الجمعة، أغسطس 30، 2019

تربية الحصان الشارد بقلم صلاح هاشم.فقرة جديدة في زاوية " نزهة الناقد . تأملات في سينما وعصر " يكتبها صلاح هاشم


نزهة الناقد. تأملات في سينما وعصر

تربية الحصان الشارد

بقلم
صلاح هاشم من قلعة الكبش



قبل أن أدلف أنا الحصان الشارد الى عالم السينما الكبير، قادما من عالم الأدب،كنت أحب القراءة .خطفتني جنية القراءة بعد أن علمني أبي " عم هاشم " أن اقرأ وأكتب وأنا في سن الخامسة، وقبل أن التحق للدراسة في مدرسة حسن باشا طاهر الابتدائية في حي الحلمية القريب من حينا العريق " قلعة الكبش - في السيدة زينب ، بل مازلت أتذكر بعض وقائع أول يوم أخذتني فيه أمي الحاجة سيدة سيد محمد مرزبان بنفسها الى المدرسة وأنا سعيد جدا بمريلتي الجديدة ، وعندما نودى أخيرا على إسمي - صلاح هاشم مصطفي - وأنا اراقب العصافير المغردة على الشجر،دفعتني أمي الى باب مدرسة باشا طاهر الابتدائية الكبير، وسمعتها تردد كلاما،لم أفهمه ،ودعوات سريعة مبهمة، وكأنها كانت تضعني على أبواب الجنة ، بعد أن نجحت - هي السيدة الأمية -في أن تطلب لي إذنا بالدخول.وكان وزير التربية والتعليم آنذاك هو د. طه حسين وفي عهده صار التعليم مثل الماء والهواء، والرئة التي يجب أن يتنفس بها ذلك الطفل الصغير القصير الذي كنته ، وحقا مكفولا لأبناء الفقراء مثلنا ، نحن الأولاد الأشقياء في قلعة الكبش..
قرأت كثيرا في علم الاجتماع وعلم التاريخ- وبخاصة حضارة مصر القديمة - والفلسفة والفنون البصرية،وكتب المتصوفة، التي تركها لي جدي الحاج سيد محمد مرزبان-  الذي تخرج في الأزهر - في مكتبته في بيت الشيخ راشد ، ذلك البيت الذي شهد مولدي في 3 شارع قلعة الكبش في حينا العريق قلعة الكبش، مثل كتاب " الفتوحات المكية "لإبن عربي، ولاشك انها تركت- تلك قراءات - طابعها في اسلوبي الأدبي في الكتابة، وتلك الصياغات، التي يسبح بها قلمي..
وقبل أن أفكر وأنا في السابعة من عمري، في صنع ألبوم للقطات الأفلام التي كنا نجمعها من على رصيف سينما إيزيس الخلفي- كان عامل العرض يلقي بها من غرفة العرض الى الطريق- وأدلف الى عالم السينما الكبير..
كنت أقنعت أصدقائي من الأولاد الأشقياء في قلعة الكبش بإنشاء مكتبة بقروشنا القليلة ، جمعنا فيها عدة كتب وبضع أعداد من مجلة " سندباد" اشتريناها من عم صابر بائع الكتب الذي كان يفرش الروايات وكتب المناهج الدراسية ومجلات سندباد آنذاك في فترة الخمسينيات من القرن الماضي على الرصيف الملاصق لحديقة الحوض المرصود في شارع مراسينا ،على بعد خطوات من مسجد أحمد بن طولون، ومستشفى حوض المرصود للأمراض الجلدية..
وكم كانت فرحتنا كبيرة ،عندما استطعنا بالقروش التي جمعناها من بعضنا نحن الأشقياء الصغار في حينا العريق- أن نشتري حفنة من روايات الجيب المترجمة الى العربية- ترجمة الأستاذ عمر عبد العزيز أمين مازلت أتذكر - مثل رواية الكونت دي مونت كريستو، ورواية أحدب نوتردام لفيكتور هوجو، بالاضافة الى الروايات البوليسة لإرسين لوبين وأجاثا كريستي ومايك هامر وروايات طرزان ومجموعة كبيرة من مجلة " سندباد" وكنا نتبادلها في ما بيننا ، ثم رواية فذة بعنوان" هي أوعائشة " لكاتب انجليزي يدعى سير رايدر هاجارد،وكانت هذه الرواية تحكي عن ملكة في افريقيا استطاعت بقوة جمالها وسحرها، أن تستحوذ على قلوب الرجال،وكانت أول رواية تعلمت منها فن الحكي
 فصرت أخترع روايات ، وأتلوها على زملائي في مدرسة حسن باشا طاهر الابتدائية، بل أكثر من ذلك، كنت أرسم لهم في كراسات العلوم، الطيور الجميلة الملونة التي كنا نشاهدها في رحلتنا داخل الغابة، وجعلت من عمي عبده الذي كان يعمل آنذاك مشرفا على مكتبة مطبعة البابي حلبي وأولاده في حي الدراسة، مغامرا وصيادا للوحوش في افريقيا، و بطلا لكل تلك المغامرات التي عشناها ونحن نبحث في قلب الأدغال عن عائشة، وكنوز الملك سليمان  ونأكل من السمك المشوي الذي كنا نصطاد من مياه نهر النيل العظيم.أما لماذا اخترت عمي عبده، ليكون بطلا لهذه الحكايات التي كنت أرتجلها وأرسمها لزملائي الصغار - وكنت أقهر بها خجلي وشقاوتي وأنا صغير و"عفريت" هكذا كانت تناديني أمي، وقصير وأسود - فهذه قصة أخرى..
( يتبع )

ليست هناك تعليقات: