الأربعاء، أبريل 01، 2009

كشف حساب السينما الفرنسية.صلاح هاشم


لقطة من فيلم " سيرافين "


لوحة من لوحات الفن الفطري بريشة سيرافين ومعجونة بالدم وطين الأرض



كشف حساب " السينما الفرنسية


في حفل السيزار " 34 "




بقلم صلاح هاشم




كنت أتساءل وأنا أتابع فقرات حفل توزيع جوائز السينما الفرنسية " السيزار " 34 تري إلي أي حد استطاعت السينما الفرنسية خلال العام المنصرم أن تعكس صورة للمجتمع الفرنسي في مرآة السينما ،علي سكة تطوير هذا الفن ، والتعبير عن تناقضات وأزمات ومشاكل عصرنا؟ إن كل المحاولات السينمائية في أي مجتمع من المجتمعات تصب يقينا في النهاية في دائرة الوعي والثقافة، لتجعل من السينما الفن أداة للتأمل والتفكير، وليس للترفيه والتسلية، وتغريبنا عن هويتنا ومجتمعاتنا،كما في جل انتاجات السينما المصرية التافهة الركيكة الاصطناعية في الوقت الحاضر التي دفعت احد كبار النقاد السينمائيين في مصر ن إلي أن يعلن جهارا علي الملأ أن أفلام الشباب الجديدة في مصر الآن أصبحت تصيبه بالإحباط وخيبة الأمل، وإنها تنحدر نحو هوة من « السطحية، والابتذال، والتقليد الممجوج "..

ومعه حق بالطبع – هكذا فكرت - فقد صدمت إنا أيضا، واسمحوا لي للحظة أن أعود القهقرى. صدمت عند حضوري إلي مهرجان القاهرة السينمائي الدورة ( 32 ) ، إذ لم أجد بين الأفلام المصرية والعربية التي شاهدتها أي عمل يرقي إلي مستوي الحد الأدنى من السينما، ويستحق أن أكتب عنه، إلا فيلم " بلطية العايمة " للمخرج المصري الاسكندراني علي رجب،وكان البعض من النقاد قطعوا الفيلم وذبحوه بالساطور، حتي قبل أن يشاهدوه !.وأعجبني في الفيلم المذكور الذي بدا لي عملا وثائقيا في الأساس، ومركب عليه حكاية كفاح امرأة لتربية عيالها ، ومقاومتها الفساد والاستغلال والقهر في بلدنا،أعجبني توثيقه لمدينة الإسكندرية الجميلة العريقة، ولإحياء المدينة الآخذة في الاختفاء كما جل الأشياء الجميلة في حياتنا. بل أن ذاك التوثيق وحده يكفي لصنع عدة أفلام ، وهو الذي يمنح فيلم علي رجب وبطلته – تظهر هنا في أحد أفضل أدوارها في السينما – يمنحه جماله وعفويته وبساطته،ويجعلك تحبه بسرعة وتتجاوب معه وأجوائه وشخصياته وتتعاطف مع محاولته السينمائية الأصيلة في أن يوثق ل " ذاكرة " مدينته الجميلة بتلك الحميمية العذبة، من دون ادعاء او فذلكة. في حين بدت لي معظم الأفلام الأخرى المشاركة في مسابقة المهرجان اصطناعية مفبركة ومركبة ومملة، وشاهدناها من قبل في أفلام قديمة لكن أفضل بكثير. إلا أن السينما المصرية الشابة الجديدة،التي تكره وتخشي التحدي، تسير نحو الاقتباس الأعمى المفضوح والاستسهال والسطحية، في مناخات التدهور التعليمي وانحطاط الذوق الفني والانحسار الثقافي العام ،وأتصور بالطبع مع الناقد المحترم أن أغلبية الشعب المصري مصدوم ومفزوع أيضا من تلك الأعمال "المسخ " الغريبة التي لا علاقة لها إطلاقا بفن وثقافة وحضارة السينما كما أحب أن أسميها، لا من قريب ولا من بعيد. في حيت تعتبر السينما هنا في فرنسا ثقافة وفن، وليس " بضاعة " تجارية ، و يقينا سوف يمضي الكثير من الوقت للأسف، قبل أن تتغير نظرتنا للسينما علي المستويين الرسمي والشعبي في مصر والعالم العربي..

وعودة إلي جوائز "السيزار"، نقول أن الأهمية القصوى لتلك الجوائز تكمن في أنها تعلن عن آراء السينمائيين الفرنسيين المحترفين من خلال الاقتراع السري حول أفضل الأفلام من إنتاج 2008 وتكشف بالتالي عن نزاهتهم واستقلاليتهم، كما تكشف أيضا عن نظرتهم وتقديرهم – أهل الصناعة - للسينما الفرنسية التي يصنعون، فهم يرشحون بأنفسهم الأفلام التي يرون أنها ترقي بمستواها السينمائي والفني للدخول الي أقسام المسابقة في الإخراج والموسيقي والتصوير والمونتاج الخ، ولا يحسبون حسابا – هكذا أثبتت الترشيحات – لعائدات شباك التذاكر .ومن هنا جاء استبعاد فيلم " مرحبا بكم عند أهل الشمال الشتي " الفكاهي لداني بون (الذي شاهده أكثر من 21 مليون متفرج في فرنسا وحدها) من دائرة ترشيحا تهم إلا في قسم أحسن سيناريو، ولم يرشح الفيلم مثلا لجائزة أحسن فيلم، فقد رأي محترفو المهنة كما أطلق عليهم المخرج الفرنسي جان لوك جودارأن " مرحبا بكم عند الشتي أهل الشمال "لا يرقي إلي مستوي الأفلام الفنية الأخرى التي تسامقت بها السينما الفرنسية في العام المنصرم وحصدت العديد من الجوائز في المهرجانات الفرنسية والعالمية ، وكنت رشحت عدة أفلام للفوز بجائزة أحسن فيلم في حفل السيزار 34 الكبير، وتمثل في رأيي أفضل حصاد للسينما في عام 2008 من ضمنها..

فيلم " بين الجدران " للوران كانتيه

يحكي فيلم " بين الجدران " من إخراج لوران كانتيه عن مشكلة التعليم وعملية نقل المعارف في فرنسا، وهو مأخوذ عن رواية لفرانسوا بيجودو، ويقوم صاحبها بتمثيل دور المدرس في الفيلم، وقد تعرض الفيلم الذي أعجبني كثيرا لانتقادات بعض المدرسين المحترفين وأعضاء الهيئة التعليمية في فرنسا علي اعتبار انه فيلم رجعي يقدم فصلا دراسيا متخلفا ، ومدرسا متساهلا الي حد كبير مع الطلبة، ولم يلتفت المنتقدين للفيلم انه لا يصور ولا ينقل أو يسجل حياة فصل دراسي ثانوي علي الطبيعة، بل يصور " رواية " في السينما ، ومن هنا وقع الاختلاف واللبس، فمازال البعض يتصور أن السينما هي الواقع ولابد أن تعكس حقيقة الواقع وهي أفكار عفي عليها الزمن، فالسينما من حيث هي إبداع لاتقدم ابدا الواقع بل تقدم واقعا جديدا متخيلا وتترك لنا ليس محاكمته، بل تلمسه وتفهمه وتذوقه لكي تثقفنا وتمتعنا في آن وتحثنا علي التأمل والتفكير، لأن السينما هي خلق وابتكار واختراع واكتشاف ورؤية وليست تصويرا لكلام مكتوب علي ورق كما في جل أفلامنا ومسلسلاتنا المتخلفة العقيمة التي تعود بنا إلي الخلف. وقد أعجبني الفيلم للأسلوب الذي انتهجه في تصوير تلك الرواية في السينما، وهو أسلوب ينأي عن استخدام السيناريو الكامل الجاهز المكتمل( لا يوجد مثل هذا الشيء الآن في السينما الحديثة،إلا في جنس الأفلام التجارية التي نصنعها في بلادنا كتقليد للأفلام الأمريكية الهوليودية العرجاء ، لكي تصبح مسخا وأقرب إلي روث الجواميس ) او السيناريو المرسوم المصور " ستوري بورد "، بل يعتمد علي أسلوب " الارتجال العفوي المنظم " من خلال تفقد المخرج لفصل دراسي ثانوي حقيقي ومعايشة الطلبة في الفصل لأكثر من شهرين ، ومن ثم الشروع في كتابة سيناريو مبدئي ، والاعتماد علي ممثلين غير محترفين من الطلبة أنفسهم في ذات الفصل، وجعلهم يشاركون في كتابة السيناريو ووضع الكلمات التي تنطق بها الشخصيات التي يمثلون أدوارها في الفيلم واختيار الزي المناسب لكل شخصية، ثم الاعتماد عند تصوير مشاهد " الرواية " التي يمثلونها في الفصل الدراسي علي " الارتجال " ولا يعني الارتجال هنا ان تنطق بما يخطر علي بالك أو ان تلعب حواجبك وتتشقلب كما يحلو لك أثناء تصوير اللقطة بل يعني ان تضيف من عندك بقوة المخيلة ما هو مناسب او ملائم ويحضر في التو واللحظة ويكون منسجما ومتوافقا مع الشخصية فيغنيها ويثريها ، ولذلك فالارتجال يعني عدم التقيد حرفيا بالكلام المكتوب في " الورق " أي السيناريو بل الانطلاق من عنده لاغناء وإثراء الفيلم بابتكارات واختراعات الفن المدهشة كما في موسيقي الجاز حيث يقوم العزف أثناء عزف اللحن بالخروج علي اللحن أو "النص" ليضيف عليه من عنده من إبداعه وفنه وأريحيته ويتواصل من خلال ذلك مع بقية العازفين لكي يدلف بنا الي عوالم جديدة رحبة، أكثر اتساعا وانفتاحا علي الحياة والبهجة والمتعة والألم والأمل.ولاشك ان كل هذه العناصر الفنية التي تتوهج في فيلم " بين الجدران " ببساطة شديدة ومن دون ادعاء وفذلكة فتؤسس عبر الفيلم جسرا مع الفيلم الوثائقي، إضافاته وانجازاته ، وتجعل من " الرواية " عملا سينمائيا وثيق الصلة ب وأقرب شبها للأعمال السينمائية التسجيلية البحتة، بالإضافة الي البطولة الجماعية في الفيلم وعدم اعتماده علي نجوم، هو الذي جعل لجنة تحكيم مسابقة مهرجان " كان " 62 برئاسة الممثل والمخرج الأمريكي شون بن تمنحه بالإجماع سعفة " كان " الذهبية، علي الرغم من وجود أفلام أخري في المسابقة كانت ترقي بإجماع النقاد الي الفوز بالسعفة مثل فيلم " تبادل " للأمريكي كلينت ايستوود وفيلم " فالس مع بشير " للإسرائيلي فورمان ، لكنها لم تفز بأي شيء ، وكان فوز " بين الجدران " مفاجئة للجميع صدمت البعض غير إننا رأينا إنها يستحقها عن جدارة، اذ يخرج بالسينما الفرنسية عن دائرة الأكاديمية والكلاسيكية " سينما الجودة " المحفلطة التي ثار عليها مخرجو الموجة الجديدة في أعمال تروفو وجودار في بداية الخمسينيات، والأفلام الفرنسية الوجودية الذهنية السيكولوجية بثرثراتها المعتادة..

وينحاز الفيلم إلي سينما الواقع، ويقدم من خلال الفصل صورة مصغرة لمشاكل المجتمع الفرنسي تعكس تعدديته العرقية الاثنية وحيويته في آن، فالفصل هو" بوتقة " ينصهر فيها التلاميذ من أبناء المهاجرين عرب وأفارقة وصينيين وغيرهم، بل ويجعل من الإخراج ممارسة ومشاركة حياتية، قبل ان يكون عملية تعليب لبضاعة تجارية داخل أستوديو بارد وعقيم بديكورات مصنوعة.وإضافة الي ذلك يذكرنا فيلم " بين الجدران " بمنهج جديد في رواية السينما الفرنسية الجديدة استحدثه بموهبته المخرج الفرنسي من أصل تونسي عبد اللطيف كشيش مع بعض المخرجين الفرنسيين الجدد، يعتمد علي الاستفادة من منجزات السينما الفرنسية والمتوسطية عموما عند الفرنسي موريس بيالا كما في فيلم " نخب حبنا " والايطالي روسوليني كما في فيلم " روما مدينة مفتوحة " والمصري صلاح أبو سيف كما في " الفتوة " والدخول مباشرة في " لحم " الواقع المعاش وتفصيصه وتشريحه والإمساك بتلافيفه كما في فيلمه الرائع الأثير " كسكسى بالسمك " الذي يطرح في رأينا والعديد من نقاد السينما في فرنسا شكلا ومنحي جديدا لرواية السينما الفرنسية ، ويدفع بها بعيدا إلي الأمام، لكي يصنع " صورة تشبهنا " تصبح وثيقة الصلة أكثر بحياتنا ، و تقربنا أكثر من مشكلات مجتمعاتنا ، وتلسعنا بتوهجها الفني الأصيل..

فيلم " أنها تدعي سابين " لساندرين بونير

كما رأيت أن فيلم " انها تدعي سابين " للممثلة ساندرين بونير، وهو عمل أول لمخرجته، يستحق الحصول علي جائزة " أحسن عمل أول " أو جائزة " أحسن فيلم وثائقي " في جوائز السيزار 34 ، وتحكي فيه ساندرين بونير بحساسية قاطعة كما السكين عن أسلوب علاج المرضي النفسانيين في فرنسا ومن ضمنهم اختها " الانطوائية " التي تصغرها فقط بسنوات، فقد شاء الحظ أن يفتح لسابين ومن أول فيلم تمثله " في نخب حبنا " إخراج موريس بيالا أبواب النجومية والشهرة ، في الوقت الذي كانت فيه أختها الموهوبة الجميلة التي كانت تعزف وهي صغيرة علي البيانو تنحدر إلي هوة العزلة والجنون. وتفضح ساندرين من خلاله آليات وميكانيزمات العلاج النفساني الفرنسي المتخلفة التي تحبس هؤلاء المرضي الانطوائيين المساكين بين أربعة جدران وتعزلهم عن الحياة والبشر، وتجعنا نتأسى في الفيلم لحال أختها وحالهم، وننفر من تلك القسوة التي تمارس عليهم خفية أثناء العلاج . وكان الممثل الفرنسي الراحل لينو فنتورا لديه ابنة انطوائية وكرس خارج دائرة التمثيل جل حياته للنضال من أجل هؤلاء المرضي حتي تعمل الحكومة علي بناء مصحات مناسبة لهم في الريف. واعتبر فيلم " أنها تدعي سابين " الذي يدفع في ذات الاتجاه من ناحية توفير وزيادة المخصصات المالية للعلاج النفساني ، بل ويكرس أيضا للمعركة التي انشغل بها لينو فنتورا طوال حياته..

أعتبره من أجمل الأفلام الوثائقية التي أنتجتها السينما الفرنسية في العام المنصرم ، فهو يكشف أولا عن موهبة مخرجته ، ويتوهج بموضوعة الإنساني، كما يجعنا كما في قصيدة من قصائد الزن اليابانية نتطلع إلي روح ساندرين في مرآة أختها، كما لو كانت قطعة من جسدها الإنساني الحي وقد انفصلت عنها بحد السكين، ويتضمن الفيلم مشاهد مؤثرة تجعلنا نتعاطف مع الأخت الانطوائية المريضة ، ونكاد من فرط التأثر نريد أن ننهض لنشق لحم الشاشة وندخل في أحشاء اللقطة، لكي نطبطب علي ظهرها ونخفف من ألمها..

وقد نجحت ساندرين في توظيف الأفلام التسجيلية السوبر 8 التي التقطتها لأختها في الماضي في تكثيف إحساسنا بمأساة الأخت، جعتنا كما في جل أفلام السينما الجميلة ، نتطهر أيضا من الألم، ونقترب أكثر من إنسانيتنا..

وأتساءل هنا لماذا تقتصر المهرجانات السينمائية الروائية في مصر كمهرجاني " القاهرة " و " الإسكندرية "علي عرض الأفلام الروائية الطويلة فقط ، ولماذا لاتنفتح علي عرض أفلام السينما الوثائقية الطويلة كما في هذا الفيلم وتشركه أيضا في مسابقاتها لتميزه الفائق ؟ ألم ينفتح مهرجان " كان " السينمائي الكبير القدوة ، علي مثل تلك أفلام وثائقية، وجعلها تشارك في مسابقته، بل وحصد بعضها في احدي دورات المهرجان سعفته الذهبية..

فيلم " سيرافين " لمارتان بروفوس

كان فيلم " سيرافين " إخراج مارتان بروفوس الذي اضطلعت ببطولته الممثلة البلجيكية يولاند مرو من أجمل الأفلام الفرنسية من إنتاج 2008 في رأينا ، ويحكي عن خادمة فقيرة في الريف الفرنسي من بلدة " سانليس " تعمل عند أسرة برجوازية تستقبل تاجر لوحات ألماني في دارها ، وتطلب من سيرافين أن تحضر ثلاث مرات في الاسبوع لتنظيف غرفته. ومن خلال علاقتها بهذا التاجر الذواقة الفنان نتعرف علي حياة هذه الخادمة البلهاء التي تعيش وحدها في غرفة ضيقة معتمة، وتتهرب من دفع إيجاراتها المتأخرة، ومسكونة بأرواح وأصوات ميتافيزيقية علوية تجعلها تصرح لصاحبة الدار ان ملاكها الحارس همس لها أن تتفرغ لرسم اللوحات الزيتية،ولذلك تقوم سيرافين في الخفاء بسرقة الدم من صحن كبد جاموس في المطبخ ، وتعرج عند عودتها إلي غرفتها علي خردواتي يبيع لها الورنيش ولا يعرف ماذا تفعل به، ويعتقد الجميع بسبب تصرفاتها وتلك الأصوات العلوية التي تسكنها وتجعلها تغني بعض المزامير من الإنجيل في وحدتها أنها لابد وأن تكون مجنونة وتستحق منهم كل شفقة وعطف. يوثق فيلم " سيرافين " في عمل سينمائي أقرب إلي أفلام السيرة الذاتية كما في فيلم " فان جوخ " للأمريكي فانسان مينيللي الذي يلعب فيه الممثل كيرك دوجلاس دور الفنان الهولندي فان جوخ، يوثق لسيرة الفنانة الفرنسية الفطرية سيرافين لوي في اوائل القرن العشرين ويحكي عن ظروف حياتها وكيف كانت ترسم في وحدتها وكيف استطاعت بفضل علاقتها بذلك التاجر الألماني الشاذ الذي اكتشف موهبتها واشتري لوحاتها، أن تطور من فنها وأن ترتقي سلم الشهرة والمجد وتصبح فنانة من أشهر الفنانين الفطريين في تاريخ هذا الفن في العالم. غير أن الفيلم الذي بدا لي مثل " سوناتة " من سوناتات شكسبير أو مقطوعة موسيقية ليوهان سباستيان باخ أو لوحة لسيزان ، بفضل كل تلك العناصر الفنية المجتمعة في الفيلم من ناحية السيناريو والتصوير والموسيقي والإخراج وفي طليعتها ذلك الأداء الرائع للممثلة يولاند مورو التي تشمخ في تجسيد سيرافين في قلب الطبيعة في ذلك الريف الفرنسي الساحر وهي تنصت إلي أنشودة الطير وتروح تعانق الشجر وتتحدث مع الزهور والحشرات والفراشات وتخاطب السحب وهي تستحم عارية في مياه الجداول ..

هو فيلم فلسفي روحاني صوفي بالدرجة الأولي، إذ يوظف حكاية سيرافين في الفيلم لكي يغرسنا في قلب الطبيعة، ويجعلنا نتأمل ونقارن بين الحياة المادية الاستهلاكية التي صارت إليها مجتمعاتنا الرأسمالية الصناعية وجعلتنا ننفصل عن الطبيعة الأم والجذور، وبين تلك الحياة البريئة الفطرية التي عاشتها سيرافين ، وما تتضمنه من أفكار وقيم فلسفية وروحانية علي المستويين الإنساني والطبيعي. علي المستوي الإنساني من خلال علاقات سيرافين المتباينة المتعددة التي تتكشف لنا عبر الفيلم : مع التاجر الألماني وجارتها وصاحبة البيت والخردواتي ومع صاحبة الدار البرجوازية التقليدية الرجعية التي تنتقد في جلسة عشاء في الفيلم صالون فني جديد للفنانين المستقلين في باريس، وتطلب من تاجر اللوحات الا ينشغل بلوحة زيتية رسمتها سيرافين وأن يتذوق طبق ألحلوي الذي أعد خصيصا له. و كذلك علي المستوي الطبيعي من ناحية علاقة سيرافين بتلك الطبيعة البريئة الخلابة التي تحضر ك " شخصية " آسرة في الفيلم، ثم تحضر ثانية بزهورها وحشراتها وكائناتها في لوحات سيرافين الزيتية وتذهلنا بجمالها وروعتها، بل وتشملنا أيضا بحنانها وحبها وعطفها، فتجعلنا نحن أطفالها اليتامى نتصالح في ذلك الفيلم الأكاديمي الكلاسيكي الفني البديع الذي ينساب هادئا مثل قارب فارغ في بحيرة لوتس، نتصالح مع أنفسنا والعالم، ونتواصل مع كل الكائنات والموجودات، ونخرج من قاعة العرض بعد مشاهدة الفيلم ونحن نشعر من فرط سعادتنا كما لو كانت نبتت لنا أجنحة ، وعلي وشك أن نطير.

ويحسب لمهرجان القاهرة السينمائي 32 الذي عقد في الفترة من 18 الي 28 نوفمبر 2008 انه كان سباقا الي اكتشاف المستوي الفني الرائع لفيلم " سيرافين " وتقديمه إلي الجمهور المصري في مسابقة المهرجان، وكان قرار لجنة التحكيم موفقا للغاية في منحه جائزة الهرم الذهبي لأحسن فيلم في المسابقة، كما منحت اللجنة جائزة أحسن ممثلة الي بطلته الممثلة يولاند مورو، وذلك قبل الإعلان عن جوائز السيزار في الحفل الشهير..

*

" جوائز السيزار34 "

في حفل كبير أقيم يوم الجمعة 27 فبراير2009 في مسرح " الشاتليه " في قلب باريس، وبحضور حشد من نجوم السينما الفرنسية والعالمية،أعلنت أكاديمية السيزار عن جوائزها التالية لأحس الأفلام الفرنسية من إنتاج عام 2008 برأي السينمائيين المحترفين والعاملين في الحقل من مخرجين وممثلين ومصورين وفنيين وغيرهم، وقد تم التصويت بطريق الاقتراع السري..

جائزة أحسن فيلم : منحت لفيلم " سيرافين " اخراج مارتان بروفوس

أحسن ممثلة : يولاند مورو في دور " سيرافين "

أحسن ممثل : فانسان كاسيل في فيلم " مسرين "

أحسن اقتباس : فيلم " بين الجدران " للوران كانتيه وكاتب الرواية فرانسوا بيجودو

أحسن سيناريو : فيلم " سيرافين "

أحسن تصوير : فيلم " سيرافين "

أحسن موسيقي : فيلم " سيرافين "

أحسن ديكور : فيلم " سيرافين "

أحسن أزياء : فيلم " سيرافين "

أحسن مخرج : جان فرانسوا ريشيه مخرج فيلم " مسرين "

أحسن فيلم وثائقي : فيلم " بلاجان أنياس " للمخرجة أنياس فاردا

أحسن صوت " فيلم " مسرين "

أحسن فيلم أجنبي : فيلم " فالس مع بشير " للإسرائيلي آري فولمان

سيزار الشرف : منح للممثل الأمريكي داستين هوفمان

*

حصاد السينما الفرنسية في عام

تشير آخر إحصائية صادرة عن المركز الوطني للسينما في فرنسا إلي " انتعاشة " فائقة للسينما الفرنسية في العام 2008 ، فالإقبال علي دور العرض ازداد بنسبة سبعة في المائة، مقارنة بالعام الذي سبقه، ووصل عدد المتفرجين الي 190 مليون متفرج ، ترددوا علي 5300 صالة سينما، أي بزيادة حوالي 10 مليون مقارنة بعام 2007 .وكان فيلم " مرحبا بكم عند الشتي، أهل الشمال " للفرنسي دان بون حقق عام 2008 أضخم معدلات تردد علي فيلم في تاريخ السينما الفرنسية ، وحطم الرقم القياسي المسجل من قبل ( أكثر من 17 مليون متفرج لفيلم " النزهة ألكبري " لجيرارد أوري ) فقد بلغ عدد المشاهدين لفيلم داني بون أكثر من 20448416 متفرج ولحد الآن..

إلا أن أكاديمية السيزار كما أشرنا استبعدت الفيلم - علي الرغم من النجاح التجاري الساحق الذي حققه – عن جميع أقسام المسابقة، ورشحته فقط لقسم أحسن سيناريو، وخرج من الحفل بلا جوائز . وكان مخرجه داني بون أستنكر وهدد بمقاطعة الحفل، إلا انه عاد وحضره ، واقترح أن ينضم قسم جديد إلي أقسام جوائز السيزار العشرين ، وتمنح جائزة لأحسن فيلم فكاهي. في حين فاز فيلم " سيرافين " الذي تم انجازه بميزانية صغيرة ، فازبسبعة جوائز سيزار دفعة واحدة،ولا شك ستدفع إلي إقبال جماهيري أكبر علي الفيلم الذي أستقطب إليه أكثر من 900000 متفرج ولحد الآن، وبدأت طوابير طويلة تتقاطر علي صالة " سانت أندريه دي زار " في حي سان ميشيل في قلب باريس حيث يعرض حاليا لمشاهدته..

الثلاثاء، مارس 31، 2009

صنع في أمريكا.الحلم الأمريكي في تظاهرة سينمائية فرنسية


من تنظيم " معهد جان فيجو " في مدينة بربنيان الفرنسية

مهرجان " مواجهة " السينمائي - كونفرنتسيون-

يخصص دورته 45 بعنوان " صنع في أمريكا " ل



" الحلم الامريكي " علي الشاشة

يقام مهرجان " مواجهة " كونفرنتسيون في الفترة من 2 الي 8 ابريل 2009 في مدينة بربنيان في أقصي الجنوب الفرنسي علي مقربة من الحدود الأسبانية ،ويكرس دورته الخامسة والاربعين هذه للأحلام والأساطير المؤسسة للسينما الامريكية، ويعرض أفضل نماذجها ، من خلال مجموعة من أعظم الأفلام في تاريخ السينما الأامريكية ، من ضمنها فيلم " المهاجر " لشارلي شابلن ، وفيلم " امريكا امريكا.ابتسامة الأناضول " لاليا كازان، وفيلم " ميلاد أمة " لدافيد جريفيث وغيرها..كما ينظم العديد من الندوات واللقاءات للبحث في انجازات السينما الامريكية عبر تاريخها والأضافات التي حققتها..


CONFRONTATION 45
MADE IN USA / Mythes et rêves américains

JEUDI 2 - MERCREDI 8 AVRIL 2009

Choisir de parler du rêve américain, c'est tenter de repérer par les représentations cinématographiques les mythes et les genres que les États-Unis ont construits. À partir de longs métrages de fiction Confrontation 45 se propose de réfléchir à ce «Made in USA» au moyen d'axes thémathiques qui nous ont semblé importants:
En premier l'immigration (L'Émigrant de C. Chaplin, America America d'E. Kazan). Depuis le XVIe siècle le pays s'est construit par l'arrivée de vagues successives d'immigrants se fondant tant bien que mal dans le melting-pot (La Porte du Paradis de M. Cimino) qui connaît aussi un certain nombre de problèmes (on pense aux Indiens, Noirs, etc.). Tout ceci constitue progressivement une Nation (Naissance d'une Nation de D.W. Griffith) s'affirmant à la face du monde comme une République Indépendante dotée d'une Constitution originale dès 1787.
Ce texte fondateur repose sur les libertés en structurant une République présidentielle et un système fédéral permettant un équilibre entre un Président commun et des libertés aux États dans le cadre fédéral.
Le cœur du système (Tempête à Washington de Otto Preminger, Serpico de S. Lumet) est ainsi cet équilibre entre La Maison Blanche et les États, entre le Président et les autres pouvoirs: le Congrès, le système judiciaire, mais aussi la presse et l'opinion, la liberté religieuse (Le Malin de J. Huston) etc.
Le mythe central du rêve américain est celui de la Frontière (Les Affameurs d'A. Mann) qui a évolué dans le temps en embrassant des notions de plus en plus larges illustrées par le rêve hollywoodien (À la recherche de Garbo de S. Lumet, Superman returns de B. Singer).
Le «Made in USA» cinématographique a donné naissance à certains genres particuliers bâtisseurs de mythes: héros des westerns, justiciers des films noirs ou super héros des films fantastiques.
Que Confrontation 45 commence avec en soirée d'ouverture L'Émigrant de Charlie Chaplin et My Brother's Wedding de Charles Burnett !

Alain LOUSSOUARN
Directeur du Festival



الاثنين، مارس 30، 2009

أمسية سيتمائية في جامعة الخليج يوم 2 أبريل2009



( تنباك ) و( بنت مريم ) فى جامعة الخليج

يقيم نادى المواهب بجامعة الخليج امسية سينمائية مع الكاتب والمنتج الاماراتى محمد حسن احمد وذلك يوم الخميس الموافق 2/4/2009 بمقر النادي بالجامعة في غرب مشرف الساعة الخامسة مساء ويعرض خلال الأمسية فيلمي ( تنباك ) و( بنت مريم ) من اخراج عبداللة حسن احمد وسعيد سالمين ويعقب الامسية ندوة عن السينما فى الخليج ويشارك فى الندوة الكاتب والمنتج محمد حسن احمد ورئيس نادى المواهب بجامعة الخليج يوسف حامد ومدير نادى الكويت للسينما الناقد السينمائى عماد النويرى .

جدير بالذكر ان فيلم ( تنباك ) قد شارك فى العديد من المهرجانات العربية والخليجية منها مهرجان دبى السينمائى ومهرجان الريف البحرينى, وقد حصل على جائزة افضل فيلم روائى قصير فى مهرجان الخليج السينمائى وتنوية خاص من مهرجان الفيلم العربى باميركا ويذكر ايضا ان ( بنت مريم ) حصد على جوائز من مهرجانات خليجية وعربية ودولية .

الجمعة، مارس 27، 2009

القدس في معهد العالم العربي


القدس


عاصمة الثقافة العربية


في معهد العالم العربي



باريس.سينما ايزيس




يشارك معهد العالم العربي في التظاهرات التي تقام ضمن إطار القدس عاصمة الثقافة العربية 2009 ويدرج هذا الحدث الهام في برمجته السنوية، من خلال برنامج ثقافي وفني متنوع : معارض، سهرات موسيقية وغنائية، مسرح، سينما، رقص، لقاءات أدبية وفكرية، محاضرات..

وهكذا فإن مكتبة معهد العالم العربي ستسلط الأضواء على الأدب الفلسطيني من خلال معرض للكتب المخصصة للقدس، وتنظيم قراءات شعرية. وستخصص مجلتا المعهد مختارات وقنطرة ملفين عن المدينة المقدسة. أما للصغار فستكون هناك ورشات عمل فني موضوعها القدس مدينة للسلام . وسيكون هناك معرض متنقل عن تاريخ المدينة: ماضيها وحاضرها. وستعطي مكتبة البيع حيزاً كبيراً للكتاب الفلسطينيين وكتبهم بالإضافة إلى مختارات من أعمال الحرفيين .

ستكون هذه المشاركة طوال عام 2009 فرصة استثنائية للجمهور الفرنسي لاكتشاف الماضي الغني لهذه المدينة وإبداع الفنانين وحيوية الثقافة الفلسطينية اليوم.

الأربعاء، مارس 25، 2009

اعلان فتح باب المشاركة في سينيسكيب.نادي الكويت للسينما




فتح باب المشاركة في مسابقة سينسكب

بدا في نادي الكويت للسينما استقبال أفلام الراغبين في التنافس على جوائز مسابقة ( سينسكيب ) السينمائية والتى يقيمها نادي الكويت للسينما برعاية شركة السينما الكويتية الوطنية , وتشارك في المسابقة وهى الأولى من نوعها لدعم سينما الشباب في الكويت الأفلام الروائية القصيرة والتسجيلية وأفلام التحريك التي لا تزيد مدتها على 15 دقيقة. وتمنح المسابقة جوائز قيمتها 2500 دينار مقدمة بالكامل من شركة السينما الكويتية الوطنية . ومن حق المنظمين ترشيح أي من الأعمال الفائزة للمشاركة في المهرجانات والمسابقات العربية والدولية, و تتكون لجنة التحكيم من أربعة أعضاء من ذوي التاريخ والخبرة الرفيعة في مجال تحكيم الأعمال السينمائية وعلى هامش المسابقة الرسمية ستقام بعض العروض السينمائية الخليجية والعربية لدعم التعاون السينمائي بين دولة الكويت وبقية دول العالم
وقد صرحت نجاح كرم ان المسابقة مفتوحة لاستقبال طلبات المشاركة حتى نهاية أغسطس العام الجاري لإتاحة الفرصة أمام طلبة المدارس والجامعات للعمل على انجاز أعمالهم خلال فترة الأجازة الصيفية , مشيرة إلى ان الجوائز الثلاثة الأولى ستكون كالتالي, الجائزة الأولى 1000 دينار والثانية 750 ديناراً والثالثة 500 دينار, وأعربت عن أملها ان يزيد حجم الدعم المادي وان تكون المسابقة نواة لمهرجان سينمائي في المستقبل القريب . وقد صرحت كرم أيضا ان النادي وخلال العامين الماضيين قدم الدعم للسينما الشابة من خلال إقامة العديد من الفعاليات منها تنظيم أكثر من أمسية لعرض أفلام الشباب , وإقامة الورش المتخصصة للمواهب والكوادر السينمائية الكويتية , إضافة إلى ترشيح بعض الأعمال السينمائية لشباب النادي للمشاركة في المهرجانات الخليجية في ابوظبى ودبي, وينتظر ان تشارك بعض هذه الأعمال في مهرجان الخليج الذي تعقد فعالياته بداية الشهر المقبل . أما عن إمكانية إقامة مهرجان سينمائي أوضحت كرم : ( نتمنى ان يكون لدينا مهرجان سينمائي لاسيما وان كل المقومات موجودة واعتقد أننا لن نقدم على مثل هذه الخطوة ما لم يتوافر دعم مادي مناسب لان المهرجان سيحمل اسم الكويت, مؤكدة ان تفوق دول الجوار في المهرجانات على الرغم من مكانة الكويت وريادتها , تأتي من دعم حكومة تلك الدول للمهرجانات والإيمان بأهميتها الفنية والثقافية . ) وعلى صعيد أخر صرحت نجاح ان النادي بصدد الإعلان عن العديد من المشروعات السينمائية التي تؤكد اهتمام النادى بالسينما الشبابية وعلى رأس هذه المشروعات إقامة وحدة إنتاج سينمائي لمساعدة السينمائيين الشبان على إنتاج أفلامهم . إضافة إلى إقامة العديد من الورش والدورات السينمائية بتكلفة تكون في متناول الراغبين من أعضاء النادي وهواة السينما لتمنية مواهبهم والدفع بهذه المواهب إلى دائرة الاحتراف .



الثلاثاء، مارس 24، 2009

فيلم عدن غربا لكوستا غافراس .صلاح هاشم


فيلم " عدن غربا " للفرنسي كوستا غافراس

" مستعمرة عراة "


يتسلي فيها الأثرياء الجدد بلعبة صيد المهاجرين



بقلم صلاح هاشم



من أجمل وأقوي الأفلام التي شاهدتها حديثا في باريس فيلم " عدن غربا " للمخرج الفرنسي الكبير من أصل يوناني كوستا غافراس ، مخرج " زد " و " مفقود " و " هانا .ك " وغيرها من روائع السينما الفرنسية والعالمية، حيث أن نشاط كوستا الذي حقق له فيلم " زد " شهرته في العالم، لم يقتصر علي أخراجه للأفلام في فرنسا فحسب ، بل أمتد أيضا إلي فلسطين حيث أخرج هناك فيلمه " هانا. ك " ، ليحكي عن مأساة الشعب الفلسطيني ، واضطلع ببطولة الفيلم الممثل الفلسطيني محمد بكري، وكذلك أمريكا التي حقق فيها غافراس فيلمه " مفقود " بطولة الممثل الأمريكي جاك ليمون وحصد به " سعفة " مهرجان " كان " الذهبية. وهاهو مخرجنا يعود من جديد الي وطنه الأصلي اليونان، ليصور فيلمه " عدن غربا " وينطلق من هناك علي سكة المهاجرين الجدد في فرنسا ، في فيلم من " أفلام الطريق " رود موفي -– ليحكي ولأول مرة بعد هجرته الي فرنسا منذ أكثر من خمسين عاما خلت، لا يحكي عن هجرته هو الشخصية، بل يحكي عن واقع الهجرة الجديد في البلاد، والمشاكل التي يتعرض لها المهاجر، وعقلية الناس في البلد المضيف ويكشف أيضا من خلال فيلمه عن مخرج واعد جديد، غير ذلك الغافراس المتحمس الملتهب الناري ، الذي تعودنا علي أفلامه السياسية المباشرة الملتزمة منذ زمن لإدانة وفضح الديكتاتوريات العسكريةوالحكومات الشمولية في العالم ، وصار " أيقونة " من أيقونات السينما في عصرنا. في " عدن غربا " يجدد غا فراس بالفعل دمه، ليروي قصة الهجرة الآن في العالم كما يتمثلها، مثل حكواتي " حكيم " من الزمان القديم ، ويتصالح مع نفسه والعالم..

إذ ينفتح الفيلم في أول مشهد علي لقطة عامة رائعة للبحر الأبيض المتوسط الكبير قبل الغروب بقليل ، وتظهر في وسط اللقطة سفينة. ونتعرف علي بطل الفيلم " الياس " الذي يقبع داخل تلك السفينة التي تحمل الآلاف من المهاجرين العطشي والجوعي والمكدسين في العنابر المخصصة لنقل البضائع و الماشية والأغنام ، ويروح الياس بعد ان طلب منهم المهرب أن يلقوا بأوراقهم وجوازات سفرهم في عرض البحر، يروح في ركنه يراجع دروس اللغة الفرنسية من كتاب يحمله معه، ويردد علي نفسه وزميله القابع الي جواره تلك العبارات الفرنسية التي حفظها عن ظهر قلب . يردد : " بونجور يا خباز. هل لديك من فضلك خبز طازج وطري " ويرد علي نفسه بصوت الخباز الفرنسي : عليك أن تنتظر قليلا يا فتي ، فلسوف يكون لدي خبز طري طازج بعد قليل . ويطلب الياس من صديقه وهو يتخيل كيف تكون رائحة الخبز الشهية تلك الطالعة من الفرن، ان يردد ذات العبارة ، ثم يلتفت ويسأل عابر سبيل من صنع خياله : مسيو.. بونجور.من فضلك أين الطريق الي باريس ؟ هل باريس - محطة الوصول أكيد التي يحلم بها كل مهاجر والجنة الموعودة – مازالت بعيدة .؟ وبسرعة سوف نتعرف من خلال حلم الياس في الوصول الي باريس، علي ملامح بطل الفيلم، فهو كما يظهره لنا غافراس مهاجر بريء ساذج،لا يعلم بظروف الهجرة الجديدة البشعة، والبؤس المادي والروحاني الذي ينتظره هناك..

الأثرياء الجدد يتسلون بلعبة صيد المهاجرين

ومازال الياس المسكين يتصور، مع الأغلبية الساحقة من المهاجرين للأسف،أن هناك مكانا محفوظا له ولأمثاله في فرنسا وبلدان أوروبا ، ولا يعرف أنها باتت تعاني الآن من أهوال ومشاكل البطالة والغلاء والسكن والأزمات الاقتصادية والبيئية والمالية والغذائية، وتعمل علي ترحيل المهاجرين الجدد فور وصولهم ، بل تطرد وترحل أيضا هؤلاء المهاجرين الذين استقروا منذ فترة طويلة هنا في البلاد ، تطردهم علي أساس أنهم دخلوها بطرق فير قانونية وشرعية،ومازالت الشرطة الفرنسية بعد أنشأت فرنسا بسبب تفاقم مشاكل الهجرة من دون حل " وزارة للهوية الوطنية والهجرة " تقوم بترحيل وتسفير عائلات مهاجرة مع أطفالها بالكامل، وها هو وزير الهجرة في حكومة ساركوزي اليمينية يتباهي حديثا بانجازاته ، فيذكر أن الوزارة حققت معدلات طرد أكثر من المطلوب في الخطة، ووصل عدد المهاجرين المرحلين المطرودين الذين تم تسفيرهم بالفعل الي أكثر من 26 ألف مهاجر غير شرعي خارج البلاد..

وحين نتعرف علي الياس فوق ظهر السفينة لا نعرف بالضبط الي أي بلد ينتمي، لكي يصبح كما أراد غافراس " مهاجرا في المطلق " أي أي انسان مهاجر في العالم بلا تاريخ أو هوية أو ذاكرة، كما ان غافراس اختار أن يكون بطل الفيلم المهاجر شابا جميلا مثل الممثل الفرنسي آلان ديلون ، وذلك لكي يصنع له قدرا مغايرا ، ومسيرة فريدة في رحلته عبر الفيلم ، ويجعل من الطبيعي بعد ذلك لكونه جميلا ان تتهافت عليه النساء. هؤلاء النساء اللواتي يقعن في غرامه من أول نظرة في الفيلم وتحلم كل امرأة تلتقي به بأن يصطحبها من فرط جماله فورا إلي أقرب سرير.

وهذا ما يحدث بالفعل في الكثير من مشاهد الفيلم ونراه لاحقا، حين يترك المهربون السفينة في عرض البحر ويلوذون بالفرار في " لنش " صغير، فيقفز الياس الي المياه وحده يا للشجاعة ويهرب، عندما تحوط قوارب الشرطة اليونانية السفينة للقبض علي ركابها ،ويسبح في الليل الي شاطييء جزيرة يونانية ..

وحين يستيقظ في الصباح يجد نفسه داخل " مستعمرة عراة " خاصة تابعة لفندق ساحر من فنادق الاثرياء و أصحاب الملايين ، ويجعلنا نضحك من تصرفاته في هذا الجزء الاول من الفيلم ، وكأننا نشاهد فيلما من أفلام " البيرلسك " الفكاهية لماك سينيت أو بستر كيتون أو جاك تاتي التي تعتمد علي المواقف الحرجة اللامعقولة التي يقع فيها البطل.ويمكنكم ان تتصورا كيف يكون حال مهاجر بائس غلبان مثل الياس حين يحط فجأة بعد أهوال رحلة عذاب في عرض البحر يتعرض فيها للموت غرقا يحط هكذا في " جنة عدن " واليوتوبيا المفقودة، ثم اذا به حين يصل الي بر او شاطييء الأمان، يجد نفسه مرة واحدة في "مستعمرة عراة "،ويكون أول ما يشاهده فتيات عاريات يلعبن الكرة فوق الرمال ويمرحن في بهجة..

يؤسس غافراس الجزء الأول من الفيلم علي تلك " المفارقة " ، لكي يؤكد علي معالجة شخصية فانتازية متخيلة جديدة في فيلمه، عكس المعالجات الواقعية الصلدة الصارمة والمتجهمة أحيانا التي عودنا عليها في أفلامه، ورغبته في ابتداع وخلق ظروف عيش استثنائية في مكان استثنائي، تجعل السياح في هذا المكان يتصرفون وكأنهم يعيشون داخل " بالون" منفصل عن العالم وغير واقعي بالمرة،والدليل علي ذلك ان هؤلاء السياح الأثرياء من روسيا وألمانيا وفرنسا في الفندق يلعبون في المساء لعبة جماعية غريبة مرعبة: لعبة صيد مطاردة المهاجرين الهاربين الي شاطيء الجزيرة التي يقع فيها الفندق والذين يختبأون أحيانا في أركانه كما فعل الياس ، بل انه يشاركهم لعبتهم ظنا منهم أنه سائح مثلهم ومن أهل المستعمرة ، ولفترة يظل الياس يلعب معهم قبل أن يكتشف أمره، بل ويشارك في لهوهم الليلي حين يحضر " ساحر " من باريس ويقدم نمرة بعنوان " تواليت الموت " علي مسرح الفندق يشترك فيها الياس بملابسه العادية ، فيدفس رأسه داخل حوض تواليت ، ويدفعه الساحر بواسطة فرشاة تنظيف الي الداخل حتي يختفي تماما ، ثم يغطي الساحر الحوض بستارة ويرفعها بعد لحظة فنكتشف اختفاء الحوض ، ثم فجأة يظهر الياس في الطرف الآخر من المسرح وهو يرتدي زي " أمير " هندي وسط تصفيق جمهور القاعة. وعند انتهاء العرض يقدم الساحر بطاقته التي تحمل عنوانه حيث يعمل في ملهي " الليدو " في باريس الي الياس ، ويطلب منه عندما يصل الي باريس أن يتصل به ..

في الجزء الأول يقدم لنا كوستا غافراس نمرة فكاهية فانتازية خفيفة يتخلص فيها من أعباء معالجة موضوع الهجرة الذي هو موضوع جاد وصارم ومأساوي ويترك لنفسه العنان في خلق مواقف عبثية " برليسك" تبعث علي الضحك حيث يتصور بعض السياح ان الياس خادم و " سباك " في الفندق أحيانا فيطلب منه احد النزلاء أن يقوم بتصليح مرحاض الحمام ويمنحه بقشيشا ، وتتصور سائحة ألمانية من هامبورج أنه نزيل مثلها فتغتصبه في الفراش – حاول رئيس الخدم الشاذ جنسيا معه من قبل وفشل – ثم تكتشف السائحة انه مهاجر متسلل ويحاول الخروج من الفندق الواقع تحت مراقبة وحراسة رجال الشرطة فتمنحه بعض النقود، وتقول له انها لا تستطيع ان تساعده في هامبورج لأنها متزوجة وهي الآن في أجازة استثنائية وظروف الحياة في تلك المستعمرة المغلقة غير ظروف الحياة الواقعية في الخارج، فليغفرلها اذن ، لكنها تساعده بالفعل علي الهرب. ويكشف لنا غافراس من خلال سلوكياتها علي ان مساعدة المهاجر وتقديم العون له تتم دائما في ظل " ظروف استثنائية " وانها تقف عند حدود لا تتجاوزها، وينبغي ان يكون كل المهاجرين الجدد علي علم بذلك، لأن ظروف الهجرة تبدلت الآن،وصارت أصعب وأقسي، ولأن مجتمعات الوفرة الغربية الأوروبية الاستهلاكية صارت أكثر عنصرية، و تخشي علي تدهور أحوالها المعيشية بسبب تكدس الغرباء، ومسكونة اكثر من أي وقت مضي بشبح " الخوف من الأجنبي " وهي تري طوابير الغذاء الطويلة للمهاجرين تقف علي أرصفة محطات السكك الحديدية، بانتظار لقمة وطبق حساء ساخن في البرد والصقيع..

" سحرة باريس " يكشفون عن عجزهم

وفي الجزء الثاني من الفيلم وبعد نجاح الياس في الهروب من مستعمرة العراة ( الظرف الاستثنائي )والخروج الي الحياة الواقعية،يسافرعلي الطريق بطريقة "الاوتوستوب " من اليونان الي باريس، ويلتقي بعدة شخصيات علي الطريق، فيساعده البعض في رحلته،مثل تلك المرأة الريفية اليونانية الأرملةعلي ما يبدو التي تعطف عليه وتجعله يشاركها عملها في بيع أقفاص الطيور في السوق وتمنحه أجرا، لكنها تأتيه في الليل ولا تستطيع ان تمنع نفسها من حاجة الجسد. في حين يستغل البعض الآخر الياس،فيحتال عليه سائق عابر ويستولي علي نقوده، ويرأف يوناني ثري وزوجته بحاله، فيأخذانه من محطة بنزين علي السكة ، لكنهما يتعاركان في السيارة ، ويتركانه وحيدا في عرض الطريق في البرد ووسط جبال الثلج،الي ان تمر شاحنة عابرة يقودها سائقان ألمانيان فيأخذانه الي فرنسا،ويهربانه عبر الحدود. وبعد ان يعمل الياس في جنوب فرنسا في مصنع من دون أوراق، ويتعرض للاستغلال البشع مثل بقية المهاجرين،ويثور معهم علي الوضع ويهرب، يلتقي بمهاجر في الجنوب يساعده علي شراء تذكرة سفر بالقطار الي باريس،ويخبره ذلك المهاجر اليائس بأنه لم يجد في فرنسا عملا بعد طول بهدلة وذل واهانة ، وانه يفكر جادا في العودة إلي بلاده، لأن الغربة في الوطن الآن صارت أرحم..

وعندما يصل الياس إلي باريس يتعرض لمطاردة البوليس له في الشارع، ويتأكد بنفسه من بؤس حياة المهاجرين والهامشيين والصعاليك المشردين " الكلوشار " علي الرصيف، بل انه حين يحاول التسول ،يحضر مهاجر ويقول له أن هذا مكاني ياوغد ويطرده. حسنا لقد بدأ الياس من خلال تلك الظروف الواقعية التي يتعرض لها علي الطريق منذ وصوله الي باريس يعي واقع الهجرة المؤلم،لكنه مازال شخصا شجاعا واستثنائيا- ألم يقفز الي الماء عند حصار الشرطة للسفينة وسبح الي الشاطئ في بداية الفيلم - ولن ييأس أبدا، فمازال يحتفظ ببطاقة الساحر في جيبه، ويسأل كيف يمكن الوصول في العاصمة باريس الي " الليدو " وهو لا يعرف حتي انه " علبة ليل " و " ملهي " ليلي علي أمل أن يساعده ذلك الساحر. مازال هناك أمل ، حتي لو كانت مساعدات ومنح البعض له تقتصر علي أعطائه حسنة قليلة، او بنطلون وجاكيت لزوج عزيز متوفي، او عدم تعنيفه وطرده حين يقبل علي تناول فتات الموائد في مطاعم الدرجة الأولي المتنائرة في الهواء الطلق في شوارع العاصمة ..

تلك الشوارع التي يروح يقطعها ، ويشاهد فيها ازدحام الباعة الجائلين من المهاجرين في حي " الاوبرا " علي عرض بضاعتهم من البطاقات والتذكارات السياحية علي السياح والتنازع عليهم . ويتساءل الياس : اهذا هو حقا المصير الذي ينتظره؟ التشرد والضياع و الوقوف في البرد والثلج في طوابير الطعام ، والتصارع علي ركن للنوم داخل خيمة علي الرصيف تحت المطر،وتأمل واجهات محال الطعام ، والتفتيش بحثا عن لقمة في صناديق القمامة، و والتعايش مع جحيم المطاردات اليومية المسعورة من قبل الشرطة ؟. يا للبشاعة..

يبدو أن الأمر سيكون كذلك، وعلي الياس أن يواجه بعد الوصول الي باريس مصيره بنفسه، ويصنع لنفسه بإرادته حياة جديدة ، لأنه حتي ذلك الساحر الذي التقي به في النهاية،بعد ان فقد بطاقته وكانت سقطت من الياس، وجرت مع المياه الي بالوعة تحت الأرض واختفت.حتي ذلك الساحر قال له معزيا : " حسنا . لقد حضرت بالفعل الي باريس، وها أنت قد رأيتني . لقد فعلتها. " ثم ودعه بعد ان منحه عصا سحرية صغيرة مثل هدية، لكي يتسلي الياس ويلعب بها مثل الأطفال، و من بعدها انطلق الساحر بسيارته في طريقه وهولا يلوي علي شيء،وترك الياس واقفا حائرا علي الرصيف، وقد راح يتأمل السيارة ، وهي تغيب وتختفي في الأفق..

ومن هناك ، من عند ذلك الميدان الواسع في حي " شان دو مارس " - حدائق مارس – الذي يطل علي برج ايفل من عند محطة المدرسة الحربية " الايكول ميليتير " هاهو الياس بعد أن جعل بخبطة في الهواء من عصاه السحرية برج ايفل يضييء فجأة،ويتألق بأضوائه مثل نجوم السماء،هاهو يدرك انه حتي أعتي وأقوي " سحرة باريس " لا يستطيعون له ولا مثاله شيئا ، وليس بمقدورهم أن يجدوا لمشكلته حلا، وعليه الآن بعد أن وصل الي المدينة أن ينزع عن ذاته الآن كل وهم في مواجهة الواقع الصلب، ويعتمد فقط علي نفسه..

فيلم " عدن غربا " – ايدن آل وست – لكوستا غافراس بدا لنا مثل " حكاية رمزية"عن الهجرة .حكاية خالصة ومتخلصة من الميلودراما والمبالغات العاطفية مثل اللوز المقشر، حكاية يقصها علينا بهدوء معلم سينمائي ناضج من دون تعصب او خطابية أو نرفزة.حكاية تقف في المنتصف تماما بين الملهاة والمأساة ،لكي تكون برمزيتها وطريقة معالجتها،أقرب الي الحياة الطبيعية التي نحياها بحلوها ومرها. حكاية تقربنا ببساطتها ومغامرتها وحس غافراس الفكاهي العالي،بعيدا عن الصراخ والمناقشات والصراعات والجدل حول موضوع " الهجرة " الشائك واشكالياته، تقربنا أكثر من إنسانيتنا، وهي يقينا تستحق المشاهدة عن جدارة..

اسم الفيلم

* EDEN A L OUEST

الأحد، مارس 22، 2009

قرن موسيقي الجاز في متحف برانلي. حتي 28 يونيو 2009 في باريس

كلينت ايستوود اثناء تصوير فيلم " بيرد "


عازف الترومبيت شيت بيكر في لقطة من فيلم وثائقي يحكي عن حياته


ملصق تظاهرة قرن موسيقي الجاز " في متحف برانلي


قرن موسيقي الجاز

في متحف برانلي في باريس



باريس- سينما ايزيس



ينظم متحف برانلي في باريس تظاهرة فنية مةسيقية ضخمة في الفترة من 17 مارس الي 28 يونيو 2009للاحتفال بمرور قرن علي نشأة وتطور نوع موسيقي جديد.نوع تمتد جذوره في افريقية علي الرغم من نشأته وميلاده في امريكا ، ونعني به " موسيقي الجاز " التي ولدت علي ضفاف نهر المسيسبي في ولاية نيو أورليانز الامريكية منذ اكثر من مائة سنة .ويكشف معرض " قرن موسيقي الجاز " في متحف برانلي من خلال فنون الرسم والسينما والتصوير وغيرها عن علاقة النوع بتلك الفنون ، ولقد كانت موسيقي الجاز التي حملها العبد الافريقي الأسود معه من افريقيا تراثه الشفهي الثقافي الوحيد المعبر عن هويته، كما كانت كانت اداة في حصوله علي حريته من السيد الأبيض
ويعتبر البعض موسيقي الجاز الاضافة الحقيقية الامريكية للثقافات العالمية في القرن العشرين ، وقد اتصلت السينما بموسيقي الجاز منذ نشأتها،وتأثرت بعناصره وهياكله الفنية الأساسية في نسيجها الفني ، كما نهلت منه علي مستوي شريط الصوت في العمل السينمائي، ونقلت أيضاأجزاء من حياة اعظم فناني الجاز من ملحنين ومغنيين وعازفين علي الشاشة. كما في فيلم " بيرد " للامريكي كلينت ايستوود.

www.quaibranly.fr


LE SIECLE DU JAZZ

الجمعة، مارس 20، 2009

شباب من فلسطين يسأل.بقلم صلاح هاشم



فرقة دام من اللد


ملصق تظاهرة ترافلنج في مدينة رين.صورة القدس في السينما

ملصق فيلم مقلاع الهيب هوب لجاكي سلوم


صباح الخير يافرنسا

شباب من فلسطين يسأل : من هو الإرهابي ؟



بقلم صلاح هاشم





لماذا نكتب عن السينما من باريس ؟ . حسنا . لأن باريس هي عاصمة السينما في العالم بلا جدال، حتى لو كانت " هوليوود " في أمريكا تعد أكبر مصنع للسينما في العالم من حيث الإنتاج والتوزيع وهيمنة الفيلم الأمريكي التجاري بالذات علي أسواق السينما في أنحاء المعمورة .وقد كان المخرج الفرنسي الكبير فرانسوا تروفو كثيرا ما يردد أن المواطن الفرنسي يحب شيئين ويعتبرهما أهم شيئين في حياته: يحب وطنه فرنسا، ثم من بعده يحب السينما، ويضيف ان الفرنسي هو ناقد سينمائي بالفطرة، لان الفرنسيين يعشقون السينما كما يعشقون رغيف الخبز الفرنسي الشهير " الباجيت " ، ذلك الرغيف الباجيت العصا الذي حقق لفرنسا شهرتها في العالم ، أكثر من الجنرال والرئيس الفرنسي الزعيم شارل ديجول نفسه ، كما حققت السينما المصرية قديما حضورها المؤئر ثقافيا ووجدانيا وحضاريا لا علي المصريين وحدهم، وأصبحت قطعة من روحهم، بل علي مستوي شعوب العالم العربي كله..

هنا في باريس عاصمة فرنسا – التي تعد " وطن " السينما بلا جدال، أقيم أول عرض سينمائي للأخوين لوميير في 28 ديسمبر 1895 في الصالون الهندي بالمقهى الكبير " جران كافيه " في شارك كابوسين- تعرض كل أسبوع عشرات الأفلام الجديدة القادمة من أنحاء العالم، من الصين والهند ومصر وتركيا وفيتنام الخ ، كما تقام عشرات التظاهرات والمهرجانات السينمائية من جميع الأنواع بحيث أن تغطية النشاطات السينمائية وعروض الأفلام الجديدة القادمة من أنحاء كوكبنا البرتقالي الجميل ، كما يحب أن يسميه الشاعر الفرنسي لوي آراجون، تحتاج الي ترسانة من الصحفيين والنقاد وعشاق الفن السابع، ناهيك عن الإصدارات الحديثة في المكتبة السينمائية الفرنسية، ولا يمر يوم هنا من دون أن يصدر فيه كتاب سينمائي جديد ، ومتابعة عشرات المجلات السينمائية المهمة التي تصدر من هنا مثل مجلة " بوزيتيف " و مجلة " كاييه دو سينما " – كراسات السينما –التي خرج من معطفها معظم رواد حركة الموجة السينمائية الجديدة في فرنسا في فترة الخمسينيات من أمثال فرانسوا تروفو وآنياس فاردا وكلود شابرول والمفكر والمخرج السينمائي الكبير جان لوك جودار. لا يوجد في باريس دور عرض في " وسط البلد " فقط. لا يوجد في باريس وسط البلد، فكل حي في باريس هو بلد منفرد له قاعاته السينمائية ، ولكل قاعة حكاية وتاريخ هما قطعة من ذاكرة البلد او الحي..

و لأن باريس مدينة النور التي قال عنها عميد الأدب العربي د. طه حسين : " في باريس الفرح والابتهاج ، وفيها البؤس والحزن، وفيها الرجاء والأمل ، وفيها اليأس والقنوط ، فيها اجتمع كل ما يحتاج اليه الناس وكل ما لا يحتاجون إليه ، فيها اجتمع كل ما يشخص الحضارة الإنسانية في هذا العصر الذي نعيش فيه " هي العاصمة الوحيدة في العالم ربما التي تأكل وتشرب سينما ، وتعج إلي جانب المقاهي، تعج بالقاعات السينمائية المتناثرة في أحيائها أو بلدانها. باريس البلد،كما عشتها وخبرتها من خلال تلك القاعات التي عشقتها بأجوائها الفريدة، ولكل قاعة جو وروح ونكهة، في أحياء " بلفيل " و " الأوبرا " و " سان ميشيل " و " الباستيل " و " التروكاديرو "، هي المدينة التي تجد فيها قاعة سينما، في المسافة التي تفصل بين قاعة وقاعة، ويقينا لم أكن استشعر متعة في حياتي، كما استشعر متعة المشي في باريس في الليل في زمن السبعينيات ، حين ينتهي العرض الاخير في " سينماتيك شايو " – دار الأفلام الفرنسية الشهيرة التي أسسها هنري لانجوا ويكون آخر مترو غادر محطة التروكاديرو، فأعود الي بيتي سيرا علي الأقدام من عند السينماتيك القديم في اقصي الشمال حيث تلك الشرفة الرائعة التي تطل علي برج ايفل المتلأ لأ بالأنوار في الليل، وحتي محطة اليزيا في الحي 14 حيث كنت أسكن في غرفة صغيرة وحدي عند صديق في جنوب باريس. وكنت اقطع في رحلتي هذه بعد مشاهدة فيلمين أو أكثر في " السينماتيك " ضمن عروضه المسائية، أقطع ثلاثة أرباع مساحة المدينة، واستعيد خلال رحلتي الليلية، وتكون الساعة تجاوزت الواحدة صباحا، أستعيد مشاهد الفيلم، وأتأمل في جمال أحياء باريس ، وشوارعها وميادينها الخالية من المارة التي كنت أعبرها، وأنهل من سحر مدينة النور. ثم تنتابني فجأة تلك الرعشة التي يهتز لها جسدي كله من الجمال والنشوة ومتعة مشاهدة كلاسيكيات السينما العظيمة ، فإذا بي لا أعرف وأنا استنشق ذلك الهواء الطري الطازج في ليل باريس إن كنت فراشة تحلم بأنها أنسا ن، أم كنت إنسانا يحلم كما في قصيدة من قصائد الزن اليابانية بأنه فراشة..

وعلي الرغم من اني درست السينما في جامعة " فانسان " الشهيرة وتتلمذت فيها علي يد كبار نقاد مجلة " كاييه دو سينما " من أمثال جان ناربوني و جي شابوييه وسيرج لو بيرون ، وأنجزت فيها فيلما وثائقيا " كلام العيون " عن بلدي مصر في اوائل السبعينيات ، إلا أني ما زلت اعتبر أني اكتشفت و أحببت السينما في قاعة " سينما ايزيس " في حي السيدة زينب العريق، ثم وعيتها وتعلمتها وهضمتها من خلال مشاهداتي لأفلام السينما العظيمة التي أهتم بجمعها هنري لانجلوا في سينماتيك تروكاديرو، وقد كانت دار الأفلام هذه، التي تعتبر أعظم أرشيف لأفلام السينما في العالم هي مدرستي الحقيقية التي تعلمت فيها السينما، كما يقول المخرج الايطالي الكبير برناردو برتولوتشي، وأتساءل : لماذا لا تكون لنا دار أفلام " سينماتيك " مثل سينماتيك باريس، تحافظ علي تراثنا السينمائي المصري الكبير المنهوب، وتعرضه علي جيل المستقبل في مصر، ليتعرف من خلال السينما حضارة السلوك الكبري كما أحب أن أسميها ، يتعرف علي صورته، ويعي تراثه وتاريخه وهويته.؟ الا تستحق مصر التي شاهدت اول عرض سينمائي في اوائل يناير 1896 في مقهي " زواني " بالإسكندرية أي بعد مرور أسبوع فقط من أول عرض سينمائي في باريس، ألا تستحق بكل التقاليد السينمائية التي أرستها وكل الانجازات والاضافات السينمائية التي حققتها منذ ذلك الوقت أن يكون عندها " سينماتيك " !..

أجل: مازالت قضية أنشاء " سينماتيك " مصري أو دار للأفلام هي أهم قضية تشغل بالي وفكري، وأنا أركض لمتابعة الأفلام والنشاطات السينمائية هنا في مدينة النور، وأفكر دوما في بلدي، ولا تغيب عني أفلامها العظيمة وتراثها السينمائي المجيد ، فأروح أردد علي الفرنسيين أن لدينا أيضا " رينوار " مصري نفتخر به في أعمال صلاح أبو سيف الرائعة التي صارت من كلاسيكيات السينما العالمية العظيمة مثل " بداية ونهاية " و " ريا وسكينة " و " السقامات " و " الفتوة " وغيرها ، وقد كانت السينما المصرية سباقة الي اكتشاف واختراع منهج " الواقعية الجديدة " في افلامها ، قبل روسوليني ودو سيكا في ايطاليا، وهذه " حكاية " اخري قد نعرض لها لاحقا . ان وجود افلام مصرية متوافرة علي اقراص دي في دي- غالبا في نسخ مشوهة وتافهة تجد طريقها فورا الي اقرب مقلب زبالة، لايعوض عن وجود " سينماتيك " في بلادنا ، ذلك لأن متعة مشاهدة الفيلم في قاعة السينما أو في " السينماتيك " هي متعة لاتقارن ب " شبه متعة " مقطعة ومنهوبة وزائفة للفيلم علي شاشة فيديو أو تلفزيون او انترنت ، وذلك بسبب من خصوصيتها في ظلام قاعة العرض، حيث يخلو كل مشاهد بالفيلم ويكون ملكا له وحده ، ولا يستطيع عندئذ أي مخلوق أن يقطع عليه لحظة استمتاعه وحده بالعمل الفني الذي يستحوذ علي أرواحنا ، ويصير في نفس اللحظة التي نشاهد الفيلم ونعجب به وندلف الي عالمه ، يصير في التو أكبر منا..وهذا ما حدث لي حين شاهدت فيلم وثائقي فلسطيني طويل وجديد، أحببته وعشقته في التو..

وأعتبره من أجمل الأفلام العربية التي شاهدتها حديثا ، الا وهو فيلم " مقلاع الهيب هوب " للأمريكية من أصل فلسطيني جاكي سلوم (الام فلسطينية والأب من سوريا) الذي عرض ضمن مجموعة كبيرة من الأفلام الفلسطينية الروائية والوثائقية في تظاهرة " القدس " في السينما، التظاهرة التي كرس لها مهرجان " ترافلنج " في مدينة " رين " الفرنسية – أقليم بريتاني – دورته العشرين في الفترة من 31 يناير الي 10 فبراير، وكان المهرجان كرس من قبل دورته لعام 2000 لمدينة " القاهرة " في السينما ، وعرض مجموعة كبيرة أكثر من ستين فيلما لصورة عاصمة مصر كما قدمتها السينما العالمية وعلي يد المخرجين المصريين من امثال صلاح ابوسيف وتوفيق صالح ويوسف شاهين وكمال الشيخ وغيرهم ومن أنحاء العالم، وقد تزامن اختيار القدس كموضوع لهذه الدورة ، مع اختيار المدينة المقدسة كعاصمة للثقافة العربية لعام 2009 وكان اختيارا من قبل إدارة المهرجان ناجحا وموفقا..

فيلم " مقلاع الهيب هوب " من النوع الوثائقي ( 80 دقيقة ) كان عرض من قبل في مهرجان بيروت وحصلت مخرجته علي جائزة أحسن مخرجة في المهرجان، كما عرض في مهرجان صان دانس في أمريكا الذي يعتبر احد أهم مهرجانات السينما المستقلة في أمريكا والعالم، وقد أعجبني الفيلم كثيرا لبساطته وانسيابيته وانسانيته – تستطيع ان تغفر للفيلم أي شييء الا أن يكون مملا - وخلوه من أي ادعاء او وعظ وارشاد علي طريقة الافلام الكفاحية او النضالية الفلسطينية القديمة التي اعتبرها مجرد منشورات ثورية ثرثارة وجعجاعة، وحاز علي اعجاب جمهور مدينة رين – تضم 250 ألف نسمة من ضمنهم 50 ألف طالب - وكانت مخرجته حضرت الي المدينة في صحبة المخرجة الفلسطينية ايناس المظفر، وصرحت في المؤتمر الصحفي معها بعد عرض الفيلم بأن ما يحدث من قتل وتدمير وتشريد للشعب الفلسطيني في غزة وفلسطين المحتلة هو " تطهير عرقي " بمعني الكلمة ، فإسرائيل تسعي بالفعل إلي إبادة الشعب الفلسطيني، وحربها الأخيرة علي غزة شاهدة علي ذلك ، كما حكت عن صعوبات اخراج الفيلم الذي استغرقت خمس سنوات في صنعه ، فقد كانت حين تهبط قادمة من امريكا الي المطار الاسرائيلي تحتجز لمدة سبع ساعات ، وتتعرض لاستجوابات قاسية جدا و لاحصر لها ، علي الرغم من جواز سفرها الامريكي، وهي سياسة تتبعها اسرائيل لزرع اليأس في قلوب الفلسطينيين المغتربين وتطفيشهم ، حتي لا يفكروا في " العودة "أبدا الي بلادهم..

يعرض فيلم " مقلاع الهيب هوب " ببساطة وحيوية فائقة للمشهد الموسيقي في فلسطين ، حيث استطاعت مجموعة من شباب موسيقي " الراب "تشمل فرقة " الدام " من اللد التي تأسست عام 1999وفرقة " عربيات " من عكا وفرقة " أولاد الحارة " من الناصرة وعبير زيناتي من اللد وفرقة " بي آر " من من غزة ومحمود شلبي تحت اقسي واطول احتلال عسكري في التاريخ في فلسطين ، وفي ظل ظروف النفي و التشرد والضياع والحبس القهري..

استطاعت أن تحول قوالب موسيقي واغنيات الراب الامريكية ، الخارجة لتوها من جيتوهات البؤس في بلاد العم سام، الي صرخة احتجاج فلسطينية، تتواصل مع شباب فلسطين والعالم ، وشهادة علي قسوة وظلم الاحتلال، وأداة للمقاومة والصمود. وقد اعجبني في الفيلم الذي يمكن اعتباره بمثابة فيلم من أفلام الطريق أو " رود موفي " ، الذي يروج لفكرة الرد علي العنف الواقع علي الشعب الفلسطيني بسلاح الفن الموسيقي ، وقوة وبأس الكلمة، وينحاز الي " سينما الواقع "، أعجبني وهو يسافر خفيفا في أقاليم فلسطين المحتلة ، بين غزة واللد وعكة وغيرها ، ويعرض لجدار العار في فلسطين ، ويكشف لنا عن نشأة وتطور هذا النوع الموسيقي الراقص ، من خلال احاديث الشباب عنه..

أنه يحاذر في الاستغراق في عرض بشاعة ظروف الاحتلال التي يتعرض لها الشعب الفلسطيني، وقصفنا بها في كل لحظة، وبمناسبة او بدون مناسبة ،والسقوط هكذا في فخ الميلودرامية والبكائيات، بل يفرد الكلام للشباب المتحمس للصمود والمقاومة بسلاح الاغنية ، التي يسخر من اتهامه بالإرهاب، ويسال في أغنية " مين ارهابي " لفرقة " دام " - من الدوام والخلود – من اللد : أهو ذلك الانسان الفلسطيني الذي يتعرض للقتل في بلده ووطنه وعلي أرضه ، أم ذلك الجندي الإسرائيلي المحتل، الذي يغتصب الأرض، ويدمر البيوتات والمدارس والمستشفيات، و يطلق النار علي صدر الفلسطيني..

كما يعرض الفيلم في ذات الوقت لأفكار جيلين من الشعب الفلسطيني، ويكشف عن حماس جيل الشيوخ من الآباء والأمهات لفرق موسيقي الراب الفلسطيني الجديدة، وكذلك ظهور مغنيات راب يتحدثن عن ظروف القهر التي تتعرض لها البنت الفلسطينية والمرأة الفلسطينية عموما ودعوتهن الي تحررها من خلال أغنيات الراب التي تعبر الحواجز في فلسطين وتتواصل مع العالم والكون. فيلم " مقلاع الهيب هوب " يوثق من خلال توثيقه لمشهد موسيقي الراب في فلسطين ، يوثق لتاريخها وذاكرتها ايضا، ويجعلنا نخرج من الفيلم ونحن مزهووين ومنتشيين بالفرح والأمل ومتطهرين من أي غم و قنوط ونكد، وفخورين بذلك الشباب الذي يحارب جدار العار في فلسطين بكلماته الصادرة من القلب والمباشرة والشعبية، التي تنهل، كما يذكر تامر نقار مدير فرقة " دام " من اللد في الفيلم ـ تنهل من تراث الشعر الفلسطيني عند محمود درويش وسميح القاسم وغيرهم من شعراء الصمود والمقاومة ، كما تنهل من فكر واغنيات الشيخ امام واشعار احمد فؤاد نجم في مصر وتراث الاغنية الفلسطينية الثورية العريق. تحية الي جاكي ريم سلوم علي فيلمها الوثائقي الجميل الذي يستحق المشاهدة عن جدارة وكان عرضه في " رين " أول عرض له في فرنسا، وهو بالقطع لن يعجب البعض الذين يفكرون بأن أي فيلم فلسطيني لابد له أن يعرض مطولا لتاريخ النكبة ويصبح محاضرة مملة سقيمة وينهل من مشاهد القتل والدمار المدوية الدموية ويقصفنا بها – الصورة النمطية التي تعرض لها نشرات الاخبار - يقصفنا بها بلا هوادة ويجعلنا نيأس مع الفلسطينيين من حياتنا، في حين يطرح فيلم " مقلاع الهيب هوب " صورة اقرب الي الحياة الطبيعية في فلسطين بزهوها وبهجتها ولذلك ينفذ أن صح التعبير الي قلوبنا مباشرة.

تري ماذا حقق مهرجان " ترافنج " السينمائي في مدينة رين ، الذي خصص دورته العشرين لمدينة " القدس " في السينما؟. حقق بالطبع الكثير فقد أتاح لسكان المدينة من عشاق الفن السابع عرض ومشاهدة " بانوراما " رائعة للسينما الفلسطينية وجواهرها مثل " عرس في الجليل " لميشيل خليفي ، المؤسس للسينما الفلسطينية الروائية في بداية الخمسينيات، و " تذكرة الي القدس " لرشيد مشهراوي و " يد الهية " لايليا سليمان و " عطش " لتوفيق ابو وائل، و " الجنة الآن " لهاني أبو أسعد و " ملح هذا البحر " لآن ماري جاسروغيرهم ، كما عرض مجموعة كبيرة من الأفلام الوثائقية الطويلة والقصيرة لجيل الشباب في السينما الفلسطينية الجديدة ، لصبحي الزبيدي وايناس مظفر وجاكي ريم سلوم ومؤيد موسي العيان وغيرهم ، كما عرض أيضا مجموعة كبيرة من الأفلام الإسرائيلية المهمة مثل فيلم " فالس مع بشير " للإسرائيلي آري فورمان الذي كتبنا عنه في " نهضة مصر " ونحن نحكي عن الأفلام التي شاهدناها في مهرجان " كان " السينمائي 61. عرض " ترافلنج " أكثر من ستين فيلما من جميع الأنواع لمخرجين فلسطينيين وإسرائيليين في تلك التظاهرة السينمائية المهمة التي أعتبرها من أهم التظاهرات السينمائية في فرنسا ، وكانت كما ذكرت خصصت احدي دوراتها للقاهرة والسينما المصرية ودورة أخري للعاصمة الجزائرية الجزائر والسينما الجزائرية.كما أقام المهرجان أكثر من معرض للصور الفوتوغرافية من فلسطين والقدس، وعقد عدة طاولات مستديرة للحديث عن ظروف السينما الفلسطينية وقضايا الشعب الفلسطيني تحت الاحتلال، تحدثت فيها المخرجة جاكي ريم سلوم والمخرجة إيناس المظفر من مواليد القدس وكان المهرجان عرض للأخيرة فيلمين هما " من الشرق الي الغرب " الذي يصور انتقال أسرتها من بيت الي بيت وهو فيلم وثائقي بسيط و جد أنساني وعميق ومشبع بالآسي ،و يصور واقع التشريد الذي تتعرض له الاسرة الفلسطينية ، وكان الأب تعرض أيضا للنفي من مدينته يافا عام 1948 ، وهاهو يضطر مرة أخري بعد إقامة لفترة 27 سنة في ذات البيت ، يضطر الي اغلاقه بالضبة والمفتاح والانتقال مع زوجته الي بيت جديد وتشرد جديد. اللعنة. وفي احد المشاهد المؤثرة في الفيلم، يحكي الاب ( 70 سنة ) كيف ظل يبكي طوال الليل حين بلغه نبأ وفاة الزعيم جمال عبد الناصر، ويجعلنا الفيلم نتعاطف مع حاله وهمه وغربته في وطنه وأساه ، ونكاد نعانقه ونطبطب او نربت مواسيين علي ظهره ونمسح دمعته. كما عرض لنفس المخرجة فيلما روائيا قصيرا ساخرا بعنوان " اوكيوبازيون " يمكن ترجمته ب " احتلال صهيوني " وفيه يلعب الفلسطيني دور الجندي الإسرائيلي المحتل ، ويصور للإسرائيليين والعالم ماذا سيحدث لوا نقلب الوضع في فلسطين، وصار الإسرائيليون تحت الاحتلال في مكان الفلسطينيين ، ويسأل الفيلم : أليس من الطبيعي عندئذ أن يجن المواطن الفلسطيني ويثور، تحت ظروف القمع والحبس يا للعار التي يتعرض لها في بلده ووطنه ، مثل ذلك الممثل الذي يظهر في الفيلم ويتصرف مثل المجانين وكمن فقد عقله ، بسبب الاضطهاد والاهانة والظلم ؟ وسوف نتوقف إذا سمحت الظروف ، عند بعض الأعمال السينمائية الفلسطينية المهمة التي عرضها المهرجان، في وقت لاحق..