السبت، سبتمبر 17، 2016

مختارات سينما إيزيس : فاتن حمامة ودواعش الدولة العميقة بقلم أسامة عبد الفتاح

مختارات سينما إيزيس



فاتن حمامة ودواعش الدولة العميقة

بقلم


 أسامة عبد الفتاح



** سقط مبارك وبقيت أطراف نظامه وتوحشت.. وسقط مرسي وبقيت أيديولوجيا جماعته كامنة في أحشاء مجتمع أصابه فيروس الوهابية قبل نحو أربعة عقود ولم يُشفى منه
أخطر ما في أزمة إزالة اسم فاتن حمامة من على إحدى مدارس القليوبية - وأقصد تماما أنها أزمة، بل وأضيف أنها خطيرة - أن المسألة لم تتوقف عند حدود قرار حكومي صادر عن "دولة عميقة" متطرفة وفاشية فشلنا في القضاء عليها، بل تجاوزتها إلى "مظاهرات شعبية" - أيا كان حجمها - رفضا للنجمة الكبيرة الراحلة واسمها، مما يعني أن الدولة العميقة ليست إدارية فحسب، بل ضاربة بجذورها في قاع مجتمع يبدو أننا لا نعرف عنه شيئا.
سقط حسني مبارك وبقيت أطراف نظامه ودولته العميقة بل وتوحشت، وسقط محمد مرسي وبقيت أيديولوجيا جماعته ونظام عشيرته كامنة في أحشاء مجتمع أصابه فيروس الوهابية قبل نحو أربعة عقود ولم يُشفى منه حتى الآن، وبقيت أيضا نائمة في صدور تعلمت الفاشية قبل الأبجدية، وظلت تتخفى وراء القناع تلو القناع وفقا للظروف والتطورات السياسية إلى أن تحيّن داخلها الأسود المتطرف الفرصة لكي يطفح على الوجوه وينفجر في وجه الجميع.
في ظل نظام وجد رئيس وزرائه السابق، ومستشاره الحالي للمشروعات القومية، إبراهيم محلب، الوقت والطاقة لكي يمنع بنفسه فيلما سينمائيا، تفهمتُ تماما قرار اللواء رضا فرحات، محافظ القليوبية، رقم 483 لسنة 2016، بوقف تنفيذ القرار رقم 177 لسنة 2015، والصادر من المهندس محمد عبد الظاهر، محافظ القليوبية السابق والإسكندرية الحالي، فيما تضمنه من إطلاق اسم الفنانة الراحلة على مجمع مدارس ترسا للتعليم الأساسي التابعة لإدارة طوخ التعليمية، وذلك تنفيذا للحكم الصادر من محكمة القضاء الإداري بالقليوبية في الدعوى رقم 11694 لسنة 2016، والمقامة من سعد زغلول المحامي وآخرين من أبناء قرية ترسا بمحافظة القليوبية.
لكن ما لم أفهمه على الإطلاق أن تشهد القرية سلسلة من التظاهرات لعدد من أبنائها - حتى لو كان محدودا - رفعوا اللافتات والرايات رفضا لوضع اسم فاتن حمامة على المدرسة، وكأنه اسم مجرمة أو امرأة سيئة السمعة، وليس اسم نجمة القرن الماضي السينمائية والفنانة الكبيرة المحترمة التي خرجت من بين صفوف الناس وعاشت معهم نحو ثمانية عقود منذ طفولتها وحتى رحيلها العام الماضي.
وهناك تفسيران لا ثالث لهما عندي: فإما أن يكون هؤلاء - سواء من حرّكوا الدعوى القضائية أو من قاموا بالتظاهر - من دواعش الدولة العميقة الصغار الذين يحتقرون الفن - مثل نظرائهم في الحكومة - ويحرّمونه ويكرهون رموزه، أو أن يكونوا من جمهور "الأغلبية الصامتة" الذي لا ندري عنه شيئا، والذي لا يخرج مفهوم الفن عنده عن مسلسل ميلودرامي فج لمحمد رمضان تتم مشاهدته على المقهى على أنغام كركرة الشيشة أو أغنية "مهرجانات" صاخبة يتم سماعها في "توك توك" أو ميكروباص.
أما فاتن حمامة، التي غيَّب جسدَها موتُ لن يمنع بقاءها حية في قلوبنا وأذهاننا جميعا، فستبقى رغما عنهم جميعا، فهي ليست مجرد ممثلة كبيرة قدمت عشرات الأعمال الفنية الخالدة، وليست مجرد نجمة عالية لامعة تحتل أكبر مساحة من سماء تاريخنا السينمائي، وليست حتى مجرد سيدة للشاشات العربية كلها، بل هي جزء لا يتجزأ من حياتنا ويومياتنا، ومن وجدان هذا الشعب الذي تربت على يديه وفي فنائه.
ستبقى لأن ارتباط المصريين بها ليس إعجابا بممثلة تألقت على الشاشة أو نجمة جابت شهرتها الآفاق، بل حب حقيقي لواحدة منهم خرجت من رحمهم لتعبر عنهم بصدق وتطرح قضاياهم في كل لحظة مجيدة أو مريرة من تاريخهم العريق.
احتضنوها طفلة تخاطب بشجاعة كبيرا في قامة محمد عبد الوهاب، ووجدوها تنطق بأصواتهم وتعبر عن عهدهم الجديد حين التفوا حول ثورة جيشهم في يوليو 1952، وبكت معهم بعد هزيمة 1967، واحتفلت معهم بنصر أكتوبر العظيم، وتعجبت مثلهم من انفتاح ومقاولات السبعينيات.. وحين انتفضت السينما المصرية لتفجّر واقعيتها الجديدة المتمردة، كانت موجودة لتشارك جيلا جادا من السينمائيين تجربته، ويعلو صوتها بصرخته.. وكما زارها أهلها وذهبوا إليها كثيرا في "بيوتها"، أي قاعات السينما، فقد ردت الزيارة ودخلت بيوتهم عن طريق التليفزيون.
لها مكانة خاصة جدا في قلب هذا الشعب العظيم لأنها لم تأت من وراء أي بحر قاصدة الشهرة أو المال، بل كانت دائما ابنته وابنة البلد المصرية التي تليق بها كل جلابيب وأزياء المصريات: فلاحة، صعيدية، جامعية، مهنية، ثائرة، مثقفة، مسئولة كبيرة، جاهلة بسيطة.. كانت – وستظل – أهم مرادف لكلمة "المصرية".

عن جريدة القاهرة بتاريخ 16 اغسطس 2016

ليست هناك تعليقات: