الجمعة، مايو 16، 2014

انطلاقة مهرجان كان 67 بفيلم " جريس موناكو " الفرنسي لأوليفييه داهان : هوليوود ضد ديجول بقلم صلاح هاشم



نيكول كيدمان في فيلم جريس موناكو
 
إنطلاقة مهرجان " كان " 67 بفيلم " جريس أميرة موناكو " الفرنسي لاوليفييه داهان :
هوليوود ضد ديجول. تحولات أميرة

بقلم

صلاح هاشم مصطفى




كان –  فرنسا . من صلاح هاشم
  
بحضور عدد كبير من نجوم السينما العالمية من أمريكا وفرنسا وايطاليا والقارات الخمس، من ضمنهم المخرجة النيوزيلاندية جين كامبيون، صاحبة فيلم " البيانو" البديع( السعفة الذهبية 1993 ) ،ورئيسة لجنة تحكيم الدورة 67 انطلق مهرجان " كان " السينمائي يوم الاربعاء 14 مايو..لكي يفسح شاشاته لعرض وتقييم ابرز إنتاجات السينما العالمية وحصادها المبهر خلال سنة..عبرتلك الأفلام التي تتضمنها قائمة الاختيار الرسمي، THE OFFICIAL SELECTION والتي اشتملت في هذه الدورة على اكثر من مائة فيلم جديد من انحاء العالم، تم اختيارها من بين اكثر من 1800 فيلما وصلت الى إدارة المهرجان،وتوزعت كما هو معتاد على عدة محاور اساسية، من ضمنها محورالمسابقة الرسمية للمهرجان التي تشتمل على أكثر من 19 فيلما، ومن ضمنها  ايضا فيلم " جريس موناكو " – خارج المسابقة –GRACE DE MONACO  للفرنسي اوليفييه داهان، بطولة النجمة الاسترالية نيكول كيدمان ( في دور جريس اميرة موناكو ) ،والممثل البريطاني توم روث ( في دور الأمير رينيه ) الذي عرض يوم الاربعاء في حفل افتتاح المهرجان..


     فيلم "جريس موناكو" : يروج لـ " وهم " الحكاية الخرافية لكنه لايحمل هما أو قضية


         
يعرض الفيلم لحياة النجمة الامريكية الشقراء جريس كيلي التي لمعت واشتهرت في هوليوود وأنحاء العالم بسبب الافلام التي مثلتها تحت ادارة المخرج البريطاني ملك الرعب الفريد هيتشكوك،وابرزها فيلم REAR WINDOWالذي مثلته مع جيمس ستيوارت،ويبدأ الفيلم بعبارة مكتوبة على الشاشة مأخوذة عن جريس كيلي ذاتها تقول فيها "ان فكرة ان الحياة التي عشتها والشهرة العالمية لتي حققتها لنفسي في السينما تشبه حكاية خرافية ،هذه الفكرة ذاتها هي حكاية خرافية ". ثم يكتب المخرج على الشاشة ان القصة التي سوف يرويها علينا الفيلم هي من نسج الخيال، ولاعلاقة لها بالواقع. وبالطبع يضحك النقاد في قاعة العرض في المهرجان عندما تظهر هذه الجملة على الشاشة، يضحكون بصوت جد مسموع يعلن عن سخريتهم وتهكمهم، لماذا ؟ لأن معظم الكتابات الصحفية التي صاحبت صنع وتصوير فيلم " جريس موناكو ركزت على النزاع الذي نشب بين مخرج الفيلم وموزع الفيلم في امريكا ، فقد اراد الموزع اجراء بعض التعديلات في سيناريو الفيلم، حتى يرضى عنه أهل الأميرة المرحومة في موناكو وعيالها وأولادها من اسرة غريمالدي..ويكرس لاسطورة النجمة التي هجرت هوليوود من اجل عيون الامير – وكانت التقت به في مهرجان " كان " السينمائي بالفعل وأحبته - كما في كل الحكايات الخرافية التي تكرس لاحلام السعادة التي تهبط بلا حساب من السماء ، وتجعلنا نصبر على الذل والقهر ولانعترض أو نتذمر، لكن ظل المخرج متمسكا برأيه وفيلمه من دون حذف ايا كان أو تعديل.. وأصر على ان يعرض في حفل افتتاح مهرجان " كان " السينمائي ويخرج بعدها للعرض بهذا الشكل..أي شكل يعني ؟ ..





ذات الشكل الذي خرج به فيلمه الأخير الجميل بعنوان "الحياة الوردية " LA VIE EN ROSE الذي يحكي عن المغنية الفرنسية إديت بياف والذي حقق نجاحا نقديا وجماهيريا ساحقا ،  في أنحاء المعمورة، وعلى أمل أن يكون فيلمه ذاك الجديد عن جريس كيلي بعد ان اعتزلت التمثيل ورضت بالأمير رينيه زوجا اشبه مايكون بالسيرة الذاتية للأميرة ، وتكريسا لتلك الحكاية الخرافية " المثالية " ذاتها التي تحلم بها السينما في هوليوود، وهي  تروح تبيع لنا " الوهم " والتي صنعت  في ذات الوقت لمصنع الاحلام في أمريكا مجده وزهوه وحققت له رواجه وانتشاره في العالم من خلال "الميلودراما "أي المبالغات العاطفية الميلودرامية التي احتشدت في فيلم " جريس موناكو" لتجعل منه أشبه مايكون برد اعتبار للنجمة الراحلة بعد موتها في حادث سيارة والترويج لمملكة اسرة جريمالدي التي تعد " جنة "لأثرياء العالم المتهربين من دفع الضرائب ، مثل اوناسيس، الذي يظهر طبعا في الفيلم،  ويقف ليساند الأمير في ورطته، وأكبر " كازينو" للعب القمار في العالم.ان جريس كيلي التي لانعرف عنها إلا انها النجمة الامريكية  الشقراء التي هجرت " مجد " هووليوود وتزوجت من أمير كما في الحكايات الخرافية ، كانت أكثر من ذلك..
                         
 كانت جريس " مناضلة " MILITANT   ضحت بالغالي والنفيس من اجل عيون الأمير ولولا انها تدخلت وتحولت من أميرة من أميرات الحكايات الخرافية الى " ناشط " ACTIVIST على كافة المستويات اجتماعيا وسياسيا  كما يكشف الفيلم و" مكافحة" من طراز مثالي نادر لكانت أميرة موناكو اليوم مجرد قطعة من فرنسا، فقد كان الرئيس الفرنسي ديجول يريد تمويل مصاريف حربه الباهظة على الجزائر في فترة الخمسينيات  فطلب من امير موناكو أن يفرض ضرائب باهظة على رجال الاعمال والأثرياء الذين يقطنون الولاية أنذاك، ومن ضمنهم  رجل الاعمال اليوناني ملك ناقلات البترول أوناسيس، وهدد ديجول بأنه إما دفع تلك الضرائب ، أو ضم إمارة موناكو الى فرنسا،..
وهنا كان على الاميرة ، التي  نلتقي بها في القصر بعد مضى 5 سنوات على زواجها ، كان عليها ان تكف عن الشكوى - كما فعلت حين التقت بالمخرج البريطاني ملك الرعب هيتشكوك في  المشهد الأول من الفيلم – وتدخل في سلسلة " تحولات " ميتامورفوزم – لتصبح تلك المناضلة التي تحدت ديغول ، وأنقذت الامارة التي لم ينجح لا ملك ولا وزير في كل تاريخ فرنسا في ضمها الى فرنسا الكبري كما حدث مثلا مع اقليم الالزاس، ويجعلنا الفيلم نشهد صعود أميرة من حالة الغيبوبة التي كانت تعيشها بعد ان صدقت حكايتها الخرافية، لتصبح بعد ان تعلمت اصول الاتيكيت ووكيف تسيطر على أحزانها ومشاعرها وأعصابها ، تصبح " بطلة " بجد تستحق تقديرنا واعجابنا، ونقوم ونضرب لها بعد ان اكتشفنا كيف صمدت وتحملت بصبر حياة الملل التي تعيشها الاميرات المحبوسات الذليلات في الاسي داخل القصور، وكيف أنقذت الأمير من مؤامرة كانت تحاك في الخفاء بواسطة شقيقته  لخلعه عن عرش  الأمارة ، واحلال إبنها مكانه ، بالتواطؤ مع الرئيس الفرنسي ديجول..
فيلم " جريس موناكو " لاوليفييه دهان يسير مثل قطار على شريطين : شريط "المبالغات العاطفية الميلودرامية  الهوليوودية المعتادة بتوابلها المعروفة – وفي كل عناصر الفيلم، من أداء وتصوير وتمثيل الخ بقصد الابهار الجمالي والحسي والسياحي أيضا، بحيث يمكن أن يعتبر الشريط بمثابة أكبر وأغلى "بروشور" - إعلان دعائي- لامارة موناكو ووضعها ووضع اسرة جريمالدي من جديد في صدارة صحف التابلويد والاثارة ومجلات البيبول الشعبية – للاستهلاك المحلي، وقد بلغت تكاليف انتاج الفيلم اكثر من 20 مليون يورو – وياله من " ترف " واستعراض عضلات " اخراجية " فارغ ! اذا هززته فلن يسقط منه شييء، فهو مثل كل البضاعة الملفوفة في ورق سوليفان والخارجة لتوها من فرن مصنع الافلام في هوليوود لايحمل هما أو قضية ..

الأربعاء، مايو 14، 2014

مختارات سينما إيزيس : عن الإخونة و الإخوان بقلم خليل كلفت





مختارات سينما إيزيس

عن الإخونة و الإخوان
بقلم


خليل كلفت


لم تبدأ الأخونة بثورة يناير، ولا بوصول الإخوان إلى الحكم، بل بدأت قبل ذلك بكثير. ولا شك فى أن الأخونة تسارعت وتكثفت واتسع نطاقها خلال عام من حكم المرشد، باستخدام الرئاسة وسلطة الدولة. غير أن ذلك العام لا يمثل كل تاريخها. والحقيقة أن الأخونة كانت عملا مشتركا قام به الإخوان وساهمت فيه كل الرئاسات والحكومات السابقة بطريقة مباشرة أو غير مباشرة. والأخونة ليست ظاهرة سياسية منقطعة النظير. ذلك أن كل سلطة سياسية جديدة أو قوة سياسية صاعدة تقوم بما يناظر الأخونة، مهما كانت الأيديولوجيا السياسية التى تتبناها. ومن الأمثلة التى لا نهاية لها البلشفة عند بلاشفة روسيا، وإضفاء الطابع الشيعى الخمينى فى إيران، والطابع الفاشى والنازى فى إيطاليا الفاشية وألمانيا النازية، والعسكرة فى عهد عبد الناصر، وقبل ذلك الإدارة الاستعمارية البريطانية، وكل سلطة أو قوة سياسية جديدة فى كل مكان وفى كل زمان. وقد نجحت الجماعة، رغم انكشافها منذ نشأتها وبداياتها الأولى كجماعة إرهابية ذات تنظيم عسكرى خاص، ورغم علاقاتها بالمحتل والقصر، ثم بالاستعمار الأمريكى، فى الممارسة التراكمية لأخونة ما قبل الوصول إلى السلطة، أىْ تطوير وتوسيع شعبية جماعة الإخوان المسلمين وقوتها الاقتصادية والسياسية والفكرية وهيمنتها وسيطرتها كأيديولوجية سياسية تسعى إلى التحول إلى الأيديولوجيا السائدة فى المجتمع كمقدمة ضرورية للاستيلاء على سلطة الدولة وتحقيق مشروع الدولة الدينية. وإلى جانب الجهات الدولية والإقليمية المعنية، جاء الدعم الرئيسى للجماعة على الأخونة من الدولة المصرية ذاتها التى قامت بذلك بوسائل عديدة وأحيانا متضاربة. وإذا فكرنا فى عهود ما بعد يوليو 1952 وجدنا أن عبد الناصر قام، بعد تعاون قصير مع الجماعة رغم حظر الأحزاب الأخرى، بالحل الأمنى المتمثل فى مواجهة أمنية شاملة، فى سياق مصادرة الحياة السياسية والنقابية والصراع الفكرى، وهامشية المكاسب الفلاحية والعمالية. وقد استمرت هذه المصادرة المسماة بالديمقراطية الاجتماعية فى عهدىْ الرئيسين اللاحقين السادات و مبارك؛ رغم التعددية الحزبية الصورية التى اختفى تحت سطحها نظام الحزب الواحد. ولا جدال فى أنه لا مناص من الحل الأمنى المباشر إزاء منظمة إرهابية. غير أن مصادرة الحياة السياسية والفكرية، والغياب التام لمعايير وتدابير مستويات من العدالة الاجتماعية، ساهما فى توسيع نطاق الأخونة. وحالما تراجع الحل الأمنى منذ منتصف السبعينات، عندما فتح السادات الباب واسعا أمام هذه الجماعة والجماعات الإرهابية الأخرى، بدأت وتطورت فى عهد السادات، ثم فى عهد مبارك، مرحلة جديدة كبرى من الأخونة فى الاقتصاد والسياسة، إلى أن صار للإخوان اقتصاد داخل الاقتصاد، ودولة داخل الدولة من خلال تغلغل نفوذهم الفكرى والسياسى والبرلمانى والنقابى والإدارى فى سياق نظام سياسى مترهل، ومتهادن رغم أخطار محدقة. وكان هذا يعنى أن الجماعة، على رأس جماعات أصولية إرهابية أخرى، نجحت فى تأسيس قطاع إسلاموى له وزنه، إلى جانب القطاع القومى، داخل الرأسمالية الكبيرة الحاكمة، فى دولة نصف مدنية ونصف دينية. ومخطئ من يتصور أنه كان هناك تحالف إستراتيجى أو زواج كاثوليكى بين الدولة والإخوان. ذلك التعاون الفعلى ظل يختفى تحته صراع عميق بين قطاعين للرأسمالية الكبيرة. وقد شهدنا مثالا نموذجيا لهذا الصراع فى انتخابات نوفمبر وديسمبر 2010 البرلمانية، التى قامت بالإقصاء التام للجماعة، قبل الثورة بشهر واحد. وينبع مثل هذا التصور من عدم إدراك حقيقة التناقضات العميقة التى تقوم داخل كل طبقة حاكمة، رأسمالية أو غير رأسمالية، فى كل مكان وزمان، رغم أىّ تعاون أو تهادن أو حتى تحالف مرحلى مخطط. وفى عهد مبارك كانت الجماعة هى القوة الصاعدة الفعالة فى سياق ركود وترهل وقصر نظر النظام. ولا شك فى أن المخططات الإخوانية للانقضاض على سلطة مبارك كانت جاهزة، ولم يقطع الطريق عليها سوى ثورة يناير المجيدة رغم كل تعرجاتها ومنعطفاتها وانحرافاتها، فكانت المنقذة من مشروع الدولة الدينية الإخوانية. وتمثلت إستراتيجية المؤسسة العسكرية فى العمل على تفادى حرب أهلية مدمرة فى مصر. ولهذا تخلت عن مبارك تحت ضغط الثورة، وخططت لتحالفات مرحلية مع الإخوان المسلمين. ذلك أن "تحييد" الإخوان كان ضروريا، فى سياق انهيار مؤسسات الدولة فى بداية الثورة وفى سنواتها الأولى، للحيلولة دون قيامهم بإشعال حرب أهلية شاملة. ورغم الصراع العميق حدث تحالف اضطرارى مخطط بين الجيش والإخوان، وكان لا مناص من دفع ثمن التحالف مع الإخوان. وهكذا سيطروا على البرلمان بمجلسيه وفرضوا الدستور الإخوانى فى أعقاب تولية رئاسة الجمهورية للدكتور محمد مرسى متمتعا بسلطة التشريع بعد قيام المجلس العسكرى بحلّ برلمانهم. وبكل هذا اكتملت حلقات دائرة الأخونة التى تسارعت بسرعة جنونية فى سياق صراع مرير بينهم وبين المؤسسة العسكرية فى اتجاه مرحلة لاحقة من الأخونة والتمكين. وكان كل من الفريقين يستعد للانقضاض على الفريق الآخر. وهنا وفّرت الموجة الكبرى لثورة يناير فى يونيو 2013 شرطا مواتيا تماما لتدخل الجيش لاستعادة السلطة، ولولا تلك الموجة الثورية فإنه كان لا مناص من أن يضطر الجيش إلى التدخل لإسقاط حكم المرشد دون غطاء شعبى. وكانت الإطاحة بذلك الحكم مسألة حياة أو موت فى نظر الجيش، فالجيش الذى أدرك خطورة الحرب الأهلية على الدولة ومجتمعها، أدرك أيضا جوهر الأخونة بوصفها إحلال دولة إخوانية بمؤسساتها ورجالها محل الدولة بمؤسساتها ورجالها أنفسهم، وإحلال الاقتصاد الإخوانى محل الاقتصاد بمؤسساته ورجاله أنفسهم، وكان هذا يعنى إرسال قيادات مؤسسات الدولة والاقتصاد إلى المعتقلات والإعدامات والمنافى. وكانت السرعة الجنونية للأخونة، لأسباب شتى، هى التى سارعت بهزيمة الإخوان المسلمين فى النهاية. وكان لا مناص من قيام الجيش بإسقاط مشروع دولة الأصولية الإسلاموية الإرهابية

عن جريدة الاهرام بتاريخ ١٣ مايو


الأربعاء، مايو 07، 2014

فيلم " الخروج للنهار " لهالة لطفي حالة سينمائية شديدة الثراء بقلم د. فاروق ابراهيم


مختارات سينما إيزيس





 لقطة من فيلم الخروج للنهار


فيلم الخروج للنهار لهالة لطفي :

حالة سينمائية شديدة الثراء..
  وصراع درامي عالي القيمة

بقلم

 د. فاروق ابراهيم 


إنه خروج علي كل الأشكال والرؤي للسينما النمطية وضوء ساطع لنهار جديد ومتجدد.. وبمثابة روح وثابة لمتتاليات أيام وليالي حتي يبزع نهار الحقيقة وبلا رجعة. إنها لحظة انتظار الموت.. دون أن يتسرب لدينا الخوف أو الهروب من حقيقته.. انتظارا لقدومه.
ويتميز فيلم الخروج للنهار للمخرجة هالة لطفي بحميمية شديدة الثراء.. وحالة إنسانية لم نتعودها من قبل في أعمال سينمائية.. فرغم ما يكتنف الفيلم ويحيط به جو من الكآبة والحزن الدفين.. والأمل المؤقت.. نري ذلك جليا.. من خلال ذلك الأب.. الراقد علي سرير.. انتظارًا لنهاية.. وقد بلغ من العمر أرذله.. وأسرته المتواضعة.. وهم يعايشون نهاية هذا الإنسان.. وقدراته تتناقص يوما بعد يوم لمجابهة ظروفه الصحية والنفسية المتدهورة.. إنها حالة صراع درامي عالي القيمة.. من ابنة افنت زهرة عمرها الافتراضي في تمريض أبيها.. دون أن يعتريها الوهن أو الألم.
لقد فقدت تلك الابنة كل متعلقات وجودها كأنثي.. شعر أشعث أغبر.. أنوثة ضلت وجودها وبلا رجعة.. حتي مع من أحبته.. أو هكذا كان.. إنه زمن الكذب والهروب بلا سبب.. وأم ظل الحنين إلي الزمن الجميل.. يطاردها ويحاصر ذكرياتها مع أغاني أم كلثوم.. فتنسي ألم وجودها.. مع شريط أيامها مع شريك العمر.. ونهر حبها الذي كان.. ومازال.. فتبث حبها.. لعل أنغام الموسيقي.. تشارك هذا الجسد المسجي بلا حراك نشوة حب عميق.. وقدر محتوم.
إن الخروج للنهار.. حالة سينمائية خارج الصندوق المرئي الذي ألفناه في معظم أفلامنا التي تستدر عواطفنا فالفيلم ليس نطاقه.. ومرئياته عن المرض فقط ومعاناة من يصاب به.. انتظارا لمجهول قد تطول فترة انتظارنا له.. بل عن تلك اليوميات التي مازالت تستطر بإحكام.. بل يدور في محتواها حول كيفية التكيف مع تلك الحياة الموحشة.. والمكتوب علينا أن نعيش بها.. ومعها بل تتكيف مع كل تداعياتها حتي لو فقدت الابنة ربيع شبابها.. وفقدت كل متعلقات قلبها الذي ينبض.. ولكنه.. نبض ووجود ضل الطريق.. بل يجب علي الجميع الهرولة نحو ما هو آت رغم قسوة الحياة.. فالجميع في مرئيات الفيلم وأحداثه يهرولون نحو عملية التكيف.. الوجداني مع قسوة المرض. فالحياة ليست وردية.. كما كانت مع ذكريات الزوجة الصابرة المؤمنة بقضاء الله وقدره.
فالجو العام رغم رمادية الصورة أمامنا.. إلا أنه أعطي مفهوما للمرض.. عند تلك الأسرة الصغيرة.. التي أعطت مثالا للعناء انتظارا.. للنهاية. دون أن تتعجلها.. أو تدفع بها للنهاية بأي ثمن بل الصبر ومجابهة المحن هو شعار.. يرتفع يوما بعد يوم حتي حينما ذهب الأب إلي المستشفي انتظارا للنهاية.. إن هذا الانتظار المؤجل كالحب المؤجل.. والأحلام التي تلاشت علي ناصية حب يستحيل.
حتي جاءت النهاية المفتوحة وكأنها تجربة وحالة شخصية مكتوبة علي الشاشة بعناية شديدة.. أحداثها رصد الحالة النفسية لهذه الأسرة والأحداث الجانبية تدعم البناء الدرامي للفيلم- تتأمل الفتاة من حولها حبيبها غدر بها.. سائق الميكروباص.. وحياته ومعاناته اليومية- البنت التي مازالت تعيش في وهم الخرافات والحسد.. القريب الذي يقترب من الأسرة.. ولكنه بعيد كل البعد عن مشاعر الابنة التي دفنت مع حبيب مجهول ومريض أنساها كل شيء جميل حولها.. حتي وهي تتجمل لوهم قادم.. ولكنها عايشت كل ذلك.. بلا خوف أو توجس أو حتي ندم ما.
حاز الفيلم علي العديد من الجوائز لتميزه.. مثل ذهبية مهرجان وهران وبرونزية أيام قرطاج السينمائية وجائزة أفضل مخرج عربي.. إن الخروج للنهار تجاوز مفهوم الموت المؤجل. وتجاوز جو الخوف والتوتر.. حتي أنه تجاوز كآبة المشاعر.. ونقلنا إلي بزوغ نهار جديد.. والغد القادم.
تحية لكل من ساهم في طلوع شمس النهار..خاصة للمخرجة المتميزة هالة لطفي.. فقد شاهدنا فيلما يحتاج إلي مراجعات.. وقراءة بصرية.. في ضوء النهار.. من جديد. 

عن جريدة " الجمهورية " المصرية

                                                

الخميس، مايو 01، 2014

هالة لطفي تطرح بفيلم " الخروج للنهار " بديلا لأفلام الهراء العام ، وتحقق إنجازا سينمائيا باهرا بقلم صلاح هاشم


فيلم " الخروج للنهار" لهالة لطفي

هالة لطفي تطرح بفيلم " الخروج النهار " 
 بديلا لأفلام الهراء العام
 وتحقق إنجازا سينمائيا مغايرا
من خلال " إختراع النظرة "


بقلم

صلاح هاشم


ترصد عين هالة لطفي في فيلمها " الخروج للنهار " الذي شاهدته في مهرجان الاسكندرية " ترصد واقع مثلث أسري مكون من اب عاجز ومشلول، ووزوجته التي تعمل ممرضة ، ثم ابنته التي تعيش على رعاية الاب والسهر على راحته ، وغسيله واطعامه ، وتتبادل الاثنتان المهمة بصبر وطول بال وجلد وشجاعة "قدرية" متناهية، ومن خلال الاحداث التي تعيشها الاسرة أو ذلك المسلسل، وكان يمكن أن تؤسس هالة من خلاله لفيلم روائي قصيرليس إلا ، تؤسس هنا هالة لطفي لفيلمها الروائي الطويل الأول من خلال بناء فيلمي يعتمد على تراكم التفاصيل الصغيرة في مايطلق عليه THE CIRCUMSTATIONAL METHOD OF NARRATION ، والاعتماد على ممثلين غير معروفين أو يقومون بالتمثيل هنا لاول مرة، فليس في الفيلم  " نجوم " ، أو عقدة أو حبكة أو حكاية أو سيناريو جاهز و مكتوب 
كما هو الحال مع افلام السينما التجارية..
 بل هناك : "مناخ " من الأسي والحبس والقهر، و" جو " و " تشخيص دقيق لـ " حالة "، والتركيز على وحدة المكان ..

 

 ومن خلال تلك المتابعة الدقيقية لذلك المثلث، والكلمات القليلة المتبادلة بين أطرافه الثلاثة، تنسج هالة لطفي نسيجا سينمائيا رفيها وشاعريا بحس راق، ثم وعندما تخرج الفتاة الى الشارع ، تلتقي في سيارة ميكروباص بفتاة تروح تسرد عليها مشكلتها، من جملة المشاكل الحياتية التي تعيشها فتيات الاسر المصرية الفقيرة الغارقة في الجهل والتخلف ،وأمراض الكبت الجنسي المروع، والايمان بالخرافات وكل هذه الاشياء والأحداث المخيفة مثل أن تختطف فتاة في الشارع، أو تغتصب فتاة صغبرة ثم يلقي بها من فوق سطح بناية الخ ، والتي اصبحت مادة لصفحات  الحوادث في الصحف، فنتاسي أيضا لحالها ، بزيادة..
 وحين تخاطب بطلتنا هاتفيا صديقا لاتعرف ان كان يحبها،  ولاتعرف أيضا ان كانت تحبه - ونغرق جميعا معهما في حياة " الوهم " ، وهل لديه او لديها وقت للحب في تلك الحياة المصرية البشعة التي تحولت الى غابة تسكنها الوحوش الادمية أيضا ؟، حيث يحاول سائق تاكسي اثناء توصيلها الى منزلها في الليل الاعتداء عليها، نتثبت في المكان، وندخل في لحم الفيلم ، ونشاهد في " سوناتة " الخروج للنهار" صورة تشبهنا " وتشبه كل هذه الأسر المصرية التي نعيش بين ظهرانيها والتي خرجنا منها،
لايوجد فيلم في فيلم " طلوع النهار " بل يوجد فقط " سينما " بجد ،  سينما من الفستق المقشر ، " سينما " خالصة حلوة، اريد أن أقول، سينما هالة لطفي "الشخصية "من النوع النادر الهاديء الهامس الذي يصنع في لحظات الصمت بين مشهد ومشهد كما عند المخرج الفرنسي الكبير روبير بريسون وتأسرنا، بإيقاعها وتوهجها، ومن دون رغي وكلام وثرثرة فارغة عقيمة، كما في جل افلام السينما المصرية التافهة في أفلام " الهراء العام " NONSENSE التي تصنع بالورق  الجاهز وخبط الحلل ..

 حين لاتقدم لنا هالة لطفي في فيلمها مانعرف اننا نريده، وتعودنا عليه،  بل مالانعرف اننا نريده ، ونكتشفه هنا لأول مرة من خلال "اختراع النظرة" - أعني " الرؤية " الخاصة لهالة لطفي ( عين على الوطن: ومأساة الحياة والعجز والمرض في بلد الغربة والاسياد الفاسدين العجزة، وعين على السينما الخالصة : - الكتابة بالضوء - التي تتخلق في اللحظة ومن خلال  بضع وريقات مكتوبة كسيناريو ومفتوحة على كل الاحتمالات ) التي تؤسس لنوع من الترقب والتوتر SUSPENSE ولذلك نظل مشدودين الى مقاعدنا طوال فترة عرض الفيلم وتكاد وجوهنا ان تلتصق بالشاشة من فرط التاثر والاحساس بماساة وظلم وقهر الحياة في مصرعلى أهلها البسطاء الفقراء المعدمين.ونخرج من فيلم الخروج للنهار  ونحن نلعن الظلم ، وندعو ذلك النهار الذي لايبدو له أي أثر في الافق أن يصعد ويطلع سريعا، فحتى بعد ثلاث ثورات في مصر لم يطلع ذلك النهار بعد، ولن تجد جثث الموتى الملقاة في الشوارع والمستشفيات ركنا لها في الثري،  يحنو عليها ، بعد فوات الأوان،  ويأويها..اللعنة .
تحية الى هالة لطفي  من خلال إختراع " النظرة " على إنجازها السينمائي الباهر الذي يبدو لنا في "شموليته" الفنية أقرب مايكون " الى مقطوعة موسيقية من نوع "السوناتة" ويستحق المشاهدة عن جدارة..