرائيل الذي سوف يصبح (حقيقة ) مثل الشمس في وضح النهار، ثم ومن بعدها ينشدون بالعربية أغنية لفلسطين الوطن الغالي، الذي لن ينسي أبدا !!

وكل فيلم (الزمن الباقي ) هو مرثية للزمن الحاضر الغائب ، وأغنية حزينة عن الغربة والضياع تحت الاحتلال، لكنها رغم عبثيتها وأسلوب إيليا سليمان الباهر في السرد والحكي بأقل الإمكانيات الممكنة ، كما في مسرح العبث واللامعقول عند الايرلندي عند صامويل بيكيت أو الفرنسي من أصل روماني يوجين يونسكو واللبناني جورج شحاذة، ويجعل من فيلم (الزمن الباقي ) قريبا جدا من أعمال السينما الصامتة , ويا لها من متعة حقا نستشعرها ونحن نشاهد فيلمه، وسط فرقعات وصخب العنف والرصاصات الطائشة في أفلام المهرجان..

و لا نشبع من حكايات إيليا وذكرياته عن والديه وعشق والده للصيد في البحر والاستماع إلي أغانيه المفضلة، والجميل المبهر في الفيلم أن إيليا سليمان لا يظهر في فيلمه الزمن الباقي أي حقد أو غل وكراهية ضد اليهود أو الصهاينة أو دولة إسرائيل ، فلا يشتم ويلعن ، بل يصف ما وقع من أحداث بحياد وموضوعية، ويذكر فقط في الفيلم انه كان في صغره يمزق العلم الإسرائيلي ويقول عن أمريكا أنها دولة كولونيالية مرة، ثم دولة امبريالية مرة أخري..

وإزاء جدار العار في إسرائيل يقول لنا إيليا من خلال مشهد فكاهي في الفيلم انه سوف يتعلم رياضة القفز العالي ويقفز بعصا كبيرة من علي السور وينجح بعصاه في القفز بقوة الخيال، كما نجح في فيلمه الروائي السابق ( يد إلهية ) في أن ينسف دبابة بنواة مشمس ومن يدري قد تستطيع السينما الفلسطينية التي يعتمدها ايليا سليمان ان تفجر بقوة الخيال جدار العار وتعكس علي طريقتها إرادة لا تتزعزع.. علي الصمود والمقاومة..

فيلم إيليا سليمان (الزمن الباقي) الذي يحتشد أيضا بالشخصيات الفكاهية مثل (الجار ) أرشحه للفوز بسعفة كان الذهبية ، فالفيلم يجمع بين التاريخ والسياسة والسيرة الذاتية والفلسفة،والأخيرة تظهر هنا من خلال نظرة إيليا سليمان، وتأمله لحاله،وظهوره بنفسه في كل أفلامه ، ونظرة ايليا سليمان التي كشف عنها ومنذ فيلمه الروائي الأول (وقائع اختفاء ) ، هي النظرة التي يفلسف بها حياته، ووجوده العبثي في وطن محتل..

إلا أن هذه النظرة الفلسفية التهكمية الساخرة التراجيدية المأسوية الفكاهية في آن هي التي تخف من عذابات وألم ذلك المواطن الغريب، حتى مع لنفسه وتحت جلده ، وأشبه ما يكون بمتفرج علي مأساة إيليا سليمان ذاته

كما أن الجميل والمثير أيضا أن إيليا سليمان ينهل في محاولته بلورة تلك النظرة، بسبب وعيه وهضمه للتقاليد السينمائية، ينهل من التراث السينمائي عند عمالقة السينما الفكاهية في العالم من أمثال بستر كيتون وجاك تاتي وماكس ليندر، ويبدو لنا مثل بستر كيتون الأمريكي بعد أن قرأ كارل ماركس، وهو يعيش في فلسطين تحت اسم إيليا سليمان ..

فيلم ( الزمن الباقي ) الذي أعجبنا وأحببناه ،هو امتداد لنوع مطلوب من( السينما الذاتية ) التي تهرب من الفبركة والفذلكة والصنعة، لكي تحكي عن وقائع خبرناها وعشناها ، و هو يضع نهاية لثلاثية فيلمية عن فلسطين ..

والجميل في (سينماه) إنها تفتح باب الأمل مستقبلا- بعيدا عن متبلات وأعمال وخزعبلات التكنولوجيا المعاصرة - ل ( سينما مغايرة ) تحكي عن هويتنا و ذاكرتنا ، وتطور من وعينا بتاريخ ومتناقضات مجتمعاتنا. سينما تقربنا من روح و (حساسية ) عصرنا و هي تقربنا اكثر من انسانيتنا..

تحية الي ايليا سليمان علي فيلمه ( الزمن الباقي ) البديع الذي شمخ بالسينما العربية في مهرجان كان 62..

ولنا وقفة مع حصاد المهرجان في عدد مقبل



عن مجلة " الكلمة " الثقافية الادبية الشهرية علي الانترنت

عدد يونيو 2009

باب: رسائل وتقارير في محتويات العدد

رسالة فرنسا مهرجان " كان " 62 " بقلم صلاح هاشم


http://www.al-kalimah.com/Data/2009/6/1/Reports.xml