الخميس، مارس 09، 2006

أفلام في طريقها اليك : " دردمات " للمخرج العراقي سعد سلمان



مثل قصيدة عن " الأرض الخراب "

فيلم " دردمات " للمخرج العراقي سعد سلمان : الحزن مثل برميل بارود

باريس: كتب صلاح هاشم

من أجمل الأفلام العربية التي شاهدتها حديثا في عرض خاص، فيلم " دردمات ", وتعني باللهجة العراقية" همسات"، للمخرج العراقي المتميز سعد سلمان، فيلمه الروائي الطويل الأول, الذي اعتبره " فاتحة " في السينما العراقية الجديدة. " فاتحة " تمثل " نقلة " فنية ونوعية مهمة، و" قطيعة " مع السينما الروائية العربية التي هلكتنا بأفلامها الركيكة التافهة،وثرثراتها المملة المكررة المعادة، وهو من هذا المنظور، يطرح بعض سمات سينما المستقبل الرقمية الجديدة، في صنع صورة تشبهنا، ويحفر لمسارات سينمائية جديدة..
يحكي " دردمات " عن ثنائية الموت والحياة ، الخير والشر، السكون والحركة ، الظلام والنور ، الفعل واللافعل، ويضعنا بموضوعه وتوهجه الفني في قلب محنة الإنسان العراقي اليوم، ومأساة شعب وأمة، ومن خلال " دردمات " التي هي تمتمات، ووشوشات، ووسوسات ايضااقرب ما تكون الى همس الجنون, ينسج " مرثية " للحاضر المشوش، وذاكرة وماضي العراق، وكل تلك الأشياء التي احترقت في وضح النهار. مرثية تطرح من خلال الفيلم العديد من التساؤلات الفلسفية والوجودية المهمة. مرثية للكيانات المنسلخة التي لا تجد لها ذكرا، لا في سجلات الأحياء والموتى والمفقودين, وتدعونا إلي قراءة متمهلة علي ركام أنقاض الحاضر العراقي، وعبثيته...
يصدمنا "دردمات " للوهلة الأولي بفكرة موضوعه، التي يوظف لها سعد سلمان فترة الحبس الطويلة التي قضاها في سجون بلده العراق, ويكرس للفيلم كل تلك الخبرات الفنية والسينمائية العديدة التي اكتسبها في غربته ( أكثر من ربع قرن في المنفي الباريسي ) ، وبدلا كما في جل الأفلام الأولى ، بدلا من أن يحكي لنا عن ذكريات طفولته، وحنينه إلى سعادة تلك الأيام التي انقضت، يقدم لنا فيلما لا يقول فيه من فضلكم أحبوني، بل يقول فقط من فضلكم افهموني، أي يكرس فيلمه، ومنذ أول لقطة في الفيلم، لأن يكون " أداة تفكير " في مشاكل الواقع العراقي الآن وتناقضاته، بعد دخول القوات الأمريكية إلى العراق، ويتساءل عن حال بغداد وأناسها، ويجعلنا نأسى معه علي عراقه، الذي اختفي فجأة من الوجود، والحاضر المجهول..
يحكي سعد سلمان في فيلمه ذاك الأثير, ويدردن، فيرسم صورة للإنسان العراقي تحت وفوق الأرض، الجلاد والضحية ، ثم يخرجهما من تحت الأرض, ويسير معهما في شوارع المدينة ويتفرج علي ذاكرة الخراب ويدردن علي إطلاله بحزن واسي تنفطر لهما اعتي القلوب غلظة..
يحكي سعد سلمان عن عراق اليوم، العراق الذي نجهله، ولا يرحم أحدا في انتقاداته، ولا من سخريته التهكمية, ولا يقبل أن يساوم أو حتى يرحم نفسه.فيرسم صورة بالغة القسوة للعراق، كما في مسرحية لبيكيت او بانجيه أو يونسكو من كتاب مسرح العبث، تصدمنا برعبها، تحت وفوق الأرض. صورة للعراق الجديد الوليد، تحت جسر حجري يعبر نهر دجلة, ويقينا سوف تجد سعد سلمان هناك علي حافة النهر ، وقد راح يدندن أغنية حزينة مع النهر عن أناس بلا أوطان في الوطن, من غربتهم حتى تحت جلودهم في الوطن الأصلي، ويشكو لحبيب..

العراق : مقبرة الإحياء

يبدأ الفيلم تحت الأرض، داخل قبو مظلم، داخل سجن اقرب ما يكون " مقبرة " للأحياء، ونتعرف علي السجان " جبار "، جلاد برتبة عريف، يمارس طقوس التعذيب اليومية العادية والترهيب والقتل، كما نتعرف علي الأستاذ زهير الضحية، المعلم المثقف العراقي، ضمن مئات الألوف من المثقفين والمعارضين لنظام صدام حسين ،الذين القي بهم في الحبس لسنوات طويلة، وعاشوا أهوال الرعب الذي لا يوصف، واعتي أشكال التعذيب والتنكيل في سجون العراق..
ونتعرف علي جبار ومحنته، بعد أن انقطع التيار الكهربائي الموصل بالقيادة, فيروح جبار يفتش عنه بين الأسلاك الهائجة، ويصرخ في الميكروفون ملتاعا، وإذا به حين يتفقد غرف الضباط الكبار الممنوع دخولها علي حثالة الجلادين المتواضعين من أمثاله، يجدها خاوية علي عروشها داخل ذلك السرداب المرعب تحت الأرض، فيروح يركض بين طرقاته مثل عفريت، ويضحك كالمجانين، ويرعبنا..
ويكتشف جبار إن قيادة السجن لاذت بالفرار، بعد دخول القوات الأمريكية العراق، وسقوط نظام صدام حسينن، وتركته وحده مع ذلك السجين في عهدته، الأستاذ زهير، ولا يدري ماذا يفعل به. مستحيل أن يتركوه وحده مع هذا الأستاذ الذي كان يتحدث دوما لنفسه في السجن، ويدردندن لحاله ولا من يسمع. ظل المسكين يدردندن لنفسه في الحبس أكثر من ثلاثين عاما، ولم يلتفت إليه أو يسمعه احد..
يصرخ جبار ملتاعا هل يسمعني احد ؟ ، ويروح كمن دفن حيا، يزعق من داخل السرداب أو بالا حري من داخل ذلك" التابوت " المخيف الذي يضمه والأستاذ زهير في محنتهما، يزعق أن ألحقونا..
ويبرع هنا سعد سلمان في رسم أجواء الرعب الذي يعيشه المسجونين والذي خبره هو سعد سلمان بنفسه، ما بين حال الجلاد وحال الضحية ، وينهل من تجربته الشخصية، ويوظفها باقتدار في فيلمه،
بل يتلبس دور الأستاذ زهير، ويمثل الدور بنفسه، لكي يحكي عن رعب وعذابات الحبس في ظل حكم صدام حسين، والأهوال التي عاشها..
يحاول جبار الاتصال بالقيادة لأنها الوحيدة التي تستطيع أن تخلصه من ورطته..
ويحاول أيضا التفتيش في أسلاك الكهرباء عن السلك السر، الذي يوصله بها.. لكنه يفشل في كل محاولاته، ويتهكم علي تلك العبارة المكتوبة علي الجدران، من إن الاتصال سوف يظل بحمد الله باقيا مع القيادة، علي الرغم من كافة المؤامرات الصهيونية..
ويخبط جبار ذلك المذياع الذي لا ينطق في الليل، فلا تخرج منه إلا تلك الأغنيات والترهات التي غربتنا في حياتنا، وتنادي جميعا بحب الوطن، ويستمع إلي أغنية للمطرب الشعبي المصري شعبان عبد الرحيم، يعلن فيها عن حبه لعمرو موسي، وإعجابه بمبارك، وكراهيته لإسرائيل وشارون..
ثم إذا به يعي فجأة، من خلال البيانات العسكرية المذاعة، أن نظام صدام سقط،، وان العراقيين يضربون تمثال صدام حسين بالأحذية و القباقيب والشباشب في الشوارع، وان القائد الملهم اختفي فجأة، بعد دخول القوات الأمريكية العراق، وهي حيلة إستراتيجية عبقرية كما يقول المذيع العراقي، أراد بها صدام سحب القوات الأمريكية إلى داخل العراق، ثم تحويطها قبل القضاء عليها..
يصحو الجلاد علي حقيقة مرعبة: إن القيادة تركته هو والأستاذ زهير في الحبس تحت الأرض، وهربت بجلدها, ولا يخطر علي باله أبدا إطلاق سراحه..
لكن إن أطلقه ، فبشرط أن يكون مثل سيف تحت رقبة الأستاذ زهير، وكابوس يطارده في صحوه ومنامه، وأينما راح يتفقد عراق اليوم في الشوارع والميادين، وهو يرطب حلقه بكأس من عصير الرمان، ويحمل دوما جلاده في أعماقه، تحت الجلد ، والي آخر الزمن، في غربتنا..
وهنا تتحقق " ثنائية " الجلاد والضحية، ومعها الثنائيات الفرعية الفنية المتشابكة في النسيج الروائي للفيلم، وعبر مساره وتطور أحداثه، لكي تجعل من بطلي الفيلم " ذاتا " واحدة و" كيانا" مشتركا، مثل حبة أو فولة انقسمت إلى نصفين. يصبح فيها الجلاد جبار هو الأذكى، مثل ذلك الوحش الذي يسكن داخلنا، ويحتال علي الحياة بأية طريقة، لكنه يحبسه في قمقم، فلا يصبح فقط مجرد شبح يظهر للأستاذ زهير ويختفي، بل قطعة من كيانه ودمه ولحمه..
يصبح طرفا لا يمكن بتره، أو الاستغناء عنه، وكابوسا ينام معه في الفراش..
ويخرج الاثنان – الذات الواحدة- الجلاد والضحية إلى النور ويظهران فوق الأرض
حانت لحظة الخروج والالتقاء بحاضر العراق اليوم، والتفاعل مع ذلك الواقع الجديد بدماره وضياعه، بمأساته وعبثيته..
يتكيف الجلاد جبار بسرعة مع واقع العراق الجديد، فيخرج بعربة كارو يجرها حمار غلبان، ينهال عليه ضربا، لكي يبيع " غاز " العراق في السوق السوداء في الشوارع، وفي آخر النهار ، يروح يعد النقود التي كسبها، علي أصوات وفرقعات الرصاص،ويتمني أن تقع ل" كهرب " كما يطلق علي حماره حادثة، فينال عنه اكبر تعويض، كما يظهر جبار للأستاذ زهير في الخارج ويبدل من مظهره..
نراه تارة في ثوب عربي من علية القوم، وتارة أخري يصبح أصما أبكما يجادل بالإشارات، ويتغير مع متطلبات الواقع الجديد في عراق اليوم..
يحتال علي الجميع ، ويسرق كل شيء، أي شيء، ويتبدل مثل الحرباء، ويظهر في احد مشاهد الفيلم في هيئة سائق تاكسي، يحمل الضحية الأستاذ زهير إلي مكان مجهول،وهو يردد علي مسامعها إن كل أيام العراقيين صارت كربلاء ، ومأتما من الحزن. طقس اليوم العادي.

جلادون في كل مكان ووقت

علي الرغم من إن شخصية الجلاد التي رسمها سعد باقتدار في " دردمات " ترعبنا، وبخاصة في المشاهد الأولى من الفيلم، داخل ذلك السرداب المظلم المرعب، إلا أنها مع تطور أحداث الفيلم تجعلنا نعجب بذكاء جبار وفطنته، ونفهم من كلامه إن الجلادين سوف يكونون في كل مكان وكل وقت، وعلينا إلا نقع في وهم، انه لو سقط جلاد فلن يظهر جلاد آخر, وهذا هو أول درس سياسي في الفيلم، من منظور انه يجب النظر إلى العراق اليوم، من زاوية أن بلدا أنجب جلادا مثل صدام حسين، يستطيع أن ينجب جلادا آخر في أي لحظة..
ونترك جبار وحماره وقد راحا يستمتعان سويا بأكل البطيخ تحت شجرة، ويتبادلان الرفس والحكايات ،ونعود إلى الأستاذ زهير، وما فعله بعد إطلاق سراحه، وخروجه من ظلام القبو..
يبحث الأستاذ زهير عن ذلك العراق الذي تركه، والمدينة التي أحبها، تحت ركام الدمار والدم والأنقاض،.. ويسأل أين الحدائق والدور والزهور،..ويروح يهيم علي وجهه كالمجنون..
يكتشف إن لا اسما له في سجلات الأحياء والموتى والمفقودين، ولا يستطيع موظف الأحوال الشخصية العراقي أن " يخترعه " من جديد..
يسأل أين مدرستي الجميلة التي كان شباكها يطل علي النهر, ولماذا أغلقوا بالمتاريس بيت جدتي، وكيف تصير بلدية بغداد أنقاضا، وتذهب أوراقها الضائعة بماضي الناس الجميل، وسجلات حياتهم وتاريخهم وذاكرتهم..
أين سينما الخيام ،ورياض بغداد, ومن أين أتت كل هذه السيارات التي تزدحم بها الشوارع، وتصيبك بدوار الرعب والعبث..
يتجول الأستاذ زهير في أنحاء المدينة المهانة المعذبة، ويسأل أين الحكومة والنظام والدولة ، ويجيبه احدهم إن الحكومة ما شاء الله، ربما كانت تقف عند ناصية أول شارع علي اليمين..
لكن أحدا في بغداد لا يعرف بالضبط أين الحكومة، و لماذا يجري الحزن مثل شلال في طرقات المدينة..
من أين يأتي كل هذا الحزن، يسأل الاستاذ زهير، ولماذا يتطلع الناس هكذا مذهولين، وقد فقدوا طاقتهم علي الحراك، في أجواء الصخب داخل الشوارع، والطرق فيها علي الصفيح يكون موجعا مثل الخبط علي الدماغ، ومازالت تلك الرؤؤس الذبيحة يجري منها الدم.ألا يستطيع المرء أن يدردن بهمس الجنون في تلك الأرض الخراب ، من دون أن يزعجه احد؟. ماذا وقع للعراقيين، ومن أين يأتي كل هذا الحزن؟
يجعلنا زهير في تساؤلاته نتفرج على العراق اليوم، ونتألم لحال الحزن في الشوارع، ونتأسى لغربتنا نحن أيضا.غربتنا داخل مسام الجلد، في حضرة نساء مثل نساء بغداد اللواتي يتلفعن بالسواد والحزن والأسى..
حزن اسود من نوع آخر. ليس مثل الحزن الذي يطهر الروح، بل حزن سام، يسري داخل الدم، وينخر في أرواحنا، إلى أن ينفجر مثل برميل البارود في وجوهنا ، في آخر لقطة يختم بها سعد سلمان فيلمه.
بعدما يكون الأستاذ زهير تفقد تلك الأحياء المنكوبة في بغداد، بالقرب من دجلة الخير, اكتشف إن كل شيء تغير في المدينة، ولا توجد بها امرأة واحدة جميلة، فيذهب الى قبر حبيب، ويدردن مع نفسه هناك.
ويصل الفيلم إلى ذروته- لحظة التنوير النهائية، عندما يلتقي الاثنان الجلاد والضحية في محل مرطبات، ويتعرفان لأول مرة علي ذاتهما المشتركة, ذات الإنسان العراقي في المرآة..
وتتحقق هنا قمة الفيلم، عبر تلك المواجهة، وتنفجر حقيقتها في وجوهنا مثل برميل بارود, ويلمع هنا الفيلم ويتوهج بسحر الفن مثل ماسة، حين لا يصبح أمام الأستاذ زهير، بعد أن فقد كل شيء، لايصبح أمامه إلا تأمل مياه النهر الذي أحبه في الليل ،لكي يسمعنا أغنية العراق الجديد الحزينة،ويسأل متي باترى ينتهي الليل ؟مات العراق. عاش العراق الجديد..

يحقق " دردمات " إضافة جديدة علي سكة السينما العربية الجادة، التي تحاول أن تبلور مشروعا ومنهجا وترسم خطة عمل، لصنع صورة تشبهنا، من خلال السينما.ويؤسس ربما لتيار سينمائي يحمل هو بذاته نموذجا وموديلا له، في صنع سينما تنهل من مصدرين أساسيين: تاريخنا وذاكرتنا، وتحكي من خلال " دردمات" أو الأعمال السينمائية المماثلة، تحكي عن تجارب حقيقية واقعية، ومغامرات خضناها، وتاريخ عشناه، وهي تجرب وتبتكر، ولا تحكي عن تجارب مفبركة ووهمية، بمتبلات الفيلم الروائي العربي المعتادة المتهالكة التي عفي عليها الزمن..
تجارب تمزج الشخصي بالعام، وتستفيد من تجربة العمل بالفيلم التسجيلي وإضافاته، وتشحنها وتوظفها لخدمة الروائي، مثل الأفلام المذكرات الشخصية التي يصنعها ناني موريتي في ايطاليا، وعباس كيارستمي في إيران، وتمزج الشخصي باللا شخصي، وتأخذ من التسجيلي لتغذي الروائي..
تجارب مثل " دردمات " تعصر همومها في أفلامها، وتجعلها تساؤلات عن الروح الحقيقية، و ما هو ابعد من المظهر والسطحي والعام..
أفلام تذهب إلى ما هو ابعد من الواجهة, وتواجه الواقع بقوة ، وتؤسس ل" ذاكرة " ما. ذاكرتنا نحن الشخصية ( سؤال الهوية الإنسانية " الآن في اللحظة) لنتعرف على ذواتنا ، والأشياء التي تجعل الحياة جديرة بان تعاش..
أفلام كما في " درمات " تخرجنا من تحت الأرض، لكي تقذف بنا في الطريق العام، وتضعنا في مواجهة الحاضر، ولا تخشي محاسبته، و محاسبتنا من دون شفقة ولا رحمة..
وكما في " دردمات " تمثل قطيعة مع سينما مهيمنة وسائدة، وتتصدي بقوة لمواجهة الهراء العام والمشاركة في كنسه..
سينما كما في دردمات لا ترأف بحال احد، ولا حتى صانع الفيلم.
يوظف سعد بحبكة وحنكة، السؤال الشخصي في النسيج العام، ويشبك التسجيلي بالروائي فيصير " دردمات " تكملة بشكل آخر لفيلمه الوثائقي الأثير " بغداد أون أوف " إذا يرحل في الفيلم الأول إلى العراق بعد ثلاثين سنة من المنفي في فرنسا، لكنه لا يصل إلى بغداد، وفي " درمات " يصل عبر الروائي إلى بغداد، ويطلع علي حالها..
ويؤكد بفيلمه الجديد، إن الأفلام الديجيتالية الرقمية الصغيرة، لا تحتاج إلى ميزانيات كبيرة لصنعها وتحقيقها، لان حجر الأساس والمهم في الفيلم، هو القضية التي يتبناها، والأشياء التي يحكي عنها،
ويأتي بعد ذلك سؤال كيف توفر المخرج علي صنعها, لكي نحمل في ما بعد الفيلم داخل وجداننا ونتجول به ، وقد صار قطعة منا..
في " دردمات " نري أشياء كثيرة من ذلك. نري كيف استطاع سعد سلمان أن يصنع فيلما كبيرا بإمكانيات متواضعة،وفي ورشة العمل والصياغة الفنية حقق عدة انجازات وابتكارات تكشف عن مخيلة سينمائية مبدعة.يظهر ذلك من خلال " الحلول " الفنية التي ابتكرها علي مستوي جماليات الشكل، في محاولته الإجابة علي سؤال فني عويص : كيف يتوفر لأحد صناعة وإخراج فيلم روائي داخل سرداب, وكيف يحل مشكلة المكان داخل زنزانة الحبس ؟. تكون الإجابة بابتكارات الفن المدهشة، ومن ضمنها اشتغال سعد في " دردمات " على شريط الصوت ، واعتماده على ممثلين غير محترفين في الفيلم..
وكلها ابتكارات تمثل " قطيعة "، مع منجزات السينما القديمة التقليدية التجارية وأساليبها..
تحية إلى سعد سلمان على فيلمه الجميلن ولعله يكون " فاتحة " سينما عراقية روائية جديدة
تنهض من قلب الدمار والنار واللهب مثل العنقاء وتولد من جديد.سينما مهمة وضرورية، إذ تستلهم من تاريخنا وذاكرتنا, وتوظف السينما كأداة تساؤل، واستكشاف متجدد دوما للحاضر.
سينما لا تكتفي بان تكتب علي الجداران.... عاش العراق الجديد، بل تقوم تنهض وتساهم في بنائه..
وعندئذ فقط سوف ينتهي ليل العراق الطويل، بضياعه.. ومأساته.. وحزنه.
" دردمات " فيلم شهي.
عن " ايلاف
elaph.com

الجمعة، فبراير 10، 2006

حسن حداد في مسابقة افلام من الامارات

غلاف مجلة كراسات السينما عدد يناير. وتعاون مع سينما ايزيس
الناقد السينمائي البحريني حسن حداد في مسابقة افلام من الامارات


ينظم المجمع الثقافي في ابوظبي مسابقة " افلام من الامارات " ( الدورة الخامسة ) في الفترة من 1 الي 6 مارس 2006 وقد تم دعوة كل من الاديب والناقد البحريني امين صالح للمشاركة في لجنة التحكيم والناقد البحريني حسن حداد مؤسس وصاحب موقع سينماتيك المتميز بصفته الناقد الرسمي لهذه الدورة ،وكان المهرجان السينمائي الذي بدأ يخطو خطوات هامة بعد مرور اربع سنوات علي تأسيسه باتجاه ارساء قاعدة فكرية تقوم عليها صناعة سينما اماراتية وخليجية حقيقية حقق في خلال فترةزمنية قصيرة اكثر من قفزة وعرف بجديته من دون تجهم تحت رئاسة الناقد الاماراتي مسعود امر الله وصار المهرجان مرشحا لان يكون اكبر تجمع سينمائي خليجي بعدما استحدث مسابقة جديدة للافلام الخليجية اعتبارا من هذه الدورة المقبلة واضاف مسابقة جديدة في التصوير الفوتوغرافي، وستكون الهايكو سينما اي الافلام التي لايتعدي وقت عرضها اكثر من خمس دقائق موضوع الدورة المقبلة بمشاركة افلام من انحاء العالم وينسق لتلك التظاهرة الناقد السينمائي السوري صلاح سرميني المقيم في باريس كما ينظم المهرجان علي هامش عروضه السينمائية عددا من الندوات والمناقشات بمشاركة مجموعة من النقاد العرب، ويبسط المهرجان ساحته كما هو معروف لتكون ارضية لقاء وتعارف وتبادل خبرات بين ضيوفه من السينمائيين والنقاد والصحفيين من انحاء العالم العربي والعالم

الجمعة، يناير 13، 2006

حلاوة ايزيس.هدية من درويش الحلوجي

حلاو ة ايزيس.بطاقة هدية من درويش الحلوجي بمناسبة اعياد العام الجديد

بارتولمي امنجوال طفل السينما الجزائري.دراسة بالفرنسية بقلم نادية مفلاح

لقطة من فيلم الخبز الحافي لرشيد بن حاج

دراسات : بارتولمي امنجوال.. طفل السينما الجزائري

بقلم الناقدة الفرنسية نادية مفلاح

BARTHELEMY AMENGUAL .L Enfant AlGERIEN DE CINEMA

PAR : NADIA MEFLAHبقلم ناديا مفلاح

Qu’est-ce que je suis ? Qu’est-ce que j’ai été ? Je suis né à Alger et j’y ai enseigné jusqu’à l’âge de la retraite (…) Il est moins facile de dire ce que je fais N’ayant jamais été journaliste ni même collaborateur permanent ou régulier d’une revue (exceptons peut-être Etudes Cinématographiques), je ne me revendique pas comme critique. (…) Disons que je réfléchis sur le cinéma et que quelques textes et livres sortent de ces réflexions.
Barthélemy Amengual répondant à Jean-François Houben dans son ouvrage Feux croisés sur la critique, Cerf, 1999
Barthélemy Amengual, critique, historien et théoricien du cinéma, est mort mercredi 17 août 2005 à l'hôpital de Valence (Drôme) en France. Il a été incinéré à Valence où il vivait. Il était âgé de 85 ans
Cet enfant algérien de cinéma qu’il a été
Il est né le 22 novembre 1919 à Alger dans une famille pauvre d'origine espagnole. «Dans mon enfance et mon adolescence, c’est le cinéma qui m’a subjugué, beaucoup plus que les films *» De cette enfance en cinéma (la première fois à 6 ans) il racontera : « De cette fréquentation précoce et captivée ma mémoire a moins retenu des émotions que des sentiments, une foi, un état d’esprit. Le sentiment d’être soudain, devant l’écran, un « grand » libre, fort, sage, qui hante tous les milieux, approche les choses de tout près (un train en marche, une tempête, une guerre, un incendie, un volcan), et qui, comme un vrai « grand » console l’orpheline, délivre l’innocent, gagne sa vie ; la conviction que les films anticipaient mon expérience à venir du monde vraie et multiple.1
L’homme en gardera toute sa vie un éclat incomparable de beauté et d’intelligence à travers ses nombreux écrits. Avec toujours vissé aux mots cette attention au lecteur que l’on peut aussi imputer à sa formation d’instituteur. Ecrivain de cinéma humaniste, Amengual transmettait au sens fort du terme.
Le pédagogue et militant cinéphile de la culture populaire
Comme André Bazin instituteur aussi, son aîné d’un an, Amengual écrivait pour transmettre son amour du cinéma en pédagogue éclairé, porté par une croyance têtue au réalisme, démon qu’il n’aura cesse de traquer sa vie durant.
« Je découvrais quelque chose comme la paradoxe de Diderot : plus l’acteur joue et plus il est authentique2 » De cette prise de conscience du leurre et du mensonge avéré du cinéma auquel il succombe, il en fera sa pierre de touche pour réfléchir sa vie durant sur ce principe de réalisme. Exercice difficile jamais abandonné, allant jusqu’à déclarer en toute lucidité et humilité : « Définir le réalisme est une tâche impossible. D'abord parce qu'il est toujours facile de confondre réalité et vérité ; ensuite parce qu'on peut toujours retrouver le réel (certains aspects du réel), dans toutes sortes de genres et d’œuvres non réalistes 3 »
C’est cet amour du cinéma qui le conduisit à animer un ciné-club «Ce sera donc par la pédagogie que je suis arrivée à l’écriture.»
Il fut instituteur sa vie professionnelle durant, «mon métier d’enseignant se conjuguait aisément avec ma passion du cinéma, passion d’étudier; d’enseigner et de participer à une nouvelle culture, la culture cinématographique». Barthélemy Amengual s’est fait connaître dans l’immédiat après Deuxième guerre mondiale comme critique de cinéma dans les colonnes d’Alger républicain notamment et surtout comme animateur du Ciné-Club d’Alger. Partisan de l’indépendance algérienne, il demeure dans son pays natal jusqu’en 1968 (date à laquelle il prit sa retraite) où il est amené à s’installer à Valence avec son épouse. Sa première publication d’envergure, en 1954, est une analyse de la bande dessinée Pif le chien dont l’Humanité et les journaux communistes régionaux publient chaque jour les « strips, »
L’exercice critique
Deux figures importantes de la critique en France l’accueillent et le soutiennent : Bernard Chardère (fondateur de la revue Positif) et André Bazin. Ils furent ses parrains qui, tout deux, publièrent, l’un à Premiers Plans sa première monographie critique consacrée à Eisenstein, l’autre aux Cahiers du Cinéma son étude sur « l'Etrange Comique de monsieur Tati 4».
Comment situer Barthélemy Amengual dans la galaxie des critiques et théoriciens du cinéma ?
Tout d’abord, il y a le continent américain avec le cinéma classique des origines. Ses études sur Griffith, Stroheim et Lubistsch (« Il faut qu’une porte soit ouverte et/ou fermée ») sont des bijous d’intelligence éclairés et d’uen très grande précision. King Vidor, mais aussi sur Welles et Hitchcock avec son impressionnante étude sur Vertigo5:« l’avouerais-je ? Voici le premier film d’Hitchcock auquel j’ai cédé, qui m’a roulé dans son poème.».
Et dès 1957, tout comme le sociologue et humaniste Edgar Morin6 réfléchissait sur les stars, Amengual s’est penché sur ce phénomène et notamment avec Marilyn Monroe, à plusieurs reprises (« 37-22-35 ou l’impossible nombre d’or 7»).
L’autre grand continent, de référence, est celui du cinéma italien néoréaliste, où comme Bazin, Amengual n’aura cesse de réfléchir sur le réel : les auteurs italiens des années 50 et 60, de Cesara Zavattini à Antonioni Bertolucci et Pasolini. Il a longuement dialogué avec Guido Aristarco sur les théories du philosophe marxiste Geroges Luckas8. Il a notamment traduit de l’italien plusieurs ouvrages, sur Lattuada ainsi que l’essai de Guido Aristarco « Marx, le cinéma et la critique de film. » Son article sur «la Genèse du néoréalisme italien» est une leçon où il y prouve une connaissance profonde de la politique, de l'histoire et de la littérature italiennes
Et bien-sût, le cinéma soviétique. Dans les années 1960, il s’est imposé comme l’un des meilleurs connaisseurs du cinéma soviétique en France, et en particulier sur le cinéma d'Eisenstein. Son Que Viva Eisenstein, (726 pages serrées), est une œuvre critique monumentale
Mais l’un des auteurs auquel Amengual s’est intéressé avec la plus grande patience et persevérance est René Clair dont il a très tôt déploré le discrédit qui a frappé ce trop célèbre réalisateur dont la complexité est demeurée mal
perçue. Tout en collaborant à plusieurs revues de cinéma ( Les Cahiers de la Cinémathèque de 1971 à 1996 avec Marcel Oms, Les Cahiers du Cinéma, Positif, CinémAction de 1980 à 1996, Ecran, Jeune Cinéma de 1975 à 1989 ), il est resté d’une très grande attention aux bouleversements révolutionnaires des années 55-65 (Pologne Hongrie, Brésil, Grèce, entre autres). Ses études fines et érudites sur Glauber Rocha, Miklos Jancso (« les périls de l’abstraction9 ») Théo Angelopoulos et Wim Wenders sont devenues des références pour une grande partie de la critique journalistique.
En 1998, il a publié Du réalisme au cinéma, anthologie de textes qu'il avait écrits pour différentes revues, entre le milieu des années 1950 et le printemps 1997. Cet ouvrage de référence a reçu en février 1998 le prix du meilleur livre de langue française attribué par le Syndicat Français de la Critique de Cinéma.
Du savoir à la saveur
Mais plus encore que cette profonde connaissance du cinéma, c’est du plaisir qu’il faut témoigner à l’égard de Barthélemy Amengual. Celui éprouvé à la lecture de ces écrits où l’intelligence brille par sa clarté, matinée d’humour sensualiste, lorsqu’il évoque langoureusement ces enfoncements sensuellement suggestifs des trains hitchcockiens pour raconter le cinéma porno. Il est rare d’éprouver du bonheur à la lecture d’analyse cinématographique (qui n’a jamais tâtonné devant certains thuriféraires du tout analytique sémiotique, entre autre…) et c’est ce que nous donnait à vivre Amengual. Plus que tout, ce qui emporte, c’est le souffle de la passion qui transfigure ces écrits. Quelques exemples à savourer : «Je crois aux œuvres qui nous laissent au cœur une écharde, quelle qu’elle soit. (…) Je sais peu de choses qui puissent autant bouleverser que cette ascension tragique à la fin du film, où chacun des amants craignant l’autre, le dévoilement suprême, la conjonction passionnelle totale et impossible hors la mort, s’identifie littéralement au rituel policier de la reconstruction du crime.10»
Mais encore sur le cinéma porno : «Monde sans laideur, sans disgrâce physique ni psychique, où les servitudes biologiques sont récupérées comme sources de plaisirs pervers (…) où la seule félicité imaginable tient dans un coït sans limites, où tout mâle et toute femelle, à fortiori tout ambisexué, se trouve toujours prêts à partir au premier signal et décolle à la première étincelle ; monde sans échecs, ni lenteurs, ni retombées, ni asynchronie, où n’importe quelle action sur n’importe quelle zone réputée érogène jette immédiatement dans des extases infinies.»
Ce matérialisme auquel il se réclame se niche dans l’éclat incomparable de sa langue, superbement classique, au ton personnel lorsqu’il avoue l’enfant de cinéma qu’il reste, subjugué par ces corps réels en mouvement ; cette écriture faite de chair et d’esprit où l’argumentation est précise, développée et toujours en lien avec son lecteur. Amengual partage avec Barthes cet égotisme du langage, fait de saveur et de savoir, sans la préciosité de certains ni la flagornerie intellectuelle chic.
Et maintenant?
Cet auteur d’un essai sur Pif le chien, membre de l’Association française de recherche sur l’histoire du cinéma , matérialiste assurément pour qui la question du réalisme est la voie pour appréhender le cinéma et le monde « ce fameux réalisme ontologique où le geste demeure pour l’éternité » », resta vigilant à tous les changements que la société connaît depuis ces deux dernière décennies.
Conscient du désenchantement du monde qu’accompagne le cinéma: «le cinéma n’est plus politique intentionnellement. Il ne connaît que les effets, pas les causes; que les victimes, pas les responsable. En ce sens il est le miroir de son temps.11»
Que peut cette nouvelle génération de critiques, à laquelle j’appartiens, issue de la cinéphilie télévisuelle et de l’enseignement du cinéma à l’universités?
Surtout lorsqu’il affirme sa déception de l’enseignement du cinéma : « Bien qu’il soit relativement récent, cet enseignement me paraît responsable du fléchissement général du cinéma (qui y a pris la manie des allusions, emprunts, «hommages» aux films de maîtres, et les alibis qu’il prétend trouver dans la «méditation», la «déconstruction» la «réflexion», la « contestation » etc. du cinéma par le cinéma). Plus responsable encore de l’état d’ensemble de la critique –il y a des exceptions - pour qui la politique des auteurs, des genres et des comédiens reste souveraine ; et du consensus désolant, du conformisme accablant des cinéphiles (tous les classiques, tous les films repérés par les historiens, tous les films étudiés avec les profs de cinéma, semblent ne pouvoir être que géniaux, inoubliables et bien sûr films cultes.) »
A méditer sans modération pour un véritable engagement critique.
* Toutes les citations de Barthélemy Amengual sont issues de l’ouvrage de Jean-François Houben Feux croisés sur la critique, Cerf, 1999
Bibliographie succincte
Le petit monde de Pif le chien, essai sur un « comic » français, Alger, Travail et Culture, 1955
S.M Eisenstein, Premiers Plans, Serdoc, Lyon, 1962
Charles Chaplin, Premier Plan, Serdoc, Lyon, 1963
René Clair, Cinéma d’aujourd’hui, Seghers, 1963
G.W Pabst, Cinéma d’aujourd’hui ,Seghers, Paris, 1963
Alexandre Dovjenko, Cinéma d'aujourd'hui, Seghers, 1970
Clefs pour le cinéma Seghers, 1971
Que Viva Eisenstein !, L’Age d’Homme, 1980
Du réalisme au cinéma, Nathan, 1997( l’excellente et indispensable anthologie des textes de Barthélemy Amengual, établie par Suzanne Liandrat-Guigues, présente à ce jour la plus complète bibliographie sur l’auteur)

1 Cet enfant de cinéma que nous avons été, sous la direction d’Alain Bergala et Nathalie Bourgeois, Institut de l’Image, Aix en Provence, 1993

2 ibid, p.64

3 Du réalisme au cinéma, 1997 Nathan

4 Cahiers duCinéma, n°32, février 1954 et n°34

5 « A propos de Vertigo, ou Hitchcock contre Tristan», Etudes Cinématographiques, n°84-87, 1971

6 Les Stars, Le Seuil, Édition de poche 1957. Réédition illustrée, Galilée, 1984, 183 p.

7 Texte paru dans Cinéma d’aujourd’hui, n°1, mars-avril 1975

8 Histoire et conscience de classe, Georg Luckas, Editions de Minuit

9 Texte paru dans « Etudes Cinématographiques», n°73-77, 1969.

10« A propos de Vertigo, ou Hitchcock contre Tristan», Etudes Cinématographiques, n°84-87, 1971

11 Entretien avec Suzanne Liendrat-Guigues, Du réalisme au cinéma, Nathan, 1997

الاثنين، يناير 09، 2006

سينما ايزيس تهنيء القراء بالعام الجديد

لقطة للربة ايزيس في معبد ايزيس باسوان
لقطة من فيلم " بابا عزيز " للتونسي ناصر خمير.أحد أبرز افلام العام 2005
سينما ايزيس، مازالت, وربما سوف تظل دوما تحت التأسيس، تهنيء القراء بالعام الجديد، وعيد الاضحي المبارك ، وعيد الميلاد المجيد،وكل عام وأنتم جميعا بخير
المؤسس ورئيس التحرير: صلاح هاشم

حصاد العام السينمائي2005 دراسة بقلم عماد النويري


حصاد العام السينمائي 2005 بقلم الناقد السينمائي عماد النويري
مدير نادي السينما في الكويت









المهرجانات السينمائية العربية والتى أقيمت عام 2005 ورغم كل ماتقدمه من مسابقات وندوات وأفلام الا أنها مازالت عامرة بالكثير من العيوب والأخطاء ومازالت لاتعبر عن الواقع الحقيقي لصناعة الفيلم العربي . في اغلب البلدان التى ترعى وتنظم المهرجانات السينمائية العربية تضع وزارات الثقافة في هذه البلدان المهرجانات السينمائية على اجندة السياحة وليس على اجندة الثقافة وهناك فرق كبير بين الاثنين . وبعض المهرجانات السينمائية العربية تضع السينما على اجندة الأعلام لتكون بوقا لتسويق الأنظمة وبيانا خطابيا لتلميع الحكومات . لايعقل مثلا ان يكون الخطاب الافتتاحي لاى مهرجان عبارة عن خطاب طويل يحتاج القائه الى ساعة من الزمن , ولايعقل آن يتناول الخطاب السياسة العامة للدولة المضيفة و تشكرات لرئيس الجمهورية ولرئيس الوزراء وللوزير وللمحافظ ولايعقل آن يكون الخطاب منشورا سياسيا طويلا يتحدث عن إنجازات النظام , ولايعقل ان يكون حفل الافتتاح عبارة عن سرادق عزاء يتم فيه تأبين من رحلوا طوال العام . واذا كانت السينما العربية لاتنتج كما ذكرنا مايوازى واحد ونصف فى المائة من اجمالى الإنتاج العالمي وهو مايعادل 25 فيلما فى العام فمن المفترض ان تكون هناك عشرة أفلام على الأقل صالحة للمشاركة في المهرجانات . لكن مايحدث هو ان كل مهرجان عربي يبذل كل عام جهودا خارقة للبحث عن فيلم عربي واحد للمشاركة في المسابقة الرسمية وقد حدث هذا في مهرجان دمشق وفى مهرجان القاهرة وقبلها في مهرجان الاسكندرية .

تجارب وتسويق

قد يحسب لمهرجان القاهرة السينمائي تقديمه لبعض التجارب المهمة آلتي تم تحقيقها خارج العالم العربي من قبل بعض المخرجين الذين يقدمون سينماهم في الخارج وقد يحسب لمهرجان دبي الاهتمام بتقديم بعض التجارب السينمائية في الإمارات أضافه آلي تشجيعه لبعض المواهب الأخرى لكن من المهم توفير الدعم اللازم لهذه التجارب كي تنمو وكى تستمر ولايكفى شهادات التقدير وتماثيل التكريم . وقد يحسب لمهرجان مراكش الاهتمام بتقديم السينما المغربية الوطنية لكن من المهم تطوير هذه السينما ومن المهم تقديم الفرصة للسينمائين الجدد لكى يقدموا تجاربهم ضمن حزمة الأفلام التى تعرض خلال المهرجان .
واذا كان مهرجان دبي قد نجح حتى الان في تسويق أفلام المهرجان وبيعت اغلب تذاكر العروض قبل بداية فعاليات المهرجان فان المهرجانات السينمائية الأخرى عليها آن تجد وسيلة لتسويق أفلامها بدلا من خلو صالات العرض واقتصارها على الضيوف والنقاد وبعض المهتمين فمن المهم آن تحقق المهرجانات العربية بعض الأهداف آلتي قامت من اجلها ومنها تقديم نوعية مهمة وجادة من الأفلام من النادر آن تعرض في الصالات السينمائية خلال العام . وعلى المهرجانات العربية آن تستفيد بتجربة مهرجان دبي في هذا المجال .

ومن المهم الاهتمام الجدى بسينما الطفل من خلال انتاج اكثر من فيلم كل عام ولايعقل ان يكون هناك مهرجان دولى مخصص لسينما الاطفال ويتعذر كل عام عرض فيلم عربي واحد ينتمى الى هذه الفئة من الأفلام .

التوزيع وندوات حقيقية

وعلى المهرجانات العربية آن تضمن نشاطاتها مجموعة من الندوات تناقش بعض المشاكل الحقيقية للسينما في بلاد العرب . الذي يحدث عادة هو وضع بعض العنوايين المكررة لمناقشتها في هذه الندوات ويتم ذلك منذ سنوات طويلة والمشكلة ان هذه الندوات تتحول آلي جلسات للكلام وتفريغ للهموم دون مناقشات جادة للوصول آلي حلول . هناك مثلا مشكلة توزيع الفيلم العربي ونعنى هنا آن الفيلم العربي لايخضع في توزيعه آلي آي سياسة واضحة ولايخضع الى اى منهجية تضمن له التوزيع في البلدان العربية فلا يوجد مثلا اى فيلم تونسي يعرض فى الصالات المصرية ولايوجد اى فيلم مغربى يعرض فى الصالات الكويتية ولا يوجد اى فيلم كويتي تم عرضه في الصالات الجزائرية . ماهو دور المهرجانات العربية بالنسبة لهذا الموضوع . أتصور انه من خلال ندوة متخصصة يحضرها بعض أصحاب القرار من المسؤؤلين فى وزارات الثقافة العرب يمكن بحث هذه المشكلة ووضع حلول عملية ملزمة لتخصيص نسبة في الصالات العربية لعرض الفيلم العربي . ان اغلب الندوات التى تعقد أثناء المهرجانات العربية يتم أقامتها كشكل ( ديكورى ) خالى من اى مضمون وخالى من اية توصيات قابلة للتنفيذ .
ومن المهم الانتباه آلي ضرورة وجود مهرجان مخصص فقط للسينما العربية فلايعقل ان يوجد فى بلاد العرب ثمان مهرجانات دولية ولايوجد حتى الان مهرجان واحد مخصص للسينما العربية . ومن المهم بحث الأسباب آلتي آدت آلي توقف مهرجان السينما العربية آلتي أقيمت دورته الأولى في البحرين عام 2000 . كان مهرجان البحرين بداية موفقة لاقامة مهرجان سينمائى عربى حقيقى يهتم فقط بتقديم السينمات العربية المختلفة . كما كان بداية موفقة لرعاية وتقديم الدعم الحقيقى للسينمائيين العرب فى حدود امكاناته المتواضعة .

( بوابة الصحراء ) ومسابقة الامارات

واذا كنا قد رصدنا خلال عام 2005 العديد من الفعاليات السينمائية فى دول الخليج وعلى رأسها مسابقة افلام من الإمارات آلتي يقيمها المجمع الثقافي في ابوظبى وانتاج بعض التجارب السينمائية في المملكة العربية السعودية وتخصيص بعض الصالات للعرض السينمائي ,فان هناك اشارة لابد منها لمسابقة افلام الامارات التى استطاعت على مدى اربع سنوات تقديم العديد من المواهب والتجارب السينمائية فى دولة الامارات العربية , وبداية من هذا العام تفتح المسابقة ابوابها لكل التجارب السينمائية فى الخليج واذا كانت هناك احداث مهمة فان أهم الأحداث السينمائية في الكويت من وجهة نظري هو إنشاء وتأسيس شركة ( بوابة الصحراء ) للمساهمة في تحقيق مشروعات سينمائية كويتية وخليجية وعربية . واتصور ان هذه الشركة قد كسرت حاجز الخوف عند المستثمرين في الكويت للدخول في مجال الإنتاج السينمائي والفنى أتمنى آن تحقق الشركة بانتاجاتها المستقبلية المامولة نموذجا ناجحا لتلك الشركات التى نطالب بها منذ سنوات لكى تساهم فى تنشيط الواقع السينمائي في الكويت وفى منطقة الخليج . ونذكر ان هذه الشركة قد خطت خطوات جادة في إنشاء فرع لها في دبي وهى في الطريق للدخول في الحزمة الاستثمارية آلتي تخصصها دبي من جل إقامة صناعة سينمائية خليجية في المستقبل القريب من خلال إقامة ستديوها ت عملاقة . ونتمنى ان يكون تأسيس هذه الشركة بداية يتبعها بدايات وخطوة يتبعها خطوات على طريق إقامة صناعة سينمائية مطلوبة .

( العاصفة ) ودعم


واذا كنا قد رصدنا خلال عام 2005 قيام وزارة الأعلام الكويتية بالاحتفال لمناسبة مرور 40 عاما على انتاج فيلم ( العاصفة ) الذى يعد أول فيلم روائي كويتى قصير فان هناك إشارة لابد منها وهى آن فيلم ( العاصفة ) الذي تم الاحتفاء به لاعتبر البداية الحقيقية للسينما في الكويت تنما يؤرخ للسينما بأول فيلم روائي ومن المهم في مجال الريادة آن نحفظ للرواد حقوقهم ومع احترامنا لكل جهود السنعوسى فى مجال ترسيخ الفن السينمائى فى الكويت من المهم أيضا الإشارة آلي جهود خالد الصديق كصاحب ( بس يابحر ) كأول محاولة للفيلم الروائي الطويل في الكويت . وبجانب التكريمات التي تسعى وزارة الأعلام آلي أقامتها من المهم آن تقدم الوزارة الدعم للنشاط السينمائي في الكويت من خلال دعم التجارب الشابة , ومن خلال إتاحة الفرصة أمام السينمائيين في الكويت لعرض تجاربهم وأفكارهم , أتصور آن ذلك من الممكن آن يتم من خلال إعادة احياء مراقبة السينما فى المجلس الوطنى للثقافة والفنون والآداب ومن خلال توفير دعم سنوى يقتطع من ميزانية االاعلام ويخصص لانتاج أفلام تسجيلية قصيرة .

الجمعة، ديسمبر 16، 2005

حصاد مونبلييه السينمائي : في " الخبز الحافي " التابع ينهض ؟


عرض في مونبلييه ثم القاهرة السينمائي29
وكسب جمهورا جديدا لرواية محمد شكري

الخبز الحافي لرشيد بن حاج : التابع ينهض


القاهرة.مصر.صلاح هاشم
فرحت للصديق المرحوم الاديب المغربي محمد شكري، وللادب والسينما العربية ، بعد ان شاهدت فيلم " الخبز الحافي" للمخرج الجزائري المتميز رشيد بن حاج، في مهرجان مونبلييه للسينما المتوسطية حديثا، وكلن فاز بجائزة " الجمهور " في مسابقة المهرجان الرسمية،وجائزة الشباب.وفرحت لأن مهرجان القاهرة السينمائي سيعرضه علي الناس، ضمن مجموعة من الافلام العربية المتميزة ، التي سوف تعرض في الدورة الحالية " 29 " ، في الفترة من 29 نوفمبر الي 9 ديسمبر..
كنت اخاف علي الرواية الجميلة، التي منعتها الرقابة في بعض الدول العربية ، وترجمت الي اكثر من عشرين لغة في العالم، وكانت نموذجا لادب السيرة الذاتية المتحررة، وشهادة علي المجتمع المغربي في فترة تاريخية محددة.كنت اخاف ان تتحول الي مسخ وعمل مشوه علي الشاشة، كما تحولت بعض اعمال نجيب محفوظ الروائية مثل " السمان والخريف " ،علي يد ضابط سابق وسيناريست مصري معروف، تحولت الي عمل سينمائي تافه, بعد ان بدل في احداث الرواية، ونهايتها ، وحولها الي دعاية للنظام القائم آنذاك، ووظفها لمصلحته..
من حق محمد شكري ، مجنون الورد ، الذي رشح لجائزة نوبل في الادب مرتين ان يفرح، لأن " الخبز الحافي " كانت خرساء في الرواية، ونطقت علي الشاشة.كانت امية ، من دون الصورة، ثم تعلمت بفضل الصورة،اذا الشعب يوما اراد الحياة, ينجلي الليل والقيد ينكسر، وصارت تقرأ علي الناس, بل وتريد ان تعلمهم ايضا..
بعد ان نجح رشيد بن حاج في ان يصنع من رواية محمد شكري عملا سينمائيا بديعا، يشمخ بالرواية, ويمسك بروحها، ونعتبره من انضج ان لم يكن انضح اعماله علي الاطلاق.من اول " وردة الرمال "89 و" توشيا "93 وحتي " ميركا" 99..
وظف رشيد بن حاج" من مواليد 1949" المخرج الجزائري المغترب في ايطاليا، وظف كل حصاد رحلته السينمائية الطويلة بين الجزائر وفرنسا وايطاليا والمانيا وسويسراالتي امتدت الي اكثر من ربع قرن، وطبخ الرواية علي نارسينما هادئة لماحة ذكية، وبعيدة عن المباشرة والتقريرية، وصاغ سيرة محمد شكري في عمل سينمائي جميل وناجح ، ليكون " اسطورة " بيداجوجية تعليمية ملهمة، لكل الاطفال المشردين الضائعين، الخارجين من حواري البؤس والامية والفقر، فتزرع فيهم الامل. ودرسا في قيمة العلم والمعرفة, للخروج من ظلمات التخلف والجهل والضياع ، الي النور.ويتألق في دور محمد شكري الممثل الفرنسي من اصل مغربي سعيد طغماوي..

ذاكرة الجوع

اذ يصدمنا رشيد بن حاج في اول مشهد من الفيلم بذلك الطفل الذي راح في مغرب الثلاثينيات يتسول من امرأة فرنسية عابرة، ويمثل محمد شكري" من مواليد 1935" في الفيلم، الذي كبر في بلد تستعمره فرنسا واسبانيا, وكان يعيش مع امه وابيه واخيه الصغير، في عشة بائسة ، من الكرتون والصفيح علي الرصيف. ولايجد الطفل محمد شكري لاطعام اخيه الصغير الذي يصرخ من الجوع,الا كسرات الخبز الحافي والدجاج الميت الذي يعثر عليه في صناديق القمامة، خارج اسوار قصور الاسر الفرنسية الكولونيالية الثرية، التي تسكن الفيلات الفاخرة..
ثم يشاهد الاب يخنق اخيه الصغير، لكي يمنعه من الصراخ من فرط الجوع والحرمان، حتي يموت بين يديه، ويصير جثة هامدة. عندئذ يصرخ الطفل محمد شكري ملتاعا من الالم، وهو يلعن البؤس والفقر في كل مكان ،ويكون موت الاخ مأساة حياته كلها،وجرحا لايندمل.وتتطور احداث الفيلم بعد ذلك، حين يهرب الطفل محمد شكري من قسوة الاب وجبروته، وينتقل كمراهق من العمل في مقهي بمدينة فاس، الي بيع الجرائد الفرنسية مع صديقه في مدينة طنجة، حيث يتعرف علي المومسات هناك، ويكبر وينضج وسطهن. ويسهر علي خدمتهن , وينغمس اكثر في الملذات والمتع الحسية، ثم يصادق احد المجرمين، ويلتقي بصاحبته التي يحبسها في البيت, ويحبها وتحبه، ويفكرا ان يهربا معا, وتتألق هنا الممثلة الايطالية التي تلعب الدور امام سعيد طغماوي، وتسحرنا بادائها المتميز..في بؤسها ويأسها..وتجعلنا نصفق لها ولسعيد..

التسجيلي يخدم الروائي

ولكي يمنح الفيلم مصداقيته, ويجعله شهادة تاريخية علي المجاعة، وتلك الفترة الاستعمارية القاسية التي عاشها المغرب، وتربي محمد شكري في كنفها، ويؤكد علي ان محمد شكري كان ابنا لتلك الظروف التي صنعته، يطعم رشيد بن حاج فيلمه " الخبز الحافي " بالعديد من المشاهد التسجيلية الواقعية التي التقطت للمغرب في تلك الفترة المظلمة من تاريخه قبل الاستقلال,وتكشف كيف كان الاستعمار في الخلفية احد اسباب تخلف المغرب وفقره ، و لكي يمهد رشيد بن حاج لظهور حركة المقاومة المغربية، ومظاهرات المطالبة بالاستقلال في مابعد . تلك المظاهرات التي شارك فيها محمد شكري اللص الامي ، وبسببها دخل السجن، وتعلم في سن العشرين القراءةوالكتابة علي جدرانه، علي يد احد المعتقلين من المناضلين السياسيين المغاربة.لكي يذهب بعد خروجه من السجن، ويعلم الاطفال المحرومين من المدارس والتعليم في الريف المغربي، ويكون ناقلا لشعلة العلم والمعرفة الي الاجيال الجديدة ، ويرفض ان ينساق في طريق الجريمة والفساد والضياع من جديد..

التابع ينهض

يحكي رشيد بن حاج عن طفولة انسان، وتربية محمد شكري في فيلمه، فيحكي عن تابع ينهض, وبؤس مادي مرعب وروحاني، وامية وجهل يكبلان حركة الانسان في مجتمعاتنا، ويذكرنا في نهاية " الخبز الحافي " المفتوحة علي الحاضر، بآخر لقطة في الفيلم داخل مقبرة، بأن المعركة ضد الفقر مستمرة ، حتي نأخذ من درس محمد شكري عبرة وعظة، ولا نتكاسل عن النضال. وهاهي السينما ايضا في فيلم رشيد، الذي انصف محمد شكري، تتحول بالفعل الي سلاح ضد الامية من اجل الانطلاق والتحرر، وتدعو التابع الي النهوض..وهتك حجب الظلام..والخروج الي نور العلم والمعرفة..
فيلم " الخبز الحافي " الذي يضع رشيد بن حاج علي سكة السينما الواقعية، التي تمزج بين الروائي والتسجيلي، لصنع صورة تشبهنا، يرشحه لأن يكون صلاح أبوسيف الجزائر, بلا مبالغة، لو اتيحت له الفرصة، وتوافرت الامكانيات، والتمويل اللازم، لصنع افلام تنهل من تراثنا وادبنا وثقافتنا، ولا تأنف من " تعرية " واقعنا ، لكي نتعرف علي ذواتنا ، ونتصالح مع انفسنا ومجتمعاتنا..
تحية الي رشيد علي فيلمه الجميل الشجاع, وشكرا لايطاليا التي انتجت الفيلم، بعد ان رفض اصحابه، من أثرياء " العرب " تمويله, وطابت لهم حفلاتهم وسهراتهم الصاخبة التي لا يبخلون عليها بالملايين. والجدير بالذكر ان " الخبز الحافي " سيخرج للعرض في باريس في الاسبوع الاول من يناير2006 فترقبوه لأنه يستحق المشاهدة عن جدارة
...

الخميس، ديسمبر 15، 2005

متابعات :مهرجان القاهرة السينمائي 29 ماذا أنجز؟

لقطة من فيلم " ليلة سقوط بغداد " الذي مثل مصر في المسابقة .منشور سياسي ام فيلم ؟
القاهرة. مصر.كتب صلاح هاشم
هل تقاس قيمة المهرجانات بعدد الافلام التي تعرض علي شاشتها ، أم بالمناخ الثقافي والمعرفي الذي ترسخه، للتعريف بانجازات السينما الجديدة في العالم، وكيف تتطور، في محاولاتها التعبيرعن مشاكل عصرنا، وازمات مجتمعاتنا العربية تحت الشمس؟.أولا:حقق مهرجان القاهرة السينمائي في دورته 29 الكثير، فقد عرض اكثر من 400 فيلما من اربعين دولة في العالم، ونظم تظاهرة للاحتفال ب" عرب نجحوا في السينما العالمية " مثل الفلسطيني محمدالبكري والمغربي سعيد طغماوي وغيرهم ، و خصص تظاهرة للسينما الصينية، التي بهرتنا كما في فيلم الافتتاح " منزل الخناجر الطائرة "، وكرم العديد من الفنانين العرب المتميزين، من امثال المرحوم المخرج السوري مصطفي العقاد " الرسالة " والفنانة لبني عبد العزيز والفنان عمر الشريف وغيرهم ،كما اقام تظاهرة مهمة للسينما اللبنانية، يظن البعض انها كانت ربما افضل مافي مهرجان هذا العام..
اذ حققت تواصلا حيا منشودا بين جمهور السينما المصرية، والعديد من افلام السينما اللبنانية الجديدة، التي لم تكن وزعت او شوهدت في مصر من قبل، مثل فيلم " لما حكيت مريم " لاسد ذولوكار و" معارك حب " لدانيال عربيد ، و"طيف المدينة " لجان شمعون.وبدا لنا الفيلم الاخير، الذي نعتبره من اهم الافلام التي ناقشت الحرب الاهلية في لبنان، وبينت اسبابها ومسبباتها- صراعات المصالح-، وماسوف تؤؤل او ما آلت اليه، وكشفت عن نظرة مستقبلية لما سوف يحدث بعد الحرب , وقد اثبتت الايام والاحداث التي تلت صدق نبوءاتها.. بدا لنا هذه المرة متميزا اكثر،.. وكأنما نضج وازداد حلاوة وقيمة بمرور الزمن, ليحقق قفزة في اتجاه الاستفادة من الفيلم التسجيلي ومنجزاته في السينما العربية ، وادماجها في اطار العمل السينمائي الروائي، والانتصار هكذا لسينما الحقيقة والواقع، وجعلها تصب في الروائي، حتي تثريه، وتشمخ به، وتجعله " شهادة " علي عصرنا ، متجاوزة بذلك اطار الحدوتة التقليدية في افلام السينما التجارية المستهلكة المكررة المعادة، التي قرفنا منها ولم تعد تصلح للتعبير عن " حساسية " العصر الجديدة ومتطلباته، والتطور الذي عرفته السينما في العالم، علي مستوي التكنولوجيا الرقمية، وكاميرات الديجيتال الجديدة ،الارخص والاصلح والاكثر عملية في صنع سينمات جديدة حديثة تشبهنا..
أول وآخر فيلم يمني ؟
وهو اتجاه في السينما العربية الجديدة، نراه في العديد من الافلام العربية المتميزة التي شاهدناها في مهرجان القاهرة السينمائي الدولي " 29 " ، كما في فيلم " بيروت الغربية " لزياد الدويري الذي تشارك فيه- في بطولة الفيلم التي يضطلع بها صبي لبناني مراهق اثناء فترة الحرب الاهلية- " كاميرا " يروح يصور بها انعكاسات الحرب علي المدينة واهله، ويروح يتلصص عليهم وعلي حكاياتهم الغرامية من خلف ثقب الباب. كما يظهر هذا الاتجاه لتكريس منجزات واضافة التسجيلي في الروائي والمزج او الجمع بينهما لتحقيق " مصداقية " اكبر للعمل السينمائي، والاقتراب به من نبض الواقع، في فيلم " الخبز الحافي " الجزائري لرشيد بن حاج- خارج المسابقة - الذي يستعين فيه مخرجنا بلقطات تاريخية تسجيلية لمدينة " طنجة " ليحكي عن طفولة محمد شكري البائسة تحت مظلة الاحتلالين الفرنسي والاسباني للمغرب في الثلاثينات.كما يظهر في الفيلم اليمني المتميز "حياة جديدة في صنعاء القديمة " لبدر بن حرثي الذي دخل مسابقة المهرجان و فاز بجائزة افضل فيلم عربي, واعتبره مخرجه، بسبب الصعوبات والمشكلات التي واجهته في اليمن اثناء تصويره، أول وآخر فيلم يمني "..
وكانت الندوات والمناقشات التي اعقبت عروض تلك الافلام العربية غنية ، رغم ما تخللها من مشاحنات وعصبية ونرفزة احيانا ،.. ومفيدة في التعرف علي اراء الجمهور المصري الذي يبدو انه - من نظرنا- يطور من ذائقة فنية جديدة، بسبب ظروف الانحطاط التي تمر بها السينماالمصرية والعربية، وبدا لنا من خلال الازدحام والاقبال منقطع النظير علي مشاهدة الافلام العربية ومحاسبة مؤلفيها ومخرجيها ، كما لوا نه تعب من ركام الافلام المصرية الهابطة مثل " عوكل " و " خالتي فرنسا " و" صايع بحر " و" منتهي اللذة " وأمثالها من الافلام التافهة السخيفة التي تروج للتخلف والجهل والهراء العام, فهجرها وبدا يقبل علي افلام السينما العربية الجادة الجديدة. وكشف عن ذلك من خلال مشاركاته في الندوات، وامتداد حلقات النقاش حول تلك الافلام وغيرها من اعمال المهرجان ليلا وحتي مطلع الفجر..
ووضح ان هذا الجمهور طورذائقة جديدة من خلال انتقاده لفيلم " دنيا " للبنانية جوزلين صعبن، وعلي الرغم من ان بعض المتهورين المتطرفين من الصحفيين اتهموا الفيلم بانه يسييء الي صورة مصر، بتواطؤ بين ابطال الفيلم حنان ترك ومحمد منير ومخرجته جوزلين صعب، ونعتبره من اردا الاعمال السينمائية التي عرضها المهرجان, علي الرغم من انه يدعي كما جاء علي لسان مخرجته، يدعي البحث في مشاكل الرأة العربية المقموعة- كيف يكون ذلك وكل الشخصيات النسائية في فيلمها يمارسن حياتهم بشكل طبيعي، وبجرعات زائدة من الجنس تفوق المعدل العادي، وليس لديهن اية مشاكل علي الاطلاق مع ازواجهن؟ - دافعت الاغلبية العظمي عن الفيلم، وحقه في الوجود, ورأت انه جاء ضعيفا ومشوشا فقط في مستواه الفني ، لكن من حق جوزلين صعب ان تصنع الفيلم الذي تريد، وكانت بررت كثرة مشاهد الجنس في الفيلم ب" حسية " الشعب المصري المعجون بالشمس ، وحب الجمال والحياة والانفتاح علي الوجود والطبيعة بين الوادي والجبل.
فيلم " دنيا " لايصلح لان يكون فيلما, بشخصياته الكاريكاتورية التي تتحدث بخطب وحكم وقصائد صوفية عن العشق ومواعظ من تاليف مخرجته، لتعكس " خطابها " "الحسي التجريدي، خطاب المخرجة الفكري الذهني، الذي لم تنجح من خلال الشخصيات كدور او شخصية حنان ترك او دور محمد منير في الفيلم، ان تجعله واقعا سينمائيا تفاعليا طازجا ينبض بالحياة والحيوية ، وهنا تكمن مشكلة الفيلم - فأين هو " دنيا " ، أين هو ذاك الفيلم ، أو بالاحري شبه الفيلم الذي شهدناه..
وعلي الرغم من ان الجمهور صفق لفيلم " ليلة سقوط بغداد " للمصري محمد أمين، وتحمس له كثيرا الا انه لم يعجبنا ، فقد بني الفيلم علي " فرضية " غزو مصر، التي سوف يأتي عليها الدور بعد الغزو الامريكي في العراق، وبين اهمية اختراع سلاح ردع ، لرد هجمات القوات الامريكية الغازية ، وجعلنا نضحك علي مخاوف المصريين وشطحاتهم وتخاريفهم الفانتازية، وبني فيلمه كله علي هذا الافتراض, لكي يوجه انتقادات لاذعة لتاريخنا وحكوماتنا وهمنا وذلنا وغربة المواطن في بلدنا، ويطلق نكاتا من خلال المواقف التي يحكي عنها في فيلمه تجعلنا نأسي لحال الشعب المصري الغلبان ، وقد تضحك في البداية من السخرية والتهكم علي الخلق في بر مصر، تضحك كثيرا كما مع مساطيل فقدوا الوعي في غرزة ، و كأنك تسمع مسلسلا في الاذاعة، بمعني انه لاتوجد سينما في الفيلم، لاتوجد صورة سينمائية، يوجد فقط تصوير كلام مسترسل، مثل شلال هادر من التعليقات والنكات اللفظية و" فش غل " بالبلدي، اي فضفضة للقلوب المجروحة بعد ان استبد بها اليأس من شعارات الاصلاح والديمقراطية من اجل التقدم والرفاهية التي بلوح بها النظام، في حين تمارس سياسات البلطجة الرسمية علي كافة المستويات..
وهو " فش غل " ليس جديدا, وتستطيع ان تسمعه في سيارات النقل العام في السيدة والعتبة وباب الخلق وأحياء سيدنا الحسين ، حيث ينتقد الناس سياسات الحكومة او الحكومات السابقة، ومنذ عهد سيدنا عباس، المسئولة عن تدهور الوضع العام فيبر مصر العامرة بالخلق ، فالفقراء يزدادون كل يوم فقرا ، والاغنياء من اصحاب المليارات يزدادون كل ساعة او في لمح البصر ودقائق غني، في ما يغلي الغضب وتزداد النقمة في صدور الاغلبية الساحقة من الشعب المصري، وبدلا من ان يجعل المخرج همه الاساسي في الفيلم ، احتجاج المصريين علي ذلك الاحتلال الداخلي ، وثورتهم علي ذلك الاحتلال الذي يمارس عليهم من قبل السلطة والطبقات المنعمة المرفهة، والمسئول عن خراب البلد واستشراء الفساد العام..
يكرس فيلمه لفضح وادانة التدخل او الغزو الامريكي في العراق, و يحذر من ان الدور سيأتي حتما علي الدول الضعيفة المتخلفة الفقيرة مثل مصر في المنطقة, وعلينا ان نسارع الي اختراع سلاح يحمي الناس من الغزو الامريكي القادم . فيلم " ليلة سقوط بغاد " يضم فيلمين بل واكثرمن فيلمين في فيلم واحد ، لذلك يصبح في آخر المطاف مجرد نكات مملة تمجها وتنساه بسرعة, ويزول تأثيره ،عندما تذهب قفشاته ومواقفه الضاحكة التافهة، ولايبقي لها اثرا..
في حين اثرت فينا مجموعة من الافلام المهمة التي عرضها المهرجان، وناقشت -علي بساطتها - كما في فيلم " باسم الله " الهندي- ناقشت موضوعات مهمة، كموضوع " الارهاب " موضوع الساعة في ذلك الفيلم - الذي جاء اقرب مايكون الي رواية حكاية بسيطة ساذجة عن امرأة هندية مسلمة متعلمة، تبلغ عن زوجها حين تعلم تورطه في حادثة ارهابية كادت تودي بحياة طفلة صغيرة, ويستغل المخرج هذه الحكاية الصغيرة البسيطة الاقرب ما تكون الي " باب الحوادث والجرائم " في الصحف ، لكي يقدم لنا وثيقة او شهادة سياسية فكرية عن وضعية الارهاب وتاريخه في الهند, كاشفا بذلك عن اساليب الارهابيين الاجراميين ان في معسكر الهندوس او في معسكر الهنود المسلمين المتطرفين, و هويفسر ويحلل ويقدم لنا ايضا بعض اللقطات التسجيلية لاعمال نهب وهدم وحرق المساجد في الهند علي يد بعض جماعات السيخ الهندوسيين المتطرفين,وباختصار يجعلناالفيلم من خلال الحكاية التي يحكيها، يجعلنا نتأمل ونفكر, ويمنحنا علي بساطته ومباشريته درسا في السينما، التي تحثنا ان تقف ضد الظلم وندين قهر البشر، وقمعهم اهانتهم واذلالهم في كل مكان علي ارض البسيطة..
كما برز في المهرجان عدة افلام متميزة مثل فيلم " قواقع " اليوناني عن الغيرة المأخوذ عن روايةللاديب الروسي ديستيوفسكي نجح مخرج الفيلم اليوناني ان يحولهاالي قصيدة عذبة عن الغربة في الوطن وخارج الوطن، وفيلم " العين السحرية " الالباني الذي يحكي عن اهمية الصورة كقطعة من ذاكرتنا وتاريخنا، واهمية الصورة السينمائية في الكشف دوما عن والامساك ب الحقيقة، من خلال الافلام التي تضعنا في قلب عصرنا، وتقربنا اكثر من انساتنيتنا وتجعلنا نشارك في كنس الهراء العام..
ومن ضمن افلامها المتميزة التي عرضها المهرجان فيلم" احلام" للعراقي محمد الدراجي الذي اعتبره بانسيابيته، وايقاعه وبساطته وحرفيته المتميزة التي تكشف عن ميلاد مخرج ومبدع عراقي اصيل, وبسبب موسيقي الفيلم من تأليف الفنان الموسيقار العراقي نصير شمة.اعتبره من اجمل الافلام التي عرضها المهرجان ويحكي الفيلم عن وقائع حقيقية وقعت بالفعل, يحكي عن " أحلام " الشابة العراقية التي تدرس الادب الانجليزي في جامعة بغداد، قبل سقوط نظام صدام حسين الدموي بخمس سنوات, وكيف فقدت عقلها بعد ان اعتدوا عليها وعلي اهلها من الشيعة بالضرب، وخطفوا خطيبها ليلة عرسها، ثم القوا بها في مصحة عقلية، فراحت تنادي علي خطيبها الذي اختفي من خلف القضبان ان تعال، وتحلم بانها تزف اليه, كما يحكي عن الجندي العراقي " علي " الذي حمل صديقه الجريح علي الجبهة، وتوغل وكاد يعبر به الحدود، ثم اذا بدورية عسكرية تقبض عليه، ويحاكم عسكريا، ويلقي به ايضا وراء قضبان ذات المصحة, ويسرد علينا الفيلم ايضا قصة الطبيب العراقي الانسان الذي عوقب لان والده كان شيوعيا، عوقب بالعمل في نفس المصحة، ومحاولته انقاذهم..
حين انفجرت قنبلة في المبني اثناء الغزو الامريكي والعدوان، فاذا بالمجانين ومن ضمنهم " احلام " يهرعون الي الشارع العام، ويهيمون علي وجوههم في شوارع بغداد تحت القصف. وقد عاب البعض علي الفيلم بطء ايقاعه، لكني لم اشعر قط أثناء متابعة احداثه بالملل, بل اني تأثرت لبعض مشاهده الانسانية المؤثرة تأثرا بالغا.اذ يقدم الفيلم بانوراما لذاكرة الخراب، ويحكي عن مأساة شعب ومدينة, بنسيج سينمائي متوهج، ليكون " مرثية " تشبكها السينما العراقية الجديدة الوليدة الخارجة من ذاكرة الخراب الهمجي, تشبكها مثل وردة في شعرها. مرثية سينمائية مهداة لنهر دجلة.. وهؤلاء العراقيين البسطاء الطيبين الذين يعبرون النهر في تلك القوارب الصغيرة، كما في بداية الفيلم ، نحو الامل , ويدلفون الي داخل المياه، باتجاه حياة جديدة، من دون وجل
..

الاثنين، نوفمبر 14، 2005

في وداع مخرج عربي كبير : العقاد والرسالة بقلم عماد النويري

المرحوم المخرج الكبيرصطفي العقاد



العقاد والرسالة
بقلم عماد النويري
ناقد سينمائي ومدير نادي الكويت للسينما



هذا موت مجاني آخر لاطعم له ولاشكل ولا رائحه .
ذهب الرجل ليحضر حفل زفاف مع ابنته وفجأة تحولت الابنة آلي أشلاء وتحول هو آلي آب مصاب و حزين و مكلوم وشاهد على انفجار شرايين الحياة في مهرجان للموت العبثي .
هذا موت مجاني آخر يأتي من غياهب الظلمة ومن سراديب الفكر الأسود ليقتل رجل وابنته وكانت صناعة هذا الرجل هي الدعوة آلي الحب والتسامح والنهوض بالحياة .
هذا الرجل هو الذى ضيع من حياته الكثير ليقدم للمشاهد العربى والمشاهد العالمى فيلم ( الرسالة ) كاول فيلم عن الإسلام يتوجه آلي الجمهور الغربي وكأول فيلم في تاريخ السينما العربية يقدم الإسلام كرسالة حضارية قادرة على مخاطبة كل بشر , ويعرض للإسلام كدعوة إنسانية تحتفى بالانسان بعيدا عن القبلية والعنصرية والطائفية . وكحد فاصل بين مرحلتين فى تاريخ البشر . وكصوت حق قادر على مخاطبة البشر فى كل زمان ومكان .
هذا الرجل الذى اغتالته يد الغدر ضيع الكثير من حياته ليقدم للعرب والعالم فيلم ( عمر المختار ) ليظهر فيه واحدا من ابطال العرب الذين رفضوا الاستسلام والانهزام والذين وقفوا فى وجة المستعمر دفاعا عن الكرامة والشرف .
هذا الرجل ومنذ عشر سنوات وهو يبحث عن تمويل اخر ليواصل رسالته القومية لاخراج فيلم اخر عن البطل صلاح الدين ولم يتنازل حتى اخر قطرة فى دمه احتراما لقناعاته بضرورة تقديم الفيلم بعيدا عن تدخلات الحكومة والبرلمان , ورفضا لتحويل الفيلم كبوق دعائى للسلطة والسلطان .
عن عمر ناهز ال68 عاما رحل عن دنيانا المخرج العربى العالمى مصطفى العقاد اثر الانفجارات التى وقعت مؤخرا بفندق جراند حيات فى الأردن , وكان قد اصيب بجرح كبير فى الرقبة , وفقد الكثير من دمه وتم نقله للمستشفى وهناك وافته المنية بعد ايام اوساعات من الالم والحزن النبيل .
رحل العقاد وبرحيله تنطوى صفحة مهمة من تاريخ السينما العربية حاول صاحبها جاهدا ان يغرى الحكومات العربية بتوفير ثمن طائرة حربية من تلك الطائرات القابعة فى المطارات العربية دون حراك لكى يقيم وزارة اعلام متنقلة للدفاع عن قضايانا . رحل العقاد دون ان يحقق بقية أحلامه ربما ادرك فى اللحظات الأخيرة آن هذه أمه لم تعد تعرف أصدقاءها من أعدائها .
رحل العقاد وكان فى عينية منذ ثلاثة أسابيع عندما آتى آلي الكويت حزن الطفولة وبريق الوداع الكبير .
رحل العقاد بيد من أهدى إليهم ( الرسالة ) وكيف يقرا من لايجيد سوى لغة القتل والدم .
رحل العقاد وبرحيله ينطفىْ نجم فى سماء التنوير العربى وبرحيله تنسحق زهرة ياسمين تحت أقدام دعاة الظلام .
هذا موت مجاني آخر .
ولعلها تكون ( رسالة ) جديدة لمن يستطيع القراءة
.
عماد النويرى

الجمعة، أكتوبر 07، 2005

رينوار . الاب والابن في السينماتيك الفرنسي : موعد مع السعادة

أ أوغست رينوار الاب مصور السعادة الذي جعل اللون الاحمر في لوحاته جرسا يقرع

لقطة من فيلم " رقصة الكان كان الفرنسية " لجان رينوار الابن
جان رينوار الابن عبر في افلامه عن الانسانية المشتركة بين جميع الناس
لوحة حفل لامولان دولا جاليت لاوغست رينوار
ملصق المعرض ويظهر علي اليمين لقطة بالابيض والاسود من فيلم لجان ريوار وعلي اليسار لوحة للاب اوغست
معرض " رينوار " في السينماتيك الفرنسي : موعد مع السعادة

باريس- صلاح هاشم

كيف يمكن للمرء ان يحكي عن فنان ,كان يرسم كما تغرد البلابل والعصافير, ويتمني ان يصبح اللون الاحمر في لوحاته، لا لونا يري فحسب، بل ايضا جرسا يقرع، وصوتا بل نغمة تسمع، ويهتز لها الجسد بالطرب العميق ، و قد ظل هذا الفنان يرسم حتي بعد ان بلغ من الكبر عتيا، وراح وهو يعاني من مرض التهاب المفاصل، الذي اقعده عن الحركة، وأصاب بالشلل اطرافه، راح وحتي نهاية حياته، وبعدما صار شيخا،يرسم من علي كرسييه المتحرك ، ولم يكف ابدا عن الرسم، حتي وافته المنية في محترفه بعد ان سجل بلوحاته، او بالاحري خلد بلوحاته ، مجد الحياة في فرنسا ، وزهوها وتألقها، بألوان تنطق بالحبور والبهجة، وعشق الحياة، والانوثة ، والطفولة، في قلب الطبيعة ، والشمس، والضوء ، في محاولة للامساك بتوهج الحياة ذاتها ، ..وفرح الوجود ؟.
انه الفنان الفرنسي الرسام العظيم بييراوغست رينوار ( من مواليد ليموج في عام 1841 وتوفي عام 1919 ) الذي يقيم له حاليا السينماتيك الفرنسي- ارشيف او دار الافلام- معرضا رائعا حقا بكل المقاييس.معرض مفتوح حتي9 يناير 2006 و يعد الآن بمثابة الحدث الثقافي الفني الاول الآن في باريس وفرنسا، وقد اقيم بمناسبة انتقال السينماتيك من منطقة التروكاديرو ومتحف الانسان الي مبني جديد في حي بيرسي ( باريس 12 ) بجوار مكتبة فرنسا الكبري، في محاولة للكشف من خلال المعرض بعد ان انتقلت رئاسة السينماتيك الي المخرج والمنتج الفرنسي الكبير كلود بيري، (والمعروف انه من هواة اقتناء اللوحات الفنية ومولع بالفن التشكيلي )، الكشف عن العلاقة بين السينما والفنون التشكيلية, وكنوع من التكريم، لا لاوغست رينوار وحده، الذي يعتبر مع الفنان كلود مونيه رائد الحركة الانطباعية او التأثرية IMPRESSIONISME في الفن، وهي الحركة التي ثارت علي تقاليد الرسم الاكاديمية الكلاسيكية الجامدة المحنطة، وخرجت بفن الرسم الي حضن الطبيعة..
بل كنوع من التكريم لاسرة " رينوار " التي عملت بالرسم والنقش علي السيراميك وزخرفة الاطباق والاواني والتصوير والتمثيل و الموسيقي والاخراج السينمائي, بل والتأليف ايضا، فالمعروف ان جان رينوار( 1894 الي 1976 ) كتب عدة روايات ومسرحيات الي جانب اخراجه لاكثر من 20 فيلما..
تكريم لايخص اوغست رينوار اذن فقط، بل يخص ايضا اولا ابنه جان رينوار ،الذي يعتبر اعظم مخرج سينمائي انجبته فرنسا بشهادة المخرج الفرنسي الكبير فرانسوا تروفو ، ومن معطفه، من معطف جان رينوار ، مخرج " طوني " و" مدام بوفاري " و" قواعد اللعب " و يعتبر الفيلم الاخير من احسن 10 افلام في تاريخ السينما العالمية،خرجت الموجة الجديدة في السينما الفرنسية في فترة الخمسينيات علي يد فرانسوا تروفو وجان لوك جودار وايريك رومر وغيرهم, وانطلقت تصور افلامها في حضن الطبيعة وقلب الحياة علي الرصيف، كما فعل رينوار في فيلمه " بودو الذي نجا من الغرق " بطولة الممثل الفرنسي العبقري ميشيل سيمون، وحفر بذلك سكة جديدة ومنهجا في صتع الافلام، اطلقها من جمود الاستوديوهات الي حيوية وديناميكية الحياة في الشارع , وكان لمخرجي الموجة الجديدة قدوة تحتذي، حتي اطلق عيه تروفو الباترون أي معلم السينما الفرنسية, واعتبره من اعظم، ان لم يكن اعظم مخرج عرفته السينما العالمية..
كما جاء المعرض تكريما للابن الثاني كلود رينوار الذي عمل بحرفة النقش علي السيراميك، والابن الثالث بيير رينوار، الذي عمل بمهنة التمثيل، ومثل في 4 افلام من ضمنها فيلم " نشيد المارسييز " من اخراج شقيقه جان رينوار ( لعب دور الملك لويس 16 في الفيلم )..
و رابعا الحفيد كلود رينوار الصغير ( ابن بيير رينوار ) الذي عمل كمدير تصوير في السينما واشتغل مع عمه جان رينوار في الفترة من عام 1932 الي عام 1956 وصور له فيلمه " النهر " الذي صوره في الهند , وبذلك يكون المعرض تكريما لجميع افراد أسرة " رينوار " الفنية الفرنسية العبقرية، والروابط الحياتية والفنية المشتركة التي صنعت وصاغت رؤيتهم للفن والعالم, وتكريما ايضا للنساء اللواتي تعهدن افرادها بالحدب والحب والرعاية، واغدقن عليهم من عطفهن وحنانهن: مدام رينوار زوجة اوغست التي انجبت له ابنائه الثلاثة ، والنساء الموديلات اللواتي اشتغلن مع الاب، ورسمهن وخلدهن في لوحاته, وكان جان الصغير, بفضل احداهن تعرف علي الافلام الصامتة حيث كانت تصطحبه معها في جولاتها في باريس وتأخذه الي السينما، وكان من الطبيعي بعد ان نشأ وكبر في ذلك الوسط الفني ان يهيم غراما في بداية حياته باحدي الموديلات الحسناوات اللواتي عملن مع والده, ولذلك سارع بعد وفاة الاب، الي عقد قرانه عليها ، ثم جعلها في مابعد، بطلة لافلامه الاولي الصامتة..

رينوار .. مصور السعادة

ولاشك ان اجمل ما في المعرض، الذي يمكن اعتباره ايضا بمثابة تكريم الي المرأة ، وجمال النساء وانوثتهن المتفجرة، (لم ينقطع رينوارعن رسم العاريات في حضن الطبيعة حتي آخر لحظة في حياته ) وتمجيدا للحب بكافة اشكاله ( حب الطبيعة.الامومة. الطفولة.الحياة علي الفطرة.البراءة.العفويةوالتلقائية المحببة حين تصبح الحياة علي الفطرة مغامرة في البر والبحر ، وعليك ان تغرف من متعها قبل فوات الاوان، وتمسك بتلك السعادة التي تتفجر الآن في اللحظة، وقبل أن تختفي فجأة والي الابد )..اجمل مافي المعرض لرينوار مصور السعادة الذي كان يردد انه يرسم للمتعة ولايهتم بالنظريات, وتذكرك لوحاته بقصائد عمر الخيام، انه يجعلنا من جانب ندخل الي ألفة وصفاء وحميمية الاسرة، كما لو كان دعوة شخصية للغداء مع افرادها علي العشب( اسم لوحة شهيرة للاب اوغست رينوار ) لأنك بمجرد ان تدلف الي المعرض في الدور الخامس في مبني السينماتيك الجديد ،سوف تقف في طابور طويل يمر اولا علي فاترينة ممتدة بامتداد القاعة تعرض صورا شخصية لافراد الاسرة، وتجعلنا نتعرف عليهم من الصور التذكارية التي التقطت لهم ، وتحكي عن ذكرياتهم ، وايام السعادة التي مضت ولن تعود ابدا..

مجد الحياة في مانفعله الآن

وهو بذلك يوقظ فينا حين نروح نتأمل في الصور ، الحنين الي مجد تلك الايام في فرنسا في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، ايام السعادة التي ولت، عندما كان كل شييء يسير علي مايرام، وتمضي الايام في هناء وسرور، و في بساطة ووفرة، ويجعلنا نطوف في تلك الاماكن التي عاش فيها افراد اسرة رينوار , ثم خلدوها فيما بعد في لوحاتهم وافلامهم , فاذا بنا نتخيل انفسنا نهبط الي ضفاف نهر السين معهم , ونصطحبهم الي غابة فونتان بلو علي مقربة من باريس ، حيث ولدت الحركة الانطباعية، و نسعد بالمشاركة في حفلاتهم في الهواء الطلق, ونكاد نستمع الي افراد الفرقة الموسيقية التي تعزف هناك علي مقربة من طاحونة في قلب الريف الفرنسي الطازج, ونكاد من فرط سعادتنا نشارك في الرقص مثل زوربا اليوناني، قبل ان نخلع ملابسنا، و ندخل الي مياه نهر " السين " ، التي يرسمونها بفرشاتهم، ويلتقطونها مناظرا ومشاهدا في افلامهم ، كي نسبح مع الطيور والبط ، ونحن نردد ، ان مجد الحياة في ما نفعله الآن..
بل ان المعرض ايضا ومن جانب آخر يرينا كيف خرج استوديو الابن جان رينوار ، خرج من محترف او مرسم الاب اوجست رينوار . وكيف كان الابن جان رينوار امتدادا في افلامه، لذلك الاب المصور الفنان الرسام اوغست في لوحاته, بل لقد نجح جان رينوار ان يخلد ذكري الاب اوغست ، من خلال تحويل لوحات اوغست الساكنة الجامدة الي لوحات سينمائية حية، تنطق بعشق الحياة وجمال المنظر الطبيعي في فرنسا ،وهي تعلي ايضا من شأن الحب وقيمة الحب، وعشق الجمال، وعناق الوجود ، وتتسامي بارواحنا.. وتصبح بمرور الوقت قطعة منا
وكان جان رينوار كثيرا مايردد انه كان يحاول دوما في افلامه ان يكشف كيف تأثر بوالده الفنان الرسام العبقري, وكان اوغست كثيرا مايردد اني احب اللوحات التي نجعلك ترغب في ان تدلف الي داخل اللوحة وتتجول فيها..
ولذلك يناقش المعرض الذي يمتد علي مساحة 600 متر مربع عدة موضوعات اوثيمات مشتركة بين الاب والابن، من ضمنها موضوع البورترية الشخصي، والبورتريهات العائلية( كان اوغست يرسم نفسه ويضع زوجته واطفاله في لوحاته كما صور الابن نفسه في السينما من خلال التمثيل في بعض افلامه ) و كيفية تقديم وتمثيل " الموديل " في التصوير ( الرسم ) والسينما، وتأثير " الطبيعة " في اعمال الاب اوغست المصور الانطباعي، وفي العديد من افلام الابن جان المخرج السينمائي، واهتمام الاثنان معا ب" التكوين " في اعمالهما ، وهذه هي المرة الاولي التي يناقش فيها معرض في فرنسا العلاقة بين مذهب الانطباعية في الفن التشكيلي وفن السينما.. ويشرح كيف عكست اعمال الاب والابن بشكل ما صورة لطبيعة الحياة الاجتماعية والتقاليد الفنية الجمالية في اواخر القرن 19 وبداية القرن 20..

التأثرية ثورة علي التقاليد الاكاديمية

في مدينة ليموج الفرنسية ولد بيير اوغست رينوار عام 1841 لاب ترزي خياط انجب 7 اطفال مات منهما اثنان في الصغر، وعندما بلغ اوغست الثالثة من عمره انتقلت الاسرة الي باريس، حيث تردد علي المدرسة لفترة 6 سنوات فقط، وفي سن العاشرة انضم الي محترف رسام سيراميك كي يتعلم حرفة النقش والرسم علي الاطباق الصيني وتزيينها، وبسبب امتهانه لهذه الحرفة وعنايته الفائقة بالصنعة الجيدة, ظل اوغست طوال حياته ، حتي بعد أن اشتهر كفنان رسام, ظل يردد انه يعتبر نفسه " صانع يدوي وحرفي رسم " اكثر منه فنان ومصور رسام, ولم يكن يأبه بالحديث والمغالات في الاحاديث الذهنية التي اشتهر بها الفرنسبون حول النظريات الفنية، ويعتبر ذلك لغوا. كان يرسم رينوار لمتعته الخاصة ويقول ان اللوحة يجب اولا ان تكون جميلة، وتستمتع بها العين , ولذلك كانت لوحاته تعبيرا عن الحرية وبهجة للعيون. واهتم اوغست منذ حداثته بالرسم ولما لم يكن يجد قلما يرسم به كان يستخدم طباشير والده الخياط ويروح يخطط بالطباشير علي الابواب والجدران, وكان يتقاضي ثلاث مليمات نظير رسم ماري انطوانيت علي اطباق الطعام، ثم انضم الي محترف الرسام جلير ليتعلم اصول الرسم ومن بعدها التحق بكلية الفنون الجميلة, وعلي عكس الفنانين الانطباعيين مثل مونيه وبازيل كان رينوار لايستطيع مثلهما الاعتماد علي اسرته في الانفاق علي دراسته, وكان عليه ان يكدح ويشقي كي يدفع بنفسه مصروفات الدراسة. وكان رينوار يتردد كثيرا علي متحف اللوفر ليتعلم الرسم وينقل عن لوحات كبار الفنانين ويقلد اساليبهم، وفي محترف جلير تعرف اوغست علي مونيه وبازيل وارتبط معهما بصداقة وثيقة وكان ثلاثتهم يقضون عطلة نهاية الاسبوع في غابة فونتان بلو علي مقربة من باريس في حضن الطبيعة , وكان رينوار يتفوق عليهما في الرسم بسبب المهارة التي اكتسبها في مهنته السابقة كرسام علي الاواني الخزفية ، ومن خلال تلك اللقاءات ولدت الحركة الانطباعية في الفن..
في عام 1866 شارك اوغست رينوار ياولي لوحاته في " صالون باريس " حيث كان متأثرا بالاسلوب الواقعي وباعمال فناني القرن الثامن عشر، ولكنه في عام 1768 رسم أول لوحة تتضمن مميزاته الفنية التي عرف بها ، وميزت شخصيته في الرسم بعد ذلك. كانت جماعة الانطباعيين او التأثريين التي اقامت أول معارضها الجماعية عام 1874 تمثل ثورة علي الفن الرسمي الذي فرضه رجال " اكاديمية الفنون الجميلة " علي الحياة الفنية الفرنسية. عارض التأثريون فكرة اعتماد فن التصوير الزيتي علي الرسم بالخطوط الواضحة المؤكدة والمحددة للعناصر المرسومة، وفضلوا عليها استخدام اللمسات اللونية الصافية غير الممزوجة والموضوعة علي قماش اللوحة بحرية دون اخفاء هذه اللمسات او دمجها ، في محاولة لنقل تأثرهم بالاضواءالمنعكسة عن العناصر التي يرسمونها، دون تحديد للخط الخارجي المحدد لهذه العناصر, بحيث يتعرف المشاهد علي الاشكال من خلال الوانها واضوائها وانعكاسات لون كل عنصر علي العناصر المجاورة لهن هذا دون الاهتمام بموضوع اللوحة ، فقد اعتبروا ان كل شييء في الكبيعة يمكن ان يكون موضوعا لفن التصوير. وقد تميز رينوار عن غيره من الفنانين التأثريين بميله الي تصوير الاشخاص, بينما كرس معظم زملائه لوحاتهم لرسم المناظر الطبيعية، كما كان أشد اهتماما باشاعة البهجة غي لوحاتهن فالالوان الصافية وتلألؤ الاضواء عنده ليس غاية في ذاتها، وانما هو وسيلة لبناء الشكل الذي يتميز في لوحاته بالليونة والغبطة واللطف، بينما لم تعد المناظر الطبيعية عنده الا حاشية بهيجة تحيط بما يرسمه من نساء واطفال, اطفاله واطفال اصدقائه. وعندما بدأ يشتهر كمصور للحياة الباريسية عن جدارة، ويكسب من لوحاته ، سافر الي الجزائر وايطاليا واسبانيا، ولم يكف عن تثقيف نفسه , وكان يعتبر ان كل لوحة يرسمها هي لوحته الاخيرة ومن ثم فهي " تمرين " سوف يمنحه فرصة للتدقيق من جديد في اسلوبه، والتأكيد علي بصمته الرينوارية- ان صح التعبير- و النورانية الفريدة في اللوحة التي سوف تحمل توقيعه. ولذلك كان رينوار بمجمل لوحاته واعماله الفنية، استطاع ان يخلق نمطا من السعادة، مثل الشخصيات النمطية في السينما، بالرسم. وكان علي الابن جان رينوار ان يأخذ هذا النمط " الساكن " المتمثل في لوحات واعمال الاب , هذا " النمط " من اشكال السعادة المتعددة في لوحاته، التي تلهج بالثناء علي حب الحياة واغتنام المسرات، لكي ينفخ فيه الحياة ويجعله " متحركا " وناطقا أي يعيد تصويره وخلقه من جديد بالصورة المتحركة أي بالسينما. ويكفي ان نتأمل في ملصق المعرض الذي يضم صورتين صورة للوحة للاب رينوار علي اليمين, ولقطة من فيلم " غداء علي العشب " للابن جان رينوار علي اليسار لكي ندرك كيف ولد – بضم الواو- استوديو الابن من مرسم الاب , وكيف نجح جان رينوار في ان ينفخ في لوحات اوغست الاب الحياة ويجعلها من خلال افلامه قطعة من تراث هذه الاسرة الفنية الفرنسية العبقرية وقطعة من تراثنا الانساني السينمائي الفني لكل العصور ..
والواقع انه لاغرابة في ان تخرج افلام جان رينوار من رحم مرسم الاب, فقد كان اوغست رينوار تأثر أكثر من غيره بالتصوير الفوتوغرافين فكانت بعض لوحاته عبارة عن مناظر مقتطعة بواسطة اطار اللوحة من منظر اكثر اتساعا، تماما كالصورة الفوتوغرافية التي تلتقط جزءا من المشهد يحدده الاطار اعتباطا، ولكن معظم لوحاته ذات تكوين متماسك..
لقد استطاع رينوار كما يقول عنه الناقد الامريكي برنارد مايرز, حتي بعد ان اقعده الشلل نتيجة مرض التهاب المفاصل منذ عام 1899 وكان يضطر الي ربط فرشاة الالوان بين اصابعه العاجزة عندما كان يرسم من فوق مقعده المتحرك ، استطاع ان يجمع كل الرسامين العظام ويجعلهم ينطقون عبر لوحاته. جمع رينوار عظمتهم وحيويتهم واحساسهم بالاتساعات الهائلة من خلال احساسه العميق بالحياة, واستطاع ان يعبر عنها بألوان مدرسة التأثرية الجديدة..

التعبير عن " الانسانية المشتركة " لجميع الناس

في عام 1924 وكان جان رينوار- ابن اوغست رينوار - بلغ الثلاثين من عمره شرع في اخراج اول افلامه، فكان بداية لمسيرة سينمائية رائعة في عالم الاخراج السينمائي امتدت من عام 1924 الي عام 1969 أي لفترة تزيد علي الخمسة والاربعين عاما ، استطاع خلالها جان رينوار وعبر اكثر من 20فيلما ان يضع بصمته علي تاريخ السينما في فرنسا والعالم ، كما فعل والده في عالم الفن التشكيلي والرسم ، وكانت الافلام التي اخرجها فرصة اتاحت له ان يؤكد علي رؤية والده الفنية والفلسفية تجاه الوجود والحياة ويمنحها من روحه وتجربته الفنية الفذة , ويكفي كمثال علي ذلك ان تلك الحياة الباريسية التي عبر عنها الاب في لوحاته , بفرحها وتألقها ورقصها وبهجتها, في نهاية القرن 19, استطاع جان ان ينقلها لوحة لوحة الي فيلم " رقصة الكان كان الفرنسية FRENCH CANCAN" من انتاج 1954 ويحكي فيه عن ملهي المولان روج في باريس وحياة الراقصين والراقصات والجو العام في حي المونمارتر في ذلك الوقت,ويقول رينوار عن هذا الفيلم : " حاولت منذ اكثر من ثلاثين عاما ان اعثر علي وسيلة استطيع بها ان اعبر عن ذلك الحب الحسي الجسماني للاشياء والاشخاص البشر في لوحات ابي, واخيرا استطعت ان احقق ذلك في فيلم " رقصة الكان كان الفرنسية " من خلال جمال الممثلة سيلفيا باتاي, بالاضافة الي الالوان التي استخدمتها في الفيلم, والموسيقي التي وضعت له, وكنت سعيدا بالنتيجة التي توصلت اليها، بعدما نجحت في التذكير بلوحات ابي وفنه من خلال مشاهد الفيلم ولقطاته وشخصياته وتمثيل جان جابان...
" والواقع ان جان رينوار الذي يعتبره فرانسوا تروفو اعظم مخرج في تاريخ السينما الفرنسية , ومن معطفه كما ذكرنا خرجت الموجة الجديدة الفرنسية السينمائية في الخمسينيات, جرب كل انواع الفيلم في السينما ونجح او كاد. جرب الميلودراما في فيلم " الكلبة " ، والدراما او المأساة الاجتماعية في فيلم " توني " وجرب الفيلم التاريخي في " نشيد المارسيييز " والتراجيكوميديا في " قواعد العبة " الذي يعتبر احد اعظم 10 افلام في تاريخ السينما العالمية ،كما سافر الي هوليوود وحقق عدة افلام هناك من ضمنها فيلم " مذكرات خادمة " تمثيل جان مورو ثم عاد الي فرنسا واخرج عدة افلام من بينها " الفرنش كان كان " و" نزهة في الريف " و" غداء علي العشب " عام 1959, غير ان الشييء الاساسي الذي يحسب له كمخرج عظيم مثل مخرجناالعظيم المصري العربي صلاح ابو سيف, انه ارتبط بمذهب الواقعية او فلنقل الواقعية الشعرية ، ومنذ اول افلامه " فتاة الماء " عام 1924 ,.. وذلك لان افلامه الواقعية تأنف ان تكون اسيرة للواقع، بل تتسامي لتصل به الي مصاف الشعر, وتصبح مثل القصائد السينمائية ، بمعالجات رينوار الفريدة, التي تعتمد في جزء كبير منها علي فن الارتجال، كما في موسيقي الجاز، وتنهل من فن الممثل. ولذلك فهو امتداد ايضا لرؤية والده الفنية الذي كان يعتمد علي الارتجال ايضا في لوحاته ويهتم برسم الشخصيات, اكثر من اهتمامه بالمنظر الطبيعي في الخلفية, والمهم في عمل الاثنين وبؤرة الاهتمام هو الانسان, ولم يكن جان رينوار يعبأ ببيع بعض ممتلكاته من لوحات ابيه لكي يصرف علي افلامه و ينتجها وبخرجها بنفسه كما يشاء..وكانت تجربة الحرب العالمية الثانية التي شارك فيها كمجند في سلاح الطيران وشاهد مآسي الحرب وهو يقود طائرة استطلاع تركت تأثيرات كبيرة علي نفسه ومعتقداته وقناعاته, وجعلته يقترب اكثر بافلامه من الواقع، يقترب اكثر من انسانيتنا، ويجعلنا لانمل ابدا من افلامه ومن مشاهداتها عشرات المرات, ومن ضمنها فيلم "قواعد اللعبة " الذي يعتبر " تحفة " سينمائية و يدرس هنا في مدارس ومعاهد السينما الفرنسية والعالمية كأحد اعظم الافلام " الانسانية " التراجيكوميدية في تاريخ السينما العالمية..
في عام 1979 نشر المخرج الامريكي العملاق أورسون ويلز مقالا بعنوان " جان رينوار اعظم المخرجين جميعا "، مؤكدا بكلامه علي شهادة فرانسوا تروفوبأن رينوار هو اعظم مخرج في العالم ، وأن فن رينوار يتمثل علي الخصوص قي طريقته التي لامثيل لها في ادارة او بالاحري " قيادة " الممثلين بل واكثر من ذلك في " استخدامهم " لذلك فان قوله بأن الفيلم هو حكاية قصة وايجاد الوسائل العملية لكي نحكيها، تعني بالنسبة اليه انه يعرف كيف يستخدم الممثلين الذين سيجسدون تلك القصة, ويستفيد منهم، اكثر مما يستفيد بالتقنيات ، أي بزاويا الكاميرا, وأساليب المونتاج..
ان الانسان كما يقول جان رينوار يعتمد علي الارض التي تطعمه, وظروف الحياة التي تشكل قلبه وعقله, والمنظر الطبيعي الذي يمر امام عينيه كل يوم, اكثر من اعتماده علي ابناء جلدته، والجنس الذي ينتمي اليه..
ويضيف رينوار " " ان الانسان الفرنسي الذي يعيش في فرنسا, ويشرب النبيذ الاحمر ، ويأكل الجبن الفرنسي الطري، يستطيع امام المشهد الباريسي الرمادي أن يبدع عملا جيدا ، حين يعتمد فقط علي التقاليد التي ابدعها اناس مثله عاشوا في ذات المكان.. "...
هكذا كان جان رينوار المخرج الانساني العظيم الذي كتب في سيرته الذاتية يقول : " ظل هدفي الرئيسي منذ ان قررت ان اصبح مخرجا, التعبير عن " الانسانية المشتركة " بين جميع الناس "..
زائرا كنت الي باريس أو مقيما ، لاتدع فرصة مشاهدة هذا المعرض الفذ الذي يضع لوحة من عمل الاب الي جوار لقطة من فيلم من اخراج الابن ويدعك تتأمل وتدرك وتعجب بفكرة المقارنة ، والتشابه بين الاثنين، والعناصر المشتركة بينهما ، ويرينا كيف خرج استوديو الابن المخرج من محترف الاب الرسام، بالوثائق والافلام واللوحات والصور, لاتدع فرصة مشاهدة هذا المعرض الرائع في السينماتيك الفرنسي, محطة "بيرسي " في الحي 12 باريس ، والمفتوح حتي 6 يناير 2006 تفتك بأي ثمن,والجدير بالذكر ان السينماتيك الفرنسي ( دار الافلام ) يعرض في نفس الوقت الاعمال السينمائية الكاملة لجان رينوار في نسخ جديدة للافلام ، حتي نهاية ديسمبر 2005، كما ينظم العديد من المحاضرات التي يتحدث فيها المختصون عن فن التصوير عند اوغست وفن الاخراج السينمائي عند الابن المخرج السينمائي العملاق جان رينوار..